جنوبيّو لبنان... "أحياء مع وقف التنفيذ" بعد عام على الحرب

07 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:57 (توقيت القدس)
يعاينون الأضرار بعد غارات على بلدة أنصار، لبنان، 17 أكتوبر 2025 (محمود زيات/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعيش أهالي الجنوب اللبناني في قلق دائم بسبب الغارات الإسرائيلية المستمرة، مما يسبب خسائر مادية وبشرية كبيرة، ويؤدي إلى تدمير المنازل والممتلكات، ويجعل المناطق الآمنة غير كافية لحمايتهم.
- يواجه السكان تحديات يومية بسبب الأوضاع الأمنية المتوترة، حيث يؤثر القصف المستمر على حياتهم وأعمالهم، مما يسبب خسائر مالية كبيرة ويزيد من التوتر النفسي، خاصة بين الأطفال.
- تعيش العائلات في حالة طوارئ دائمة، حيث يضطرون لتجهيز خطط بديلة، ويعاني الأطفال من آثار نفسية، مما يدفع بعض العائلات لمغادرة المنطقة مؤقتاً بحثاً عن الأمان.

تتشابه حال أهالي الجنوب اللبناني وهم الذين يصبحون ويمسون على وقع قصف المسيّرات والغارات الإسرائيلية، ويعيشون على حافة الحياة بين احتمال النجاة وخطر الموت، فضلاً عن النزف والخسائر الجسيمة.

بعد نحو عامٍ على اتفاقٍ هشّ لوقف إطلاق النار في لبنان، لم تتوقف الاستهدافات الإسرائيلية للقرى الحدودية اللبنانية مع فلسطين المحتلة، أو لبلدات محافظتَي الجنوب والبقاع (شرقي البلاد)، منذ تاريخ الاتفاق في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 الذي أعقب حرب الشهرين بين القوات الإسرائيلية وحزب الله أواخر العام 2024. غير أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيداً في وتيرة الغارات المعادية. فمنذ 28 نوفمبر 2024 ولغاية 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بلغ عدد الضحايا في لبنان 1,163 شخصاً، بينهم 288 شهيداً و875 جريحاً، وفق بيانات وزارة الصحة العامة اللبنانية.

وعلى الرغم من أن مناطق شمال نهر الليطاني تُعدّ خارج نطاق الأعمال العسكرية ومناطق الاشتباك المباشر، وفق القرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701، فإن الواقع على الأرض يناقض ذلك. فهذه القرى، التي تشمل أجزاء واسعة من قضاء النبطية وقرى إقليم التفاح (جنوبي البلاد) وغيرها، تشهد منذ أشهر خروقات متكررة للاتفاق، من غارات واستهدافات بالمسيّرات.

ويقول سكان المنطقة إنهم يعيشون اليوم الشعور نفسه الذي يعيشه أبناء القرى الحدودية، إذ لم يعد الخط الفاصل عند نهر الليطاني يحميهم من القصف، بل باتت "المنطقة الآمنة" مجرد وصف إداري لا أكثر. فالعديد من الأهالي في القرى المجاورة للنبطية تضررت منازلهم مرات عدة، بعدما أعادوا ترميمها إثر توقف الحرب، نتيجة الغارات المتكررة التي طاولت أطراف بلداتهم ومناطقهم.

وفي بلدة كفرتبنيت بمحافظة النبطية المحاذية لموقع علي الطاهر الذي يواصل جيش الاحتلال استهدافه، حتى بعد وقف إطلاق النار، يتحدث وليد حمد (56 عاماً) عن وطأة الخسائر المتكررة. حمد، وهو صاحب مطعم وصالة للأفراح، يقول لـ"العربي الجديد": "آخر غارة كانت في 3 أكتوبر الماضي، وكانت الغارة السابعة منذ بدء جبهة الإسناد لغزة من الجنوب اللبناني في 8 أكتوبر 2023 وصولاً إلى مرحلة وقف إطلاق النار. في كل مرة أرمّم المحل وأعيد إصلاح ما تهدّم، لكنني اليوم اكتفيت بإغلاق نوافذ المحل بالنايلون، لعدم قدرتي على إصلاحها وتكبّد المزيد من الخسائر، خصوصاً أن الخسائر الأخيرة قاربت نحو 6,500 دولار أميركي، وأن أعمال التصليح ستستغرق نحو 20 يوماً، لتتبعها غارة جديدة على الأرجح".

يعدّد حمد بعض الغارات التي طاولت محيط مطعمه في يونيو/ حزيران الماضي، ثم في يوليو/ تموز، ولاحقاً في أغسطس/ آب، ويقول: "ظننت أننا سلمنا في سبتمبر/ أيلول الماضي، لكن الغارات تجددت مطلع أكتوبر". ويشير إلى أنه عاد بعد توقف الحرب إلى عمله، آملاً في أن تكون بداية جديدة، ويضيف: "الرزق يعادل الروح، لا أستطيع أن أؤسس عملاً في منطقة ثانية. أمضيت 18 عاماً في هذا المكان، لكن صيف هذا العام مرّ من دون زبائن، إذ نظمت فقط حفلَيْ زفاف، ولا يمكننا أن نغفل خوف الناس من زيارة المنطقة. ما نعيشه هو نكبة، لكن لا يمكننا التوقف عن الحياة".

يعتمد حمد اليوم على طلبات الولائم الخارجية، لكنها قليلة جداً مقارنة بالماضي. ويقول: "نتنقل يومياً بين بلدات النبطية وكفرتبنيت وكفررمان، لكن القلق يرافقنا في كل خطوة. كل يوم نعيش على أعصابنا". ولا يخفي الأثر النفسي للحرب والواقع الأليم على عائلته، ويضيف: "كان حفيدي البالغ من العمر خمس سنوات، يقضي معظم وقته برفقتي في المطعم وفي استراحة الألعاب، لكنه اليوم يخشى القدوم إلى مكان كان يوماً مصدر فرحته، ويرتعب من أي صوت يسمعه في البيت أو المدرسة".

ويختم حمد قائلاً: "نتمنى لو نعرف موعد توقف الغارات والضربات الإسرائيلية، إذ لا يمكننا أن نعيش قلقاً يومياً، ونحن لا نعلم إن كنا سنبقى أحياءً. لكن الدولة غائبة تماماً، ومجلس الجنوب (حكومي) سجل الأضرار مرتين في يونيو ويوليو الماضيين، لكنه لم يعاين الضربات اللاحقة في أغسطس وأكتوبر، ولا نعلم من سيعوّض علينا".

الصورة
تتواصل الخروقات المعادية جنوبي لبنان، الجرمق، 2 أكتوبر 2025 (ربيع ضاهر/ فرانس برس)
تتواصل الخروقات المعادية لجنوبي لبنان، الجرمق، 2 أكتوبر 2025 (ربيع ضاهر/ فرانس برس)

في مناطق الجنوب اللبناني، لم تعد أصوات المسيّرات والغارات استثنائية، بل صارت جزءاً من يوميات الأهالي الذين يعيشون على وقع قلق دائم، رغم انقضاء عام على وقف الحرب. المدارس افتتحت أبوابها، لكن الخوف يرافق الأطفال في طريقهم إليها، والأمهات تمضي ساعاتها بين مراقبة الهواتف ومتابعة الأخبار، تحسباً لأي طارئ.

تتحدث لارا حيدورة لـ"العربي الجديد" عن تفاصيل حياتها اليومية في ظل أوضاع أمنية متوترة، وتقول الأم لتوءمين: "أقيم في مدينة النبطية، حيث يُفترض أن تكون أكثر أماناً من القرى الحدودية، لكن ما نشهده يمكن وصفه بأنه ليس استهدافاً مؤقتاً، إنما حرب مستمرة ضد أهل الجنوب. أقضي يومي بالنظر إلى الساعة مترقبةً انتهاء دوام ولديّ، إذ إن الطريق من منزل جدّهما إلى المدرسة في بلدة الدوير المجاورة، شهد في الآونة الأخيرة استهدافات عدة. لم نتمكن بعد من العودة إلى منزلنا الذي تهدّم جزء منه بفعل الحرب، وما زالت أعمال الترميم جارية فيه، وبالتالي نفتقد الشعور بالاستقرار".

تعمل حيدورة في العاصمة بيروت، لكنها تعيش يومياً هاجس البُعد عن طفلَيها في حال وقوع غارات جديدة. وتضيف: "عشنا القلق ذاته خلال جبهة الإسناد، وما زلنا نعيشه حتى اليوم. ومنذ بداية العام الدراسي، بدأ التصعيد يأخذ منحى خطيراً، مع استهدافات تطاول عائلات ونساء وأطفالاً، وفي وضح النهار، وأحياناً بالقرب من المدارس". وتتابع حيدورة: "قبل أكثر من أسبوعين، نفّذ العدو غارات فجراً في محيط النبطية، تحديداً في منطقة علي الطاهر. يومها قرّرت ألا أرسل ولديّ إلى المدرسة، لكنني وجدت الجميع يتحضرون ليوم عمل عادي، فأدركتُ أن الحياة لا تتوقف، وأن الأطفال يجب أن يواصلوا حياتهم ودراستهم رغم مشاعر الخوف". وتقول حيدورة إن طفلَيها لم يتعافيا بعد من آثار العدوان الأخير، ويسألان باستمرار عن صوت الطيران، ويخرجان إلى الشرفة كلما سمعا تحليق المسيّرات التي لا تفارق أجواء النبطية".

الصورة
لا تزال الحرب ماثلة، جنوب لبنان، 30 أكتوبر 2025 (ربيع ضاهر/ فرانس برس)
لا تزال الحرب ماثلة، جنوب لبنان، 30 أكتوبر 2025 (ربيع ضاهر/ فرانس برس)

وتختم بالقول: "منذ انتهاء الحرب، أتجنّب التنقل بين القرى المحيطة بالنبطية، ويقضي طفلايَ أغلب العُطل في المنزل، فيما تأثر مطعم زوجي بشكل كبير، خصوصاً أن الغارات تؤدي إلى توقف الحركة فوراً. باختصار، نعيش حالة طوارئ دائمة، لا تقتصر على تجهيز حقيبة أوراق وثياب، بل تشمل أيضاً تأمين منزل بديل في حال تكرار العدوان الإسرائيلي، كما يفعل كثيرون من أهالي الجنوب".
في بلدة عربصاليم (قضاء النبطية)، تتحدث دارين فرحات بغصّة عن واقع الحياة اليومية، وتقول معلمة اللغة الإنكليزية في المدرسة الإنجيلية في النبطية، إنها تتنقل يومياً إلى المدرسة برفقة ابنها، وهو تلميذ في الصف الأول الثانوي، وتردد كل صباح القول: "نحن وحظنا في الذهاب والعودة سالمين". وتضيف لـ"العربي الجديد": "بعد توقف الحرب، عشنا فترة قصيرة من الهدوء والاستقرار، لكننا منذ شهر تقريباً نعيش يومياً على وقع أصوات المسيّرات، ونترقب الهدف التالي".

لا تُخفي فرحات قلقها على ولدَيها الآخرَين في التعليم الجامعي، وتقول: "عندما يغادران صباحاً، لا أملك سوى الدعاء لهما. وهذه حال كل أمّ جنوبية، حيث نعاني توتراً شديداً طوال الوقت، لأننا لا نعلم إن كان أولادنا سيمرّون في منطقة قد تكون هدفاً لغارة إسرائيلية. وعند حصول أي توتر أمني، يسارع بعض الأهالي إلى اصطحاب أولادهم من المدرسة وطمأنتهم. وقد خضعنا كأفراد هيئة تعليمية إلى تدريب من قبل إدارة المدرسة حول كيفية التعامل مع الطلاب في حال وقوع أي طارئ، كما أن المدرسة مجهزة بملاجئ". وتشير فرحات إلى أن الأخبار المتكررة عن تصعيد محتمل في الجنوب، دفعت بعض العائلات إلى مغادرة النبطية مؤقتاً نحو بيروت بانتظار تحسن الأوضاع، فيما يتغيّب بعض التلامذة عن صفوفهم لأيام.

وتسرد زينب كركي من بلدة عين بوسوار (قضاء النبطية)، وهي أم لطفلة وشاب، كيف أنها تراقب هاتفها طوال النهار، وتتابع مجموعات الأخبار عبر تطبيق "واتساب"، من أجل الاطلاع بشكل فوري على أي استهداف قريب. وتقول لـ"العربي الجديد": "إنها السنة الدراسية الأولى لطفلتي التي سجلتها في مدرسة جرجوع الرسمية بمحافظة النبطية، كما أن ابني طالب في الجامعة اللبنانية في النبطية، وينتابني القلق عليهما، منذ لحظة خروجهما حتى عودتهما".

وتضيف كركي: "لا أخرج ليلاً خوفاً من الاستهدافات. نعيش كلّ يوم بيومه، ولا نفكر في خطط مستقبلية. خطة الطوارئ جاهزة في ذهن كلّ فرد منا، كما هي حال جيراني وأقاربي في بلدات جباع وكفرفيلا وكفرحتى، المتاخمة لجبل صافي وجبل الرفيع، اللذين يتعرّضان بين الحين والآخر لغارات معادية".

صار البقاء على قيد الحياة عند الجنوبيين "حظاً يومياً"، سواء خلال ذهابهم إلى أعمالهم أو خلال اصطحاب أولادهم إلى المدارس. وعلى الرغم من أن مظاهر الحياة تبدو شبه طبيعية، تحوّل القلق إلى حالة جماعية، حيث يصف معظم الأهالي واقعهم المرير بالقول إنّهم "أحياء مع وقف التنفيذ"، وتتكرر في أحاديثهم عبارة "ما زلنا نخشى لحظة الغدر الإسرائيلية".

المساهمون