- تلعب الجمعيات مثل جمعية مرضى السرطان دوراً مهماً في دعم المرضى قضائياً، حيث يستند المحامون إلى الدستور التونسي والمواثيق الدولية لضمان حق الصحة.
- يواجه النظام الصحي تحديات في توفير الأدوية الحديثة بسبب تكلفتها، مما يثير تساؤلات حول نجاعة المنظومة الصحية ويدعو لتحسينها لضمان المساواة في النفاذ إلى العلاج.
ترتفع في تونس وتيرة لجوء المرضى إلى المحاكم للحصول على الأدوية أو العلاجات المتطوّرة، ولا سيّما المصابين بالسرطان والأمراض النادرة والمزمنة. وتبرز القضايا الاستعجالية بهدف ضمان العلاج في موعده، عوض أن تبقى حياة المريض معلّقة بإجراءات إدارية تؤخّر فرص الشفاء.
أثار مقطع فيديو للمريضة التونسية سيرين الشابي تطالب فيه السلطات بالتدخل لتنفيذ حكم قضائي يمكّنها من الحصول على جرعات الدواء اللازمة لعلاج مرض السرطان، جدلاً واسعاً حول المعارك اليومية التي يخوضها المرضى لضمان حقهم بالرعاية الصحية. لا تُعدّ حالة سيرين استثناءً في تونس، حيث شهدت محاكم البلاد خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً في القضايا التي يتقدّم بها عدد من المرضى، خصوصاً المصابين بالسرطان والأمراض النادرة والمزمنة، للمطالبة بالحصول على أدوية أو علاجات متطوّرة أو إلزام الجهات المعنية بتكفّل العلاج.
وتؤكد فاطمة (اسم مستعار)، وهي مريضة سرطان في العقد الخامس من عمرها، أنها لم تتوقع أن تتحول رحلة علاجها إلى معركة قضائية، فبعد أن وصف لها الطبيب دواءً باهظ الثمن، اصطدمت بتأخر إجراءات التكفل به من قبل الصندوق الوطني للتأمين على المرض، ما دفعها إلى اللجوء إلى القضاء الاستعجالي للحصول على حُكم يُجبر الجهة المعنية على توفير العلاج قبل فوات الأوان. تقول فاطمة لـ"العربي الجديد": "كنتُ أخشى أن أفقد فرصتي في العلاج. لم يكن أمامي أيّ خيار سوى المحكمة، لأنّ المرض لا ينتظر والإجراءات الإدارية كانت أطول من قدرتي على التحمّل". ومن أجل تأمين حقها في العلاج، اضطرّت فاطمة إلى تحمّل مصاريف المحامي، في وقتٍ يُفترض فيه أن تسخّر جهدها المالي والنفسي لإنقاذ صحتها، وفق قولها.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وتُعدّ القضايا الاستعجالية للحصول على قرارات تكفل العلاج في موعده، من بين الحلول التي يلجأ إليها المرضى في تونس، من أجل الدفاع عن حقهم في الحصول على الأدوية أو جرعات العلاج الكيميائي. وتشير رئيسة جمعية مرضى السرطان روضة زروق إلى أن القضاء الاستعجالي يصبح في بعض الحالات الملاذ الأخير للمرضى عندما تتعطل إجراءات توفير العلاج أو التكفل به. وتؤكد لـ"العربي الجديد" أن ممثلي الجمعية يرافقون في بعض الأحيان المرضى لرفع دعاوى للحصول على العلاج أو تسريع مساراته، مشيرةً إلى أن المحامين المكلّفين بمتابعة هذه القضايا يستندون إلى جملة من النصوص القانونية التي تثبِّت الحق في الصحة والعلاج. وتضيف: "عندما يتعلق الأمر بالسرطان أو بالأمراض النادرة، يصبح الوقت جزءاً من العلاج نفسه. لذلك يلجأ الناس إلى القضاء، لأنهم يشعرون بأنّ حياتهم باتت معلّقة بقرار إداري".
وينصّ الدستور التونسي لسنة 2022 في الفصل 43 على أنّ "الصحة حقّ لكل إنسان"، وأن الدولة تضمن الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، وتوفّر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية. كما تضمن العلاج المجاني لفاقدي السند، ولذوي الدخل المحدود، وكذلك الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون. وتنصّ المواثيق الدولية التي صادقت عليها تونس، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على حقّ كلّ شخص في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية.
ويخضع صرف الأدوية الخصوصية وأدوية السرطان في تونس إلى مسار علاجي وإداري دقيق، بهدف ضمان وصول المرضى إلى العلاجات المتخصّصة التي تُعدّ من بين أكثر الأدوية كلفة داخل المنظومة الصحية. فبعد تشخيص المرض وتحديد البروتوكول العلاجي من قبل الطبيب المتخصّص في أحد مراكز علاج الأورام أو المؤسسات الاستشفائية، يُعدّ ملف طبي يتضمن الفحوص والتقارير اللازمة، ويُعرض في بعض الحالات على لجان طبية متخصّصة للمصادقة على العلاج، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأدوية مبتكرة أو باهظة الثمن. وبعد استكمال الإجراءات، تتولى الصيدلية المركزية التونسية توفير الأدوية وتوزيعها على المؤسسات الصحية العمومية، حيث يتسلّمها المرضى وفق مواعيد العلاج المحددة، وتحت إشراف الفرق الطبية المتخصصة.
ويُموَّل جزءٌ مهم من هذه العلاجات عبر الصندوق الوطني للتأمين على المرض الذي يتكفّل بمصاريف العلاج لفائدة المنخرطين ضمن منظومة التأمين الصحي، ووفق الضوابط المعمول بها. غير أنّ المرضى يواجهون أحياناً صعوبات مرتبطة بنقص بعض الأدوية أو تأخر توفير العلاجات الحديثة مرتفعة الكلفة، خصوصاً في مجال السرطان والأمراض النادرة.
ويرى رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير أن الدستور التونسي لسنة 2022 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يمنحان القضاء أساساً قانونياً للتدخل عندما يكون الحق في الحياة أو السلامة الجسدية مهدّداً بسبب عدم توفير العلاج. ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ القضايا المتعلقة بالحق في الدواء تطرح إشكاليّة معقدة تتمثل في التوفيق بين الإمكانات المالية لمؤسسات التأمين الصحي وواجب الدولة في حماية الحقّ بالحياة. ويوضح أن "القضاء التونسي يميل في الحالات الاستعجالية والخطيرة إلى تغليب الحق في الحياة والعلاج على الاعتبارات الإدارية، ولا سيّما عندما يُثبت الأطباء أن التأخير قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمريض".
ويشير عبد الكبير إلى أن بعض الأحكام تصدر في فترة زمنية قصيرة نسبياً، نظراً إلى الطابع الاستعجالي لهذه الملفات، لكن تنفيذها قد يواجه أحياناً صعوبات مرتبطة بتوفير الأدوية أو بالإجراءات الإدارية. وتبرز ملفات مرضى السرطان ضمن أكثر القضايا المعروضة على القضاء، بالنظر إلى ارتفاع أسعار العلاجات الحديثة وحساسية التوقيت في تلقّي الجرعات العلاجية.
ويؤكّد أطباء أن العديد من الأدوية المبتكرة باتت تساهم في رفع نسب الشفاء أو إطالة أمد الحياة، لكن كلفتها المرتفعة تجعل الوصول إليها مرتبطاً بقرارات التكفّل الإداري أو بالقدرة المادية للمرضى. ويعتبر الطبيب رفيق بوجدارية أنّ لجوء المرضى إلى المحاكم من أجل الحصول على العلاج، يثير تساؤلات حول نجاعة المنظومة الصحية ومدى قدرتها على ضمان المساواة في النفاذ إلى الدواء.
وفي تدوينةٍ عبر صفحته على "فيسبوك"، أشار بوجدارية إلى أن نجاح أي منظومة هو رضاء مستعمليها. وقال إنّ الجهود الجبّارة التي بذلها التونسيون على مرّ الأعوام من أجل منظومتهم الصحية يجب أن تتواصل، وذلك بمراعاة التحوّل الكبير في طبيعة الأمراض، حيث تشكّل أمراض القلب والشرايين والسرطان والسكري وأمراض الشيخوخة والأمراض النفسية غالبية الأمراض المنتشرة بين التونسيين. ودعا إلى عدم السكوت "أمام التفاوت بين الخاص والعام في المواعيد، وأمام الفروقات في نسب الشفاء بين الغني والفقير، لأنّ الحقّ في الصحة حقّ كونيّ لكلّ مواطن، منصوص عليه في الدستور، ولا يمكن التراجع عنه".