رسومات من بين الركام... أطفال غزة يجسدون معاني الفقد والحياة
استمع إلى الملخص
- شارك الأطفال بلوحات تعبر عن أحلامهم وتطلعاتهم لمستقبل آمن، مثل الطفلة ليال الغزالي التي رسمت الفواكه والطعام، والطفلة أسيل شرف التي عبرت عن ألم فقدان منزلها، وشام الشنباري التي رسمت بيتًا بألوان زاهية.
- أشرفت الأخصائية النفسية هند أبو نجيلة على جلسات الدعم النفسي، مؤكدة أن الفن علاج وليس ترفًا، حيث جسدت اللوحات تفاصيل الواقع المؤلم والأمل بمستقبل أفضل.
امتزجت ألوان عدد من الأطفال الفلسطينيين بدموعهم خلال افتتاح معرض "ما بين الفقد والحياة"، اليوم الأربعاء، في مركز إيواء فلسطين، وسط غزة، المدينة التي أنهكها الدمار ويغطي الغبار أنفاسها، ليشكل مساحة صغيرة تعيد تعريف الفن بوصفه أداة للنجاة لا مجرد ترف جمالي. ويضم المعرض الذي نظمته جمعية مركز الإرشاد التربوي حكايات لم تجد سوى الفرشاة والألوان وسيلة أخرى للخروج للعلن، عبر عشرات اللوحات والرسومات التي أبدعتها سيدات وأطفال فقدوا منازلهم أو أحباءهم في الحرب، واختاروا أن يواجهوا الرماد بالألوان.
وتتنوع الأعمال بين لوحات تجريدية تجسد الصدمة والحنين وتحمل ظلالاً داكنة كثيفة توحي بالاختناق والعزلة، وأخرى تحمل رموزا للحياة وتتفتح بألوان مشرقة تمثل بداية جديدة، وكأن الفن هنا ليس مجرد علاج، بل إعلان بقاء. ليال الغزالي هي إحدى المشاركات (10 أعوام)، تقف أمام لوحتها التي رسمت فيها أصناف الفواكه والطعام التي حرمت من تذوقها على مدار أشهر الحرب بسبب الإغلاق الإسرائيلي للمعابر ومنع دخول المواد الأساسية، وقد بدت على ملامحها علامات التأثر.
تقول الغزالي لـ"العربي الجديد"، إنها لم ترسم الدمار والخراب كغيرها، ورسمت الفواكه والطعام الذي حرمت منه، كما حرم منه كل الأهالي في قطاع غزة، وتتطلع لمستقبل أكثر أمنا تتوفر فيه كل المتطلبات الأساسية. أما الطفلة أسيل شرف، فقد عبرت ببراءة عن بيتها الذي هدم خلال العدوان، عبر رسم بسيط لمنزل تعرض للقصف، وتقول إنها حاولت من خلال الرسم التعبير عن الألم الذي مرت به عائلتها التي تعرضت لنزوح متواصل بعد تدمير البيت.
الطفلة شام الشنباري التي شاركت في المعرض عبّرت من خلال لوحتها عن أحلامها في مستقبل أكثر إشراقا، فرسمت بيتاً بألوان زاهية، بجانبه طفلة تحمل علم فلسطين، وتقول لـ"العربي الجديد" إن أنشطة التفريغ النفسي والغناء والرسم ساعدتها في تخفيف الطاقة السلبية التي كانت تلازمها بفعل تأثيرات الحرب.
"أنا اشتقت لدارنا كتير، ونفسي تخلص الحرب بسرعة"، عبارة دونتها الطفلة شام أبو عمشة على لوحتها التي رسمت فيها بيتاً محاطاً بالزهور والشتول الملونة، وتتطلع لحياة مليئة بالأمن والاستقرار بعد فترة طويلة من النزوح والتشرد. وضم المعرض بعض الرسائل الطفولية المكتوبة يدويا، والتي حملت أحلام الأطفال بانتهاء الحرب وتأثيراتها والعيش بأمان وسلام، وأن تشرق شمس الحياة الطبيعية بعيدا عن الخوف والفقد والجوع والضياع والخطر.
وتقول الطفلة ليان شمالي (15 عاماً)، إنها شاركت في الجلسات التدريبية بهدف صقل قدرتها على الكتابة الإبداعية، وإنها حاولت من خلال كتاباتها العديدة التركيز على أوجاع الناس، وهمومهم وتطلعاتهم، وأضافت "سأواصل الكتابة حتى وإن لم يقرأها أحد في العالم، فهي سبيلي الوحيد لتجسيد الواقع".
غزة ما بين الفقد والحياة
ولم يكن اختيار اسم المعرض صدفة، فهو يعكس الرحلة الداخلية لكل فنان وفنانة من المشاركين، بين الحزن العميق على ما فقدوه والرغبة العارمة في التمسك بالحياة، ويعد ثمرةً مباشرة لأنشطة الدعم النفسي والاجتماعي التي نفذت داخل المساحات التعليمية الآمنة في غزة، حيث وجد الأطفال والنساء في الفن وسيلةً للتنفيس عن الخوف وتحويل الألم إلى طاقة خلاقة. وتلقى المشاركون خلال الأسابيع الماضية جلسات تدريبية في التعبير الفني بإشراف مختصين نفسيين وفنانين محليين، ركزت على استخدام الرسم وسيلة لإعادة التواصل مع الذات ومع الآخرين بعد الصدمة.
وتقول مشرفة حماية الطفولة والقائمة على المشروع، الأخصائية النفسية هند أبو نجيلة: "الفن هنا ليس ترفا، بل علاج، كل لوحة في هذا المعرض ورغم بساطتها تحمل قصة نجاة، رسالة حب للحياة من أشخاص مروا بالموت فعليا". وتبين أبو نجيلة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن جلسات الدعم النفسي الاجتماعي استهدفت مئات النساء والأطفال، وقد لامست أوجاعهم وظروفهم الصعبة وأحاسيسهم وأحزانهم وكل ما تعرضوا ويتعرضون له من آلام وأوجاع، لافتة إلى أن اللوحات المشاركة في المعرض جسدت تفاصيل الواقع الذي مرت به النساء وأطفالهن، إذ عكست الكبت الذي عاشه الناس خلال فترة الحرب، وجسدت الحرمان من الاحتياجات الآدمية الأساسية، كالطعام، والماء، والأمان، والاستقرار، إلى جانب الحرمان من الأحباب والأقارب.
وترى أبو نجيلة أهمية عكس كل تلك المشاعر من خلال اللوحات والألوان الغنية بمختلف المشاعر الإنسانية، وتقول "الأطفال رسموا بعفوية وبراءة حبيبات المانغا التي حرموا منها، والبيوت الصغيرة التي كانت ملاذهم الآمن، وهي مشاعر صادقة وحقيقية عكست الواقع المؤلم والأمل بمستقبل أكثر أمنا". ورغم بساطة المواد المستخدمة، إلا أن المعرض فتح نافذة تنفس في زمن الخوف، وخلق حالة وجدانية عميقة لدى الزوار، فكل لوحة تعيد تعريف الجمال في سياق الألم، وكل تفصيلة تذكّر بأن الإبداع لا يقصف، وبأن الفن أقوى من الحرب، وأن غزة، رغم كل ما فيها من فوضى، ما زالت تعرف كيف تبدع.