استمع إلى الملخص
- يروي شهود عيان تجاربهم مع حرائق المدافئ، مما يدفع السكان إلى إعادة التفكير في عاداتهم اليومية، حيث يصبح الخوف من استخدامها جزءاً من الحياة اليومية.
- في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تضطر العائلات لاستخدام المدافئ رغم مخاطرها، وينصح الخبراء باستخدام وقود آمن وصيانة المدافئ لتفادي الكوارث.
تتسبّب المدافئ العاملة بالكاز والغاز في العراق بوفيات وإصابات عدّة، خصوصاً في صفوف الفقراء، وسط عجزهم عن امتلاك أجهزة تدفئة آمنة وغياب الحلول الجذرية.
تتجدد مخاطر المدافئ في العراق مع اشتداد برودة الطقس، وعلى الرغم من التحذيرات تُسجّل حوادث اختناق تصل إلى الموت بسبب استنشاق الانبعاثات السامة الناجمة عن المدافئ العاملة بالكاز والغاز، فضلاً عن نشوب حرائق نتيجة ترك تلك المدافئ مشتعلة في أثناء النوم.
ولا يمرّ موسم الشتاء في العديد من المناطق العراقية من دون وقوع حوادث مماثلة. فقد سجّل العراق خلال الأسابيع الماضية وفيات وإصابات عدة نتيجة انبعاثات المدافئ والحرائق الناجمة عنها، كان أغلبها في العاصمة بغداد وفي دهوك شمالي البلاد. وبين التحذير والواقع، تتكبد العائلات خسائر جسيمة تُراوح بين إصابات خطيرة وخسارات لا تعوَّض. وعلى الرغم من إدراك الكثير من الأهالي لمخاطر مدافئ الغاز والكاز، غير أن عدم انتظام التيار الكهربائي يدفعهم إلى الاعتماد عليها، خصوصاً أن التدفئة بواسطة الكهرباء تتطلب الاشتراك بالمولدات الخاصة، وهي كلفة لا تقوى عليها سوى العائلات المقتدرة، فيما يُترك الفقراء أمام خيارات محفوفة بالمخاطر.
يستعيد أحمد هادي (34 عاماً) تفاصيل ليلة قاسية لن ينساها، موضحاً لـ"العربي الجديد" أنه استفاق حينها على صراخٍ مفاجئ، حيث كان بيت جاره يحترق. ويضيف: "كانت المدفأة مشتعلة طوال الليل، وفجأة أمسكت النيران بالسجاد، ثم امتدت إلى السقف، وخلال دقائق امتلأ المنزل والشارع المحاذي بالدخان". يشرح أحمد كيف اندفع الجيران لمحاولة إنقاذ العائلة، قائلاً: "كسرنا النوافذ وبدأنا بالصراخ ومناداتهم بأسمائهم، فكان أن هرع الأطفال وهم يشكون من السعال، بينما كان الوالدان شبه فاقدَين للوعي". وعلى الرغم من نجاة العائلة، لم تنتهِ القصة عند هذا الحد، بحسب ما يروي أحمد، مضيفاً: "امتدت النيران إلى بيت مجاور، حيث تضررت إحدى الغرف، وكادت أن تنتشر أكثر، غير أن الأهالي تمكنوا من السيطرة عليها. كل ذلك بسبب مدفأة واحدة".
لم تكن الحادثة التي رواها أحمد إلا واحدة من سلسلة حرائق تشهدها المناطق العراقية وتُلقي بثقلها على السكان. وبينما خرجت تلك العائلة حيّة، فإنّ حوادث أخرى في أحياء قريبة حملت نهايات أقسى.
ومن هذه الحوادث تلك التي يرويها ماجد علي (39 عاماً) الذي يقول لـ"العربي الجديد" إنّه شاهد على حريق مُرعب التهم منزلاً في الحيّ. ويضيف: "استفقت على أصوات وجلبة في الزقاق، قبل أن أكتشف أن الجيران هرعوا للإنقاذ والمساعدة. وتبيّن أن سبب الحريق ترك المدفأة مشتعلة بينما العائلة غفت". يتابع: "فقدنا طفلة صغيرة، وأُصيب الوالدان بحروق، بينما نجا أربعة أطفال بأعجوبة". لم تمرّ الحادثة بشكل عابر في الحيّ، بل تركت أثراً نفسياً عميقاً، بحسب علي، مبيّناً أن الرعب الذي عمّ المكان، وصراخ الأطفال، ورائحة الاحتراق، جعلت كثيرين يعيدون التفكير في عاداتهم اليومية، خصوصاً داخل البيوت، حيث أصبحت العائلات على يقين بأن لحظة نوم عميق تفصلها عن خطر كبير، في حال بقاء المدفأة مشتعلة.
وتحذّر سلوان جعفر (47 عاماً) من مخاطر الإهمال وترك المدفأة مشتعلة في أثناء النوم، موضحةً لـ"العربي الجديد" أنّها تعرضت لحريق قبل نحو 20 عاماً بسبب المدفأة، وأُصيبت بحروق في يديها. وتضيف: "منذ ذلك الحين، لا أشغّل المدفأة في أثناء النوم، وأضعها في مكان آمن وأراقبها باستمرار".
وبين القلق والبرد، تقف عائلات عراقية كثيرة أمام واقع اقتصادي ضاغط، حيث يصبح تشغيل المدفأة ضرورة لا خياراً، حتى وإن كانت النتائج كارثية، خصوصاً حين يكون الأطفال في مواجهة بردٍ لا يُحتمل. هذا ما يؤكده زيد الشمري (41 عاماً) الذي يقول لـ"العربي الجديد": "على الرغم من مخاطر تلك المدافئ، لكن شريحة كبيرة من العراقيين لا يمكنها الاستغناء عنها. وأنا بدوري لا أملك بديلاً، ولا أستطيع شراء مكيّفات الكهرباء بخاصية التبريد والتدفئة، كذلك فإن تشغيلها يتطلب الاشتراك بالمولدات الخاصة، وهي كلفة باهظة". ويتابع الأب لخمسة أطفال: "في الأيام والليالي التي تشهد برودة قاسية، أجمع أطفالي في غرفة واحدة، وأشغّل المدفأة، وأراقبها طوال الليل. أحرم نفسي النوم أحياناً كي لا يبردوا".
تتكرر قصة الشمري في منازل كثيرة في العراق حيث تتحول المدفأة من جهاز للتدفئة إلى عبء نفسي يومي. ومع غياب الحلول المستدامة، يبقى السؤال معلقاً عن مسألة الأمان والسلامة العامة.
قُصي فلاح، الذي يعمل في صيانة المدافئ منذ نحو 30 عاماً، يقول لـ"العربي الجديد" إنّ أغلب زبائنه من الفقراء، مبيّناً أنه ينصح دائماً المستهلكين باختيار نوعية وقود آمنة وغير مغشوشة، تفادياً لتسرب غازات خطيرة من المدافئ، قد تتسبّب بحالات اختناق داخل المنزل. ويشير إلى أن "العراقيين يعتمدون على هذه المدافئ منذ عقود طويلة، وإن كثيرين منهم يعرفون أعطالها وكيفية الاعتناء بها، لكن هناك تفاصيل صغيرة قد تؤدي إلى وقوع كارثة". وإذ يؤكد فلاح أن "المدافئ غير آمنة صحياً"، يلفت إلى أن "الخطر يرتبط بكيفية التعامل معها، خصوصاً أن كثيرين يستخدمون مدافئ خرجت عن الخدمة، لعدم قدرتهم على شراء الجديد منها".