استمع إلى الملخص
- أظهرت دراسة أن 80% من الأطفال في تونس يتعرضون لعنف يؤثر على سلامتهم، وتقدر الكلفة الاقتصادية للعنف ضد الأطفال بنحو 2.6 مليار دينار تونسي في 2022.
- يشدد رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل على ضرورة استراتيجية وطنية شاملة، محذراً من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وضرورة مراجعة السياسات العقابية.
في سياق الحرص على صحة الأطفال الجسدية والنفسية، ولا سيّما مع ارتفاع مؤشّرات الخطر المحيط بهذه الفئة من المجتمع وسط انتشار المخدرات والجرائم السيبرانية والعنف الأسري، أُطلقت في تونس مبادرة وطنية تحت عنوان "طفل فاعل... طفل سليم". وتهدف المبادرة إلى حماية الأطفال، من مختلف الأعمار، من السلوكات المحفوفة بالمخاطر التي قد يتعرضون لها، إلى جاتب توفير آليات للوقاية منها.
وأعلنت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ في تونس إطلاق المبادرة، اليوم الاثنين 27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، على أن تمتدّ حتى الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وذلك بالتزامن في كلّ محافظات البلاد، مشيرةً إلى أنّها تهدف إلى إشراك أولياء الأمور والأطفال أنفسهم في عمليات الوقاية من مخاطر الفضاء الرقمي وإدمان الشاشات والتنمّر والمخدرات والعنف في الفضاءات العامة وفي داخل الأسر.
وتعوّل الوزارة، وفقاً لما نشرته في هذا السياق، على صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، على إشراك الأطفال في صياغة مضامين ورسائل تخاطب نظرائهم من أجل التأثير على أكبر قدر من الفئة المستهدفة وتقريب خطاب التوعية منهم، بما يمكّن من قيادة التغيير السلوكي باعتماد مختلف الأشكال التعبيرية والإبداعية.
يُذكر أنّ تونس كانت قد سجّلت في السنوات الأخيرة تزايداً في السلوكات المحفوفة بالمخاطر التي تحيط بالأطفال، الأمر الذي دفع منظمات مدنية معنيّة بحقوق الطفل إلى قرع ناقوس الخطر والمطالبة بمشروع وطني لحماية الناشئة.
تقول المكلّفة بتسيير الإدارة العامة للطفولة لدى وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ جميلة بالطيب إنّ "المبادرة سوف تتيح لأطفال تونس صياغة مضامين توعية تكون أقرب إلى لغة التخاطب التي يستخدمونها، فتكون بالتالي أقرب إلى الجمهور المستهدَف بالمبادرة". تضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "الطفل هو من يبثّ الخطاب ومتلقّيه في الآن عينه"، مشيرةً إلى أنّ "هذا المشروع التشاركي سوف يساعد السلطات لاكتشاف مزيد من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر التي يفصحون عنها، والتي لا تصل بالقدر الكافي إلى الأسر أو صنّاع السياسات".
وتبيّن بالطيب أنّ ثمّة "مؤشّرات إلى ارتفاع في منسوب العنف الذي يتعرّض له الأطفال"، مؤكدة أنّ "الأوساط الأسرية والمؤسسات التعليمية هي أكثر الفضاءات التي يمارس فيها العنف ضدّ الأطفال". وتتابع أنّ "العنف يتصدّر قائمة السلوكيات الخطرة التي تهدّد الأطفال في تونس".
وأظهرت نتائج دراسة أعدّتها وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في تونس، نُشرت نتائجها في شهر إبريل/ نيسان الماضي، أنّ "ثمانية أطفال من أصل كلّ عشرة في تونس يقعون ضحايا لأسلوب تأديب عنيف في الأسرة. فيتعرّض أكثر من نصف الأطفال (60.2%) للعنف على شكل عقاب بدني، وأكثر من 75% من الأطفال يقعون ضحايا للاعتداء النفسي".
وبحسب الدراسة المشار إليها، يواجه أطفال تونس من ضحايا العنف، سواء أكان العنف جسدياً أم نفسياً أم جنسياً، "تغييراً جذرياً في حياتهم بسبب العواقب الضارة على سلامتهم البدنية والنفسية طوال حياتهم. كذلك يؤثّر هذا العنف في قدرتهم على تحقيق إمكاناتهم التعليمية بالكامل". وقدّرت الدراسة الكلفة الاقتصادية للعنف ضدّ الأطفال في تونس، في خلال عام 2022، بنحو 2.6 مليار دينار تونسي (نحو 866 مليون دولار أميركي)، وهو ما مثّل نحو 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد لسنة 2022.
من جهته، يرى رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معزّ الشريف، أنّ "كلّ المبادرات المتعلقة بحماية الأطفال من المخاطر، باختلافها، لن تكون مجدية في غياب استراتيجية وطنية توضح المشروع المجتمعي الذي تتبناه الدولة لرعاية الأطفال وحمايتهم". ويؤكد الشريف لـ"العربي الجديد" أنّ "أطفال تونس يعيشون في مناخات وأوساط عنيفة تحوّلهم إلى متلقّين للعنف وكذلك مصدّرين له، ويبرز ذلك من خلال ممارسات مختلفة من بينها التنمّر وتعاطي المخدرات وارتكاب جرائم خطرة"، ويأتي ذلك "إلى جانب الفقر الذي يطاول 26% من الأطفال".
وينتقد الشريف بشدّة "غياب الاستراتيجيات الوطنية التشاركية بين القطاعَين الحكومي والخاص لحماية الأجيال المقبلة، وتقليص المخاطر الأمنية التي قد تصدر مستقبلاً عن أطفال تعرّضوا للعنف في أولى سنواتهم". ويشدّد على أنّ "مراجعة السياسات العقابية في الأوساط المدرسية وكذلك الأسرية من البوابات الرئيسية لمكافحة العنف ضدّ الأطفال"، هذا العنف الذي "تحوّل من الفضاءات المفتوحة إلى وسائل التواصل الاجتماعي". ويحذّر من أنّ "الأسر لا تتحكّم بالمضامين التي يتلقّاها أطفالها عبر الشاشات، وهي مضامين شديدة التأثير والخطورة".
ويلفت رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل، في سياق متصل، إلى أنّ "الأسر المنهكة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية باتت في قطيعة مع أطفالها، ما يولّد لديهم شعوراً بالفراغ، فتكون فجوة عاطفية، ويأتي التعويض عبر وسائل التواصل الاجتماعي". ويتابع أنّ "وسائل التواصل الاجتماعي بؤر لابتزاز الأطفال وللجرائم السيبرانية التي تستهدف الفئات الهشّة".
تجدر الإشارة إلى أنّ تونس توفّر حماية قانونية واجتماعية للأطفال من العنف، وتضمّ مجلة حماية الطفل قوانين صارمة لردع كلّ أشكال الإساءة والتهديد. وفي هذا الإطار، يتوفّر خط أخضر لتقديم الإشعارات المتعلقة بالأطفال المعرّضين للخطر، بالإضافة إلى وجود مندوبي حماية الطفولة في كلّ محافظات البلاد لتقديم المساعدة اللازمة.