حِرفيّات مصريات... مبدعات يقاومن الفقر والحياة على الهامش
استمع إلى الملخص
- تواجه أم حبيبة تحديات مثل صعوبة الحصول على المواد الخام وارتفاع تكاليف النقل، مع غياب الدعم الحكومي، لكنها تواصل تسويق منتجاتها في المعارض القليلة بالقاهرة.
- تعكس تجربة أم حبيبة واقع آلاف النساء في مصر، ويؤكد الخبراء على ضرورة تقديم دعم حكومي مالي وفني لتحويل هذه المشروعات إلى إنتاج متميز يغزو الأسواق.
تسطّر آلاف العاملات في الحرف اليدوية والتراثية المصرية قصص نجاح في التطريز والخوص والنحاس والحقائب والحلي والنسيج والملابس، رغم تأخر الدعم الحكومي جنوبي البلاد.
وسط زحام العارضين المشاركين بمعرض القاهرة الدولي للكتاب بنسخته الـ57، تمكنت المواطنة الأربعينية أم حبيبة، بأعمالها المُبهرة، من خطف أنظار الباحثين عن حرفٍ يدوية وتراثية مصرية. فقد عكست أعمالها الدقيقة تاريخ منطقة شلاتين على ساحل البحر الأحمر، والتي تقع عند منطقة فاصلة بين الحدود المصرية - السودانية، وعلى مسافة أكثر من ألف كيلومتر جنوب العاصمة القاهرة.
تعرض أم حبيبة منتجاتها ذات الألوان الزاهية والمزركشة من الحقائب، والحُلي المصنوعة من جلد الماعز والإبل وكثير من الخرز الملوّن، فضلاً عن النسيج المصنوع من الأوبار والخيوط الجلدية، داخل باحات المعرض الذي يستمر لأسبوعين. وللعام الرابع على التوالي تشارك أم حبيبة في المعرض، لكنّها اصطحبت معها هذه المرة أترابها من المبدعات اللائي وجدن في المعرض فرصة لتسويق ابتكاراتهنّ أمام آلاف الزائرين القادمين من شتى أنحاء مصر والضيوف العرب والأجانب، ما يتيح لهنّ التعبير عن قصة نجاح المرأة المصرية وقدرتها في الحصول على فرص الرزق. كما تساهم هذه المشاركة في إبراز مدى إبداعهنّ لمنتجات جميلة من خلال ورش صغيرة في أفنية منازلهنّ، وبقليل من المال، وبأبسط الأدوات من بقايا الجلود والخيوط والخرز المستخرج من حصى الجبال ومياه البحر الأحمر المليئة بالعقيق والمرجان والكهرمان.
بدأت أم حبيبة مشروعها وحيدة في منطقة تقع على الهامش الجغرافي للمدن الحضرية والسياحية التي تتركز جلها في مسار وادي ودلتا النيل، حيث لا توجد مصانع ولا أسواق واسعة ولا معارض دائمة. فكل ما تملكه المرأة هناك، مهارة متوارثة ووقت طويل وصبر يعاند تحولات الزمن، لتصنع الحُلي والحقائب اليدوية بلمسة بدوية خالصة، مستلهمة ألوانها الزاهية من السماء والمياه الصافية، ورموز الجبال العاتية والذاكرة الشفوية التي يرويها الأحفاد نقلاً عن الأجداد.
في شلاتين لا ترتبط صناعة الحرف اليدوية والتراثية بقدرة الرجال أو النساء على توفير الأدوات اللازمة، لأن الخامات والأدوات البسيطة التي يحتاجونها تصل إليهم بصعوبة وأسعار مرتفعة، وبعد طلبها بأوقات طويلة، إذ لا توجد مواصلات مباشرة أو دورية من العاصمة أو المحافظات الأخرى إلى المنطقة. بعض المنتجات لا يصل إلا بعد سفر طويل يتجاوز مئات الكيلومترات، فلا مورّدين ثابتين ولا أدوات حديثة، بينما أم حبيبة وأمثالها، يصنعن كل قطعة بدقة عبر عمل شاق يصل ساعات النهار بالليل، لأن التوقف يعني عدم اللحاق بالمعارض المهمة والقصيرة والنادرة التي يُقام معظمها في القاهرة على فترات. لذلك، فإنّ عدم المشاركة في هذه المعارض يعني بقاءهنّ على الهامش إلى الأبد.
تروي أم حبيبة لـ"العربي الجديد" أن مشاركتها في المعرض الدولي للكتاب ليست لكونه حدثاً ثقافياً فقط، إنّما لكونه نافذة للنجاة من العزلة التي فرضتها الجغرافيا وقيود البيروقراطية التي تجعل الأعمال تجري في بيئة شديدة المركزية، أي وسط عواصم المدن الرئيسية في المحافظات المصرية الكبرى دون غيرها. كما أنها فرصة تتكرر فقط مرة واحدة سنوياً، ومن المهم انتهازها لمقابلة آلاف الزوار من ذوي الأذواق المختلفة، وبالتالي لبيع المنتجات بدون وسطاء.
منذ عامين كانت أم حبيبة تبيع المنتجات بمفردها، غير أنّها اصطحبت معها العام الماضي امرأتين لمساعدتها، وعادت هذا العام مع ثمانٍ من أترابها، يُشرفن على مشروع آخذٍ في النمو بسرعة، متحدّياً صعوبة الانتقال وتكلفة السفر ومخاطر نقل البضائع والمنتجات، إذ إن كل حقيبة أو عقد مكسور يعني خسارة لا تُعوّض للمساهمين في رأس المال، في ظل عدم حصولهنّ على دعم من الدولة يغطي النفقات.
تُدرك أم حبيبة أن أيامها القليلة في القاهرة تحدّد مصير أشهر كاملة من العمل، ولا تملك رفاهية الفشل، فتظل واقفة طوال اليوم لتبيع أو تعرض المنتجات على المارّين بسرعة البرق، لدفعهم إلى التوقف ومشاهدة ما تعرضه واقتناء بعض المنتجات التي تبدأ من أسعار زهيدة بنحو 20 جنيهاً مصرياً (أقل من نصف دولار أميركي) ولا تتعدى 500 جنيه (نحو 11 دولاراً) لأفضل الحقائب والمطرّزات. بينما تتولّى زميلاتها شرح أعمالهنّ، من دلايات وأساور من خرز، وحقائب من جلود الماعز والإبل، وميداليات مصنوعة من "الدوم" (نوع من أنواع النخيل)، وأخشاب نادرة تحمل نقوشاً ورموزاً قديمة. فالمعرض رغم فترته الزمنية القصيرة، يشكل بالنسبة لهنّ فرصة لحصد تمويل أكبر من أجل عمل شاق وطويل لدى عودتهنّ إلى شلاتين، إلى العزلة ذاتها المفروضة عليهنّ، للبحث عن كنوز مدفونة تفتح لهنّ أبواب الأمل من جديد.
لا تختلف حال أم حبيبة عن غيرها من آلاف المشاركات في عرض الصناعات اليدوية والتراثية اللواتي يتولّين إعالة أسرهنّ، بعد أن نجحن في التغلب على التهميش والفقر بمزيد من العمل الشاق. وقد كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) مطلع عام 2025، أن عدد الأسر المصرية التي تعولها نساء يبلغ نحو 5.9 ملايين أسرة، ما يمثل 22.3% من إجمالي الأسر في البلاد.
وعلى بُعد مئات الكيلومترات من شلاتين، تبرز في مدينة أسوان بجنوب البلاد آلاف النساء العاملات في الصناعات اليدوية التراثية، في مجال التطريز النوبي ومشغولات من الخوص والنحاس والملابس التقليدية. وتعاني أغلب مشروعات النوبة مثل تلك التي تملكها أم حبيبة في شلاتين وحلايب، من ارتفاع التكاليف وعدم القدرة على البيع إلا عبر وسطاء يفرضون أسعاراً مجحفة، مستفيدين من عزلة المكان، وغياب منافذ البيع المباشر عن أسواق القاهرة والمناطق السياحية في أسواق أسوان والأقصر والغردقة وشرم الشيخ وغيرها، حيث تتحول الحرف اليدوية إلى اقتصاد كفاف هشّ لا يسمح بالتراكم أو الاستدامة، وفقاً لقول أستاذة الاقتصاد وخبيرة تمويل المشروعات الصغيرة، يمن الحماقي.
وتؤكد لـ"العربي الجديد" ضرورة تغيير نظرة الحكومة تجاه تلك المشروعات، من مجرد الحفاظ على حرف إبداعية وتراث ذي قيمة إلى دعم مالي وفنّي يحوّلها إلى إنتاج متميّز قابل لتغطية احتياجات المواطنين والتصدير للخارج، أسوة بما شهدته القرى الصينية التي حوّلت تراثها الإبداعي إلى منتجات متفردة تغزو العالم، منذ عقود بجمالها ورخص تكاليفها.
تتوافق شكوى نساء شلاتين وحلايب والمناطق الريفية في دلتا النيل مع أترابهنّ من منطقة النوبة، وكذلك في مدينة سيوة، اللائي يشاركن من حين إلى آخر في معارض تقيمها الحكومة لتسويق المنتجات التراثية في القاهرة والإسكندرية ومرسى مطروح، والتي يعتبرها البعض مجرد استعراض للمساعدات التي تمنحها الحكومة لبعض الجمعيات، ولفترة وجيزة من العام، بينما تتحمّل المرأة في حالات كثيرة كلفة الانتقال والإقامة، ومشقة الاغتراب، من أجل بيع منتجاتها بأسعار مخفّضة فقط لتغطية النفقات.
كما أن تأخر الدعم الحكومي يدفع النساء الماهرات اللواتي يُتقنّ الصناعات اليدوية إلى العمل ليل نهار، بمساعدة أولادهنّ، من أجل الخروج من دائرة الفقر والتهميش.