"راتب المواطَنة"... نموذج تركي لمكافحة الفقر وتحصين المجتمع
استمع إلى الملخص
- يشمل النظام دعمًا اجتماعيًا متنوعًا، مثل دعم العائلات الفقيرة والتعليم والرعاية المنزلية، ويهدف إلى تعزيز الترابط الاجتماعي وزيادة الحد الأدنى للأجور.
- تواجه تركيا تحديات اجتماعية بسبب تراجع الدخل وارتفاع الأسعار، مما يؤثر على الطبقة الوسطى ويزيد من معدلات الهجرة والعنف الأسري، مع تزايد عدد كبار السن الذين يشكلون 11% من السكان.
تسعى تركيا من خلال "راتب المواطَنة" لدعم الأسر الأكثر حاجة وإبعادها عن شبح الفقر والجوع، وتحصين المجتمع من المشاكل والآفات وسط التدهور المعيشي.
تضيف تركيا هذا العام نظام دعم الأسرة التكميلي للدخل المعروف باسم "راتب المواطَنة" إلى برامج الدعم الاجتماعي التي تقدمها إلى الفقراء والمسنين، بهدف رفع دخل الأسر إلى ما فوق الحاجة وتحصين المجتمع التركي من آفات ومشاكل اجتماعية يسببها الفقر، مثل الجريمة والتسول وغيرهما.
أُطلق النظام أخيراً بتعليمات من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
، على أن يبدأ التطبيق التجريبي في يونيو/ حزيران المقبل في ثلاث ولايات، قبل أن يتوسع ويُعمَّم العام المقبل على الولايات التركية الإحدى والثمانين.ويقول الباحث التركي سعيد آجير لـ"العربي الجديد" إنّ هذا النظام المتوقع إضافته إلى برامج الدعم الاجتماعي في تركيا بهدف تعزيز القدرة الشرائية، لن يطاول جميع المسنّين والمتقاعدين، بل مَن لا تغطي مداخيلهم الاحتياجات الأساسية، إلى جانب الأسر التي تعيش تحت خط الفقر. كذلك سينطلق من معيار الحاجة بهدف إبعاد الأسر التركية عن حد الفقر، كاشفاً أن "نسبة الفقر في تركيا تقارب 13%، وهي في تزايد، ما يهدّد المجتمع التركي، ويؤثر في العادات وأنماط الاستهلاك، وحتى مستوى التعليم والتحصيل العالي".
ويضيف الباحث في جامعة أستينيا في إسطنبول أنّ "راتب المواطَنة" حاجة ملحّة لرفع الدخل إلى الحد الأدنى للأجور أو إلى حد الجوع الذي يتجاوز اليوم 31 ألف ليرة تركية (أكثر من 700 دولار أميركي)، وهو رقم يتخطى أرقام القرار الأخير القاضي برفع رواتب المتقاعدين العاملين في القطاع الخاص، وكذلك أصحاب الأعمال الحرة، بنسبة 12.19% في إطار فرق التضخم، بحيث لا يقل الراتب التقاعدي عن 20 ألف ليرة تركية (نحو 465 دولاراً).
ويعتمد النظام الجديد "راتب المواطنة" على دخل الأسرة ككل، وليس على دخل المتقاعد "الراتب" أو المسنّ "برامج الدعم"، كما يقول الباحث والإعلامي طه عودة أوغلو لـ"العربي الجديد"، موضحاً أن رواتب المتقاعدين تبلغ وسطياً نحو 18 ألف ليرة تركية، وهي دون خط الجوع، كذلك فإن بعض المسنين يتقاضون مساعدات أقل من راتب المتقاعد، "لذلك فإنّ راتب المواطنة ضرورة".
وحول أنواع برامج الدعم الاجتماعي في تركيا، يشرح عودة أوغلو أنها كثيرة ومتعددة، منها للأتراك ومنها للاجئين، لكن أهمها برنامج دعم العائلات الفقيرة، برنامج دعم التعليم للأسر الفقيرة لضمان استمرارية تعليم الأطفال، مساعدات الرعاية المنزلية للأسر التي يوجد ضمن أفرادها أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة أو مسنّون، وهذه المساعدات تختلف عن برنامج "صُوي" المنفّذ من قبل جمعية الهلال الأحمر التركي، والمخصص لعائلات الأشخاص المعوّقين وكبار السنّ والأرامل.
ويتحدث عودة أوغلو عن وجود برامج مساعدات ودعم اجتماعي للطلاب والشباب في تركيا، من ضمنها قرض الزواج الميسّر، ومنحة الحكومة للطلاب الدوليين، بحيث تغطي احتياجاتهم لجهة السكن والتأمين الصحي. كذلك تقدم البلديات برامج دعم، وخصوصاً للاجئين، مثل بطاقة مُسبقة الدفع لشراء المستلزمات من المتاجر، أو توزيع مواد التدفئة عليهم، مثل الفحم، خلال فصل الشتاء. ويرى الباحث أن "تركيا تتوجس من آثار الفقر على الحياة العامة والترابط الاجتماعي، لذا نرى حالات التوسع بحُزم الضمان والدعم الاجتماعيين، وزيادة الحد الأدنى للأجور سنوياً، وأحياناً مرتين خلال العام، كي تبعد الأسر عن الحاجة والآفات الاجتماعية".
وتتزايد في تركيا التحديات الاجتماعية من جراء تراجع الدخل وزيادة الأسعار، الأمر الذي يهدد تآكل الطبقة الوسطى لمصلحة الفقيرة، علماً بأنّ أغلب الباحثين يعتبرون الطبقة الوسطى هي الطبقة المولّدة للكفاءات والمثقفين في المجتمع. كذلك تتزايد ملامح الهجرة، أو التفكير فيها، ما يهدد المجتمع التركي بخسارة أدمغته وقدراته الإنتاجية. وتأتي حالات العنف الأسري وارتفاع معدلات الجريمة، وخصوصاً بين النساء، بوصفها إحدى نتائج تراجع المستوى المعيشي.
ويُلخّص مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في إسطنبول، محمد كامل ديميريل، الآفات والمشاكل الاجتماعية التي يولدها الفقر، من تفكك أسري وعزوف عن الزواج، خصوصاً بعد تراجع نسبة الولادات وانخفاض معدل الخصوبة إلى 1.48 أخيراً، وهو معدل أقل من عتبة الإحلال السكاني البالغة 2.1، فضلاً عن مشاكل الإقامة والسكن الجماعي، أو توجيه الأطفال نحو سوق العمل بدل الدراسة، وهذا ما تحاول تركيا النأي بالمجتمع عنه.
وإذ يؤكد ديميريل لـ"العربي الجديد" أنّ تركيا لا تزال بعيدة عن تلك المشاكل الاجتماعية، إلا أنه يُبدي خشيته من تفشّيها، مثل إبعاد النساء عن سوق العمل بذريعة أن الوضع الاقتصادي لا يحتمل مزيداً من الموظفين، علماً أنّ الحكومة التركية تفرض نسباً محددة للنساء ضمن الوظائف. ويقول: "كذلك فإن الفقر قد يؤدي إلى اليأس والإحباط المجتمعي العام، وإلى أمراض عصبية ونفسية تنجم عنها حالات تشرد أو انتحار، فضلاً عن مشاكل أخرى عديدة قد تؤثر ببنية المجتمع، مثل زيادة الديون وتراكمها، أو آثار الفقر ونقص المغذيات الأساسية، وانعكاس ذلك على صحة الأطفال خصوصاً، ما يعرقل قدرة أفراد المجتمع على المواكبة والإنتاجية".
لن تكون مهام الدولة التركية سهلة لجهة رفع المستوى المعيشي للمتقاعدين والمسنين، والمحافظة على بنية المجتمع، وفق قول خبراء، وخصوصاً أنّ تركيا بدأت تدخل في خانة الدولة العجوز بعد ارتفاع كبار السن (65 عاماً فما فوق) إلى نحو 9.4 مليون شخص، بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية العام الماضي، ما يشكل نحو 11% من إجمالي عدد سكان تركيا. وتتفوق النساء عددياً في هذه الفئة، إذ يبلغ عدد النساء فوق 65 عاماً نحو 5.2 ملايين، مقابل 4.2 ملايين من الرجال تقريباً.
وفي 31 يناير/ كانون الثاني المنصرم، نبّه القيادي السابق في حزب العدالة والتنمية، شامل طيار، إلى أن فئة المتقاعدين تحولت إلى "طبقة اجتماعية جديدة" تملك القدرة على رسم الخريطة السياسية وتحديد مصير السلطة في تركيا. وأوضح في منشوره عبر موقع إكس، أن عدد المتقاعدين تجاوز 17 مليون نسمة، محذراً من حالة غضب متصاعدة تسري في أوساطهم نتيجة تزايد معدلات الفقر.