جريمة الاعتداء على روان الأسعد في سورية... جرح لا يندمل

13 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:18 (توقيت القدس)
السلطات تلاحق الجناة، 7 ديسمبر 2024 (بلال الحمود/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعرضت روان الأسعد لاعتداء جنسي أثناء عودتها من العمل، مما أثر بشكل كبير على حياتها وحياة أسرتها، حيث أصبحت والدتها قلقة وأخيها الصغير خائفًا. بدأت التحقيقات للقبض على الجناة، لكن العائلة تواجه إشاعات مؤلمة على مواقع التواصل الاجتماعي.

- يؤكد الخبراء أهمية الدعم النفسي والاجتماعي لضحايا الاعتداءات الجنسية، حيث تترك هذه الحوادث ندوبًا طويلة الأمد. قانونيًا، تعتبر قضية روان من الجرائم الجنسية التي يعاقب عليها القانون بشدة، مع التأكيد على حماية الضحايا ومنع التشهير.

- تبقى قصة روان صرخة ضد العنف والإشاعات، ونداء لتحقيق العدالة والأمان.

لم تكن الفتاة السورية روان الأسعد (23 عاماً) تعرف أن طريق عودتها من العمل في مدينة سلحب بريف حماة، نحو قريتها حورات عمورين، مساء الثلاثاء التاسع من أيلول/سبتمبر 2025 سيحوّل حياتها إلى كابوس لا يُنسى، إذ تعرضت لاعتداء جنسي، مزق شعورها بالأمان، وتركها فاقدة للوعي.

حملت الفتاة على عاتقها مسؤولية إعالة أسرتها الفقيرة منذ وفاة والدها عام 2017، كانت تستقبل صباحها بابتسامة خافتة، لتبدأ عملها في أحد الأفران تخلط العجين بعناية، وتعد الخبز والوجبات اليومية، كل ذلك بروح صامدة رغم الصعوبات، ومع حلم بسيط بأن غدها سيكون أفضل. لكن ذلك اليوم، على الطريق العام، تغيّر كل شيء، وأصبحت لحظة العودة إلى بيتها كابوس طويل لا يُمحى.

يروى عم الضحية روان علي الأسعد  لـ"العربي الجديد" تفاصيل الحادثة موضحاً أن سيارة يستقلها مجهولان اعترضت طريق روان، وطلبا منها الصعود لإيصالها إلى منزلها، فرفضت. شعرت للحظة بأنها ما زالت في مأمن، لكن سرعان ما تحوّل الطريق إلى فخ، حين ظهرت دراجة نارية يقودها شخص ثالث خلف السيارة، ليجري اختطاف روان بالقوة إلى طريق فرعي بعيداً عن الأنظار، حيث اعتُدي عليها حتى فقدت وعيها، وعندما استفاقت، جمعت شتات نفسها، ممسكة بما تبقى من قوتها، وتوجّهت إلى بيت شعر لأحد الرعاة في المنطقة، طالبة المساعدة. أوصلوها إلى جسر حورات، حيث كان أولاد عمها ينتظرونها بقلوب مرتجفة، والدموع تملأ وجوههم وهم يرونها لأول مرة بعد الحادثة.

روان الأسعد... يتيمة تفقد الأمان

الأثر النفسي للجريمة امتد إلى البيت الصغير الذي تعيش فيه روان مع أمها وأخيها الصغير. أصبحت الأم قلقة طوال الوقت، لا تجرؤ على إرسال ابنها إلى المدرسة بمفرده، بينما بات الأخ الصغير خائفاً من الطريق وأصوات الليل، وفقد شعوره بالأمان في محيطه القريب. كل تفاصيل الحياة اليومية تغيرت، وبات البيت كله يحمل ثقل الخوف والحذر، حتى أصغر اللحظات لم تعد طبيعية.

وأوضح عم الضحية في المستشفى الوطني، أن التقارير الطبية أثبتت وقوع الجريمة، وبدأت التحقيقات الرسمية للقبض على الجناة وفق الأوصاف التي أدلت بها روان. لكن الألم لم يتوقف عند حدود الجريمة، إذ اجتاحت مواقع التواصل موجة من الإشاعات، بعضها يحمل اتهامات غير مسؤولة، وأخرى يحاول زرع الفتنة بين القرى، ما زاد من ألم العائلة وأضعف شعورهم بالأمان.

واضاف عم روان: "ابنتنا ضحية، لا ذنب لها فيما حصل، وما نراه اليوم من إشاعات وأكاذيب يزيد الجرح ألماً. الجريمة ارتُكبت أثناء عودتها من عملها، على الطريق العام، من أشخاص قدموا من شرق القرية، وكانوا يرتدون لباساً مشابهاً للفصائل المسلحة. نحن لم نتهم أحداً بعد، وننتظر الجهات المختصة لتأخذ حق روان وتقبض على المجرمين".

فرح القاسم: المأساة تتضاعف حين تتحول الضحية إلى مادة للتشهير بدل أن تتلقى الدعم النفسي والاجتماعي

وأضاف العم المفجوع، وهو يكاد يختنق بالكلمات: "ابنتنا منهارة جداً، نفسياً وجسدياً، والحياة لم تكن سهلة معها من قبل، فهي المعيلة الوحيدة لوالدتها وأخيها الذي لم يتجاوز السن القانوني بعد وفاة والدها. هذه الجريمة لم تؤثر عليها فحسب، بل على كل من حولها، وعلى قريتنا بأكملها. نحن نرفض أي محاولة لاستغلال مأساة روان لإشعال الفتن أو نشر الأكاذيب، فالفتاة لم تتعرض لأي مضايقة من قبل، ولم تقدم أي سلوك يستفز أحداً، أعمامها اليوم يقفون بجانبها ويساندونها للخروج من الوضع النفسي الصعب الذي هي فيه، ونحن جميعاً نحاول أن نخفف عنها قدر الإمكان"، وختم الأسعد قائلاً: "أشعر بالعجز أمام ما حدث، لكنّني أتمسك بالأمل أن ترى روان الجناة وراء القضبان. أطلب من الجميع التوقف عن نشر الأخبار الكاذبة والوقوف معنا في هذه المحنة. نحن نريد فقط العدالة، ونعمل على حماية روان من كل ألم إضافي"

وتوضح الناشطة الاجتماعية فرح القاسم لـ"العربي الجديد" أن: "المأساة تتضاعف حين تتحول الضحية إلى مادة للتشهير بدل أن تتلقى الدعم النفسي والاجتماعي. مثل هذه الحوادث تترك ندوباً طويلة الأمد على حياة الفتيات، والمجتمع كله مسؤول عن توفير بيئة آمنة لهنّ".

من جانبه، يشير الأخصائي النفسي الدكتور رامي المحمود لـ"العربي الجديد": "ضحايا الاعتداءات الجنسية غالباً ما يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب. الدعم النفسي الفوري، والبيئة الخالية من الوصم، من الأشياء الضرورية للتعافي".

قانونياً، يوضح المحامي المختص في الجرائم الجنائية، الدكتور محمد اليوسف لـ"العربي الجديد": "قضية روان الأسعد تدخل في إطار الجرائم الجنسية التي يعاقب عليها القانون بأقصى العقوبات، خاصة مع وجود تقرير طبي ولجنة مختصة تثبت وقوع الاعتداء. الإجراءات القانونية تبدأ بتقديم البلاغ للجهات المختصة، ثم جمع الأدلة، والتحقق من شهادات الشهود، والأوصاف التي أدلت بها الضحية، قبل إحالة القضية إلى النيابة العامة. حماية الضحايا أثناء التحقيقات ومنع أي تدخل أو تشهير أمر أساسي لضمان سير العدالة وعدم التأثير على مجرى القضية"، مضيفاً أنّ "الإشاعات على مواقع التواصل لا تؤثر على الضحية نفسياً فحسب، بل قد تُعرقل التحقيق القانوني، لذلك من الضروري الاعتماد على المصادر الرسمية وعدم تداول أي معلومات غير مؤكدة".

وبينما يواصل المحققون عملهم للقبض على الجناة، يبقى صوت روان صرخة مفتوحة في وجه العنف والصمت والإشاعات. قصتها ليست مأساة فردية، بل جرح قرية بأكملها، ونداء بأن الأمان ليس ترفاً، وأن العدالة ليست خياراً، بل حق يجب أن يتحقق. الطريق الذي كان مألوفاً وآمناً أصبح رمزاً للخوف والصدمة، لكنه أيضاً رمز للأمل بأن العدالة ستنتصر في النهاية.

المساهمون