جريمة بنغازي تثير النقاش بشأن العنف الأسري والأزمات النفسية
استمع إلى الملخص
- انتقد الناشطون سرعة إصدار السلطات لبيان رسمي، معتبرين أن ذلك قد يكون محاولة لإغلاق الملف دون استكمال التحقيقات، مؤكدين على أهمية دراسة الأوضاع الأسرية والضغوط النفسية.
- دعت الباحثة حسنية الشيخ إلى إنشاء قنوات دعم نفسي واجتماعي في ليبيا لمواجهة العنف الأسري، مشددة على مسؤولية الدولة في توفير الدعم للأسر والأطفال.
دفعت الحادثة المروعة التي ذهب ضحيتها أب وأطفاله السبعة في ليبيا، بالحقوقيين والناشطين إلى المطالبة بتحقيقات مستقلة، فالفاجعة قد تكون ناجمة عن أزمة نفسية واجتماعية عميقة تتطلب تدخل الدولة ومؤسساتها.
وسط تراجع الحديث والاهتمام الرسمي إزاء حادثة مقتل أب وأطفاله السبعة التي هزّت الشارع الليبي ومدينة بنغازي تحديداً، مساء الثلاثاء في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ناشد عدد من النشطاء والحقوقيين السلطات الرسمية والمعنيين دراسة الظواهر الاجتماعية والنفسية التي تتفاقم في أوساط المجتمع الليبي، معتبرين أن تراجع الاهتمام الرسمي يؤشر إلى غياب المتابعة الرسمية الجدية لهذه الحادثة المروّعة.
ومساء ذلك الثلاثاء، عُثر على جثث المواطن حسن الزوي وأطفاله السبعة داخل سيارة متوقفة على طريق في منطقة الهواري جنوب غربي بنغازي. وأظهرت مقاطع مصورة متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي الضحايا مصابين جميعاً بطلقات نارية في الرأس، بينما الأطفال كانوا يرتدون ملابسهم المدرسية، ما يشير إلى أن الجريمة وقعت أثناء عودة الأب بأطفاله من المدرسة.
وعقب انتشار الفيديوهات، أصدر رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد بياناً دعا فيه الأجهزة الأمنية إلى "فتح تحقيق عاجل وشامل في الواقعة المروعة"، مطالباً بالكشف السريع عن ملابساتها وتقديم تقرير واضح للرأي العام.
وصباح الأربعاء الماضي، خرج مدير أمن بنغازي الكبرى، اللواء صلاح هويدي، في بيان مصوّر، أكد فيه أن "نتائج التحقيقات الأولية أثبتت أن الزوي قتل أبناءه السبعة، أحدهم بالتعذيب، وستة رمياً بالرصاص، ثم أطلق النار على نفسه"، موضحاً أن "جميع الأطفال تعرضوا لإطلاق نار في الرأس، كل منهم برصاصة واحدة، باستثناء الطفل الموجود على المقعد الخلفي، والذي تبيّن أنه تعرض للتعذيب قبل وفاته". وأضاف هويدي أن "التحقيقات الأولية والأدلة الجنائية وتفريغ كاميرات المراقبة وتسجيلات الهواتف والبصمات على السلاح والسيارة أثبتت أن الأب قتل أطفاله ثم انتحر"، موضحاً أن الأطفال تُراوح أعمارهم بين خمسة أعوام و 13 عاماً".
ورغم البيان المذكور، إلا أن العديد من الجهات الحقوقية في ليبيا طالبت بتحقيقات أوسع، ومنها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان التي دعت مكتب المحامي العام في بنغازي ووزارة الداخلية إلى فتح تحقيق شامل ومستقل في القضية، مؤكدةً وجود "مؤشرات واضحة وصريحة على وقوع جريمة مدبّرة بحق الأب وأطفاله"، ورفضت التسليم بفرضية الانتحار قبل صدور التقرير الطبي الشرعي النهائي.
من جهته، استغرب الناشط الحقوقي إبراهيم الناجح استعجال السلطات الأمنية في إصدار بيان رسمي، "من دون استكمال التحقيقات الفنية والقضائية، وكأنها محاولة لإغلاق الملف وغضّ الطرف عنه"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن الحادثة "لا تُصنف جريمة عائلية ونتوقف عند هذا الحد، فهي فاجعة تعكس هشاشة التعامل مع القضايا وأسبابها التي قد تكون ذات طابع نفسي واجتماعي".
وإذ شكّك في صحة نتائج التحقيقات الأولية وسرعة إعلانها، اعتبر الناجح أنها "تثير الريبة أكثر ممّا توضح الحقيقة، وأن المعطيات الواقعية تدفع للتقصي أكثر، فكيف يمكن لأب يشهد له الجميع بالخلق والدين ويشغل منصباً عاماً بوصفه رئيس لجنة الزكاة في قبيلته، أن يتحول فجأة إلى قاتل لأطفاله؟ وقبلها بساعات كان قد خرج بهم من البيت إلى المدرسة؟ وقبل هذا، لماذا لم يُعرض تقرير الطبيب الشرعي حتى الآن؟".
ورأى الناجح أن هذه الحادثة يجب أن تكون "مُنطلقاً لنقاش وطني واسع ينصبّ فيه اهتمام الخبراء والدولة حول أوضاع الأسر وما تعيشه من ضغوط وظروف قاهرة تصل بهم إلى حد الانهيار الكامل"، معتبراً أن "حصر التعامل مع هذه القضايا في الجانب الأمني فقط قصور كبير، إذ قبل سنوات قليلة شهدت البلاد موجة من الانتحارات طاولت الأطفال والشباب، ووصل عدد الحالات إلى 60 حالة، وانتهت ومضت من دون أي اهتمام رسمي. والواقع أن هناك أسباباً قد تكشف عن أزمة نفسية واجتماعية عميقة تتطلب تدخل الدولة ومؤسساتها المتخصصة".
وانتقد الناجح طريقة تعاطي وسائل الإعلام المحسوبة على أطراف الصراع الليبي، والتي تحاول برأيه، "توظيف قضية الزوي في سياق الصراع السياسي الدائر، وهو أمر مرفوض جداً من زاوية استغلال آلام الناس للتشهير بالخصوم في انحطاط أخلاقي يجب التوقف عنده".
أما الباحثة الاجتماعية حسنية الشيخ، فترى في الحادثة "مؤشراً خطيراً على تصاعد العنف الأسري في المجتمع"، لافتةً إلى أن التصريحات الرسمية، بغض النظر عن استعجالها، إلا أنها تُعد أساساً يجب أن تستند إليه مراكز البحث. وأضافت لـ"العربي الجديد": "تفيد التصريحات الرسمية بأن الأب يعيش مع أطفاله بعيداً عن والدتهم منذ فترة طويلة، إذ جرى الطلاق بينهما نتيجة خلافات أسرية. وهنا يمكننا السؤال عن إجراءات الجهات القضائية والأمنية من أجل حماية الأطفال، إذا ما صحّ أن الأب لديه سلوك عدواني وصل به إلى حد قتل أطفاله. ألم تلاحظ المدرسة على الأقل ملامح عنف ضد هؤلاء الأطفال، أو سلوكيات تؤشر على وضع غير سويّ؟".
وأكدت الشيخ أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة قبل أي جهة أخرى، فالأوضاع التي مرت بها البلاد تستدعي إنشاء قنوات دعم نفسي أو اجتماعي، مثل إنشاء مؤسسات متخصصة بالرعاية النفسية والاجتماعية والاستشارات الأسرية، ومؤسسات قريبة من المدارس لرصد المؤشرات المبكرة للعنف، ومعالجتها قبل أن تتحول إلى مآسٍ جماعية، وفقاً لرأيها.