حُميات السودان... انتشار خطير للملاريا والكوليرا والضنك
استمع إلى الملخص
- يعاني السودان من نقص حاد في الأدوية وارتفاع أسعارها، مما يدفع المرضى إلى شراء الأدوية المهربة رغم مخاطرها، حيث سجلت الملاريا أكثر من 1.5 مليون إصابة و900 وفاة في عام 2024.
- تتزايد خطورة انتشار الأمراض بسبب تدهور البيئة وتراكم الأوساخ، مما يوفر بيئة خصبة لتكاثر البعوض، وتواجه وزارة الصحة تحديات كبيرة في توفير الأدوية المجانية.
تقلص تقديم الخدمات الصحية في ولايات السودان إلى مستويات خطرة نتيجة الحرب الدائرة، لتتفشى أمراض وبائية على رأسها الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، خصوصاً في الأرياف ومخيمات النزوح.
تستقبل المراكز الصحية القليلة العاملة في السودان عشرات المصابين بالحُميات يومياً، ويلجأ كثير من المصابين إلى استخدام عقاقير طبية غير مُسجلة كونها أقل سعراً. وكشفت منظمة "أطباء بلا حدود"، أن 40 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم من تداعيات الإصابة بالكوليرا في إقليم دارفور، بالتزامن مع أسوأ تفشٍّ في البلاد.
وقالت "أطباء بلا حدود" في بيان: "يعاني سكان السودان أسوأ تفشٍّ للكوليرا منذ سنوات. في دارفور وحدها، عالجت فرقنا أكثر من 2300 مريض، وسجّلت 40 وفاة خلال الأسبوع الماضي". ومنذ يوليو/تموز 2024، سجّلت نحو 100 ألف إصابة بالكوليرا في أنحاء السودان، مع انتشار المرض في كل الولايات.
وخلال الشهر الماضي، قدّمت منظمة "أطباء بلا حدود" العلاج لـ1500 مريض بالكوليرا، فيما حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن أكثر من 640 ألف طفل دون الخامسة يواجهون خطر الإصابة بالمرض في ولاية شمال دارفور وحدها. ومنذ إبريل/نيسان، سجّلت الأمم المتحدة أكثر من 300 إصابة بالكوليرا بين الأطفال في مدينة طويلة.
في الوقت ذاته، يتراوح التردد اليومي على المراكز الصحية بين 5 و20 مصاباً بالملاريا أو حمى الضنك. ويستخدم لعلاج الملاريا في السودان أنواع عديدة من الأدوية المُسجلة، من بينها حبوب "لوميارت"، وحقن "أميسيونيت"، بيد أن هناك عشرات الأصناف الأخرى المتداولة بين المرضى، والتي تدخل عبر التهريب، وتوزع في الصيدليات من دون الخضوع لأي رقابة، ومن بينها حقن "رامسون" و"فلونارت" و"أرتوشي" و"زورتيم".
يقول فني المختبرات بأحد المراكز الصحية في ولاية النيل الأبيض، حامد التوم لـ"العربي الجديد": "عدد الإصابات المؤكدة بالملاريا التي تتردد على المركز يومياً لا يقل عن 15 حالة، وهي تمثل نحو 70% من عدد المرضى الذين يدخلون المركز يومياً". ويتابع: "يعتمد مرضى الملاريا على الأدوية المهربة، ونادراً ما يلجؤون إلى الأدوية المسجلة لدى وزارة الصحة، وذلك لفارق السعر الكبير بين الأدوية التي تدخل إلي البلاد عبر التهريب، وبين الأدوية التي تشرف على توزيعها وزارة الصحة".
وتعليقاً على إقبال المرضى على استخدام الأدوية غير المسجلة، يقول الصيدلي مبارك معتصم، من مدينة أم درمان، لـ"العربي الجديد": "فارق السعر بين الأدوية المهربة والأدوية الرسمية هو الدافع الأول لشراء المرضى الأدوية المهربة، رغم أنها في كثير من الأوقات قد تكون غير صالحة للاستخدام الأدمي. كل الأدوية أسعارها مرتفعة، لكن هناك فارق في السعر بين المهربة وتلك القانونية، والتي يلجأ المرضى لشرائها بعد نفاد مدخراتهم المالية".
ويضيف معتصم: "تباع حبوب الملاريا المعتمدة بخمسة آلاف جنيه سوداني، ويتراوح سعر الحقن ما بين 8 إلى 10 آلاف جنيه (الدولار يساوي 2700 جنيه)، أما الحقن التي تدخل إلى البلاد بطُرق غير قانونية فيتراوح سعرها ما بين 5 إلى 7 آلاف جنيه، وفي بعض المناطق تباع بنحو 10 آلاف جنيه".
وفي نهاية أبريل/نيسان الماضي، أعلن وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم، أن الملاريا تمثّل الخطر الأكبر على صحة المواطنين، مؤكداً أن عدد الإصابات المسجلة خلال عام 2024، يزيد عن 1.5 مليون إصابة، بينما تجاوز عدد الوفيات 900 وفاة. وقال الوزير، إن "ثلاثة سودانيين يموتون يومياً بسبب الملاريا".
ومع غلاء الأدوية وعدم توفرها في كثير من المناطق التي لا تضم مراكز صحية أو مستشفيات، تزيد معاناة مرضى الملاريا وحمى الضنك. يقول عيسى صالح، من ولاية شمال كردفان لـ"العربي الجديد": "الملاريا تتفشى بين السكان بالتزامن مع قلة المستشفيات، وارتفاع كلفة مقابلة الأطباء، وكلفة شراء الأدوية، والتي أصبحت تباع في السوق السوداء من دون رقيب في ظل توقف المستشفيات عن العمل، ونزوح الأطباء والكوادر الصحية".
ولا توجد علاجات محددة لحمى الضنك التي بدأت تنتشر خلال السنوات الثلاث الأخيرة في السودان، لكن الأطباء ينصحون باستخدام المحاليل الوريدية. ويقول طبيب بمستشفى أم درمان التعليمي في ولاية الخرطوم لـ"العربي الجديد"، إن: "المحاليل الوريدية المختلفة تقلل من أعراض حمى الضنك، لكن في ظل انتشار الكوليرا وأمراض أخرى، ارتفعت أسعار المحاليل رغم محاولة توفيرها عبر منظمة الصحة العالمية ومنظمات أممية أخرى، ويتراوح سعر العبوة الواحدة بين 4 و7 آلاف جنيه في إقليم كردفان، و10 آلاف في إقليم دارفور".
وتشتد وطأة المعاناة مع الحميات في إقليم دارفور الذي يشهد تفشياً واسعاً للكوليرا وحمى الضنك والملاريا. وتقول عضو تنسيقية النازحين واللاجئين بمخيم كلمة بولاية جنوب دارفور، زحل خميس، إن "عدد الإصابات بالملاريا تجاوز المائة في غضون أسبوع واحد". وتخبر "العربي الجديد": "لا أحد يهتم بمرضى الملاريا وحمى الضنك هذه الأيام، فكل الجهود الطبية في المخيم منصبة على مكافحة انتشار الكوليرا، والتي تتفشى منذ منتصف يوليو/تموز الماضي وسط النازحين، مع نفاد الأدوية وقلة الكوادر الصحية بالمخيم الذي يأوي نحو 100 ألف أسرة، وهناك نقص كبير في أدوية الملاريا وحمى الضنك".
وتضيف خميس: "سكان المخيم يعانون من نقص المواد الغذائية، لذا غالبيتهم معرضون للملاريا وحمى الضنك والكوليرا وغيرها من الأمراض، فالجوعى لا يملكون مقاومة الأمراض التي تفتك بهم، وإذا لم يتم تدارك الوضع عبر توفير الغذاء والدواء في أسرع وقت، ستتعرض حياة العشرات للخطر، خصوصاً مع استمرار هطول الأمطار، وتكاثر البعوض الناقل للأمراض".
وتسجل عشرات الإصابات بالملاريا وحمى الضنك في العاصمة الخرطوم منذ بدء فصل الخريف الذي يحل في السودان خلال شهر يوليو سنوياً، ويقول طبيب من مستشفى النو بمدينة أم درمان لـ"العربي الجديد"، إن: "عدد الإصابات بالملاريا وحمى الضنك مقلق، إذ تتراوح الأعداد التي تصل إلى المستشفى يومياً ما بين 12 و24 إصابة، ويتوقع أن يرتفع العدد خلال الأيام المقبل بسبب ركود مياه الأمطار في شوارع الأحياء لفترات طويلة".
ويشير الطبيب الذي فضل عدم كشف هويته، إلى تدهور كبير في إصحاح البيئة بالعاصمة، ويقول: "منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين، لم تجري عمليات تنظيف للأعشاب التي نمت في وسط الأحياء، ومع هطول الأمطار وجد البعوض الناقل للملاريا وحمى الضنك مرتعاً خصباً للتكاثر، وهو ما أدى لتفشي الحميات وسط السكان".
وتتزايد خطورة انتشار الملاريا وحمى الضنك في أم درمان والخرطوم. ويقول أحد العاملين في غرفة الطوارئ التطوعية، إن "عدد الإصابات المسجلة بالملاريا تجاوز 500 إصابة في ثلاثة أحياء خلال الفترة من منتصف يوليو الماضي وحتى الخامس من أغسطس/آب الحالي، بينما بلغ عدد الإصابات بحمى الضنك 97، ويتوقع أن ترتفع أعداد الإصابات مع هطول المزيد من الأمطار، والتي لا يتوقع توقفها قبل شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل".
بدورها، تصف أخصائية الأمراض الباطنية والأوبئة، أديبة إبراهيم، الوضع الصحي بـ"الكارثي"، وتقول لـ"العربي الجديد": "عدد الإصابات بالملاريا المسجلة في أسبوع واحد بلغت نحو 1846 إصابة، من بينها 321 وفاة. يرجع تفشي الملاريا وحمى الضنك إلى تلوث البيئة وتراكم الأوساخ ومياه الأمطار الراكدة في الأحياء والشوارع، ما تسبب في تكاثر البعوض، والذي لم يتم رشه منذ بدء الحرب، ونتوقع أن تنتشر الأمراض بصورة أوسع في الأيام القادمة مع تزايد هطول الأمطار، وفي ظل غياب الخدمات الصحية وتوفر الأدوية".
وتضيف الطبيبة السودانية: "في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء، وحالة المجاعة التي يعيشها كثير من السكان، وانتشار سوء التغذية، فإن انتشار البعوض سوف يضاعف عدد الإصابات بالملاريا وحمى الضنك وغيرها من الأمراض، ويفاقم ذلك النقص الحاد في الأدوية، وقلة عدد المستشفيات العاملة، ونقص الكوادر الطبية والفنية والمعامل والمعينات، خاصة في أقاليم مثل دارفور وجنوب كردفان، حيث تم إغلاق المستشفيات بسبب الحرب أو الحصار، وما زالت عشرات المستشفيات مغلقة في العاصمة الخرطوم، وفي ولايات الجزيرة والنيل الأبيض وغرب كردفان".
تقر مسؤولة برنامج مكافحة الملاريا بوزارة الصحة السودانية، سماح عصام، بتفشي المرض في عدد من الولايات، وتقول لـ"العربي الجديد": "تخطى عدد الإصابات بالملاريا في بعض أحياء العاصمة العتبة الوبائية، مثل أحياء مثل كرري وأم درمان. لكن هنالك صعوبة في تحديد أعداد الإصابات، ووزارة الصحة في الوقت الحالي لا تملك آلية لحصر الأرقام بدقة، لأن هناك حركة واسعة لعودة النازحين واللاجئين، وإذا لم يحدث استقرار يصعب تحديد الأرقام".
وحول نقص الأدوية أو عدم توفرها في مناطق مختلفة، تقول: "وزارة الصحة ملتزمة بتوفير أدوية الملاريا المجانية لكل المرافق الصحية، لكن قد يحدث انقطاع عن بعض المؤسسات الصحية بسبب وعورة الطرق، أو خطورتها، ومشاكل التوصيل المختلفة، أو بسبب زيادة الاستهلاك في منطقة معينة بسبب حدوث وباء أو زيادة الكثافة السكانية نتيجة النزوح".