ركان دياب.. طفل غزي يتقدم عمره الزمني ويتأخر حلمه بالإدراك

05 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 14:15 (توقيت القدس)
ركان دياب يجسد معاناة أطفال غزة، 5 فبراير 2026 (علاء الحلو/العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني الطفل ركان دياب من ضمور في الدماغ واضطرابات نمائية، مما أثر على نموه العقلي واللفظي. توقفت برامج التأهيل المتخصصة بسبب الحرب في غزة، مما أدى إلى تراجع حالته الصحية والنمائية.

- تبذل والدة ركان، أريج دياب، جهودًا لتعويض غياب الرعاية المتخصصة بمتابعة أسرية، لكنها تدرك أن هذه الجهود لا تعوض التدخلات المهنية الضرورية، وتواجه الأسرة تحديات نفسية واجتماعية.

- تعكس قصة ركان واقع آلاف الأطفال في غزة المحرومين من برامج التأهيل بسبب إغلاق المراكز المتخصصة، مما يهدد بفقدان المهارات المكتسبة ويضع الأسر تحت ضغط كبير.

في زاوية صغيرة من الخيمة في غزة، حيث تختلط أصوات الحياة اليومية بصمت ثقيل، يقضي الطفل ركان دياب ذو الستة أعوام معظم وقته محاولاً فهم عالم لا يمنحه الإشارات نفسها التي يمنحها لأقرانه. عمره الزمني يتقدم، لكن عمره العقلي لا يزال عالقاً عند عامين ونصف عام، بفعل معاناته من ضمور في الدماغ واضطرابات نمائية متعددة انعكست على بطء نموه وعدم قدرته على النطق أو التعبير اللفظي عما يريد.

لم تكن حالة ركان ثابتة على هذا النحو دائماً، حيث التحق ببرامج تأهيل متخصصة شكلت نقطة تحول حقيقية في حياته، خضع لتدريبات ركزت على تنمية الإدراك والتواصل الحركي والمعرفي والسلوكي، إضافة إلى تمارين تمييز الألوان والأشياء والأجسام والأشخاص، ومع الوقت، بدأت ملامح التحسن تظهر تدريجياً، صار أكثر انتباهاً، قادراً على التمييز بين بعض الألوان، وأكثر تفاعلاً مع محيطه، في إنجازات صغيرة لكنها كانت كبيرة بمعايير حالته.

الصورة
 ركان دياب يجسد معاناة أطفال غزة، 5 فبراير 2026 (علاء الحلو/العربي الجديد)

التحسن لم يكن شعوراً فقط، بل انعكس طبياً أيضاً، فبحسب التقييمات المختصة، كان معدل الذكاء العقلي (IQ) لركان عند 56، وهو رقم يضعه على حافة خطر الدخول في مرحلة التخلف العقلي، ومع انتظام التدريبات، ارتفع المعدل درجتين، ما منح الأسرة أملاً حقيقياً بإمكانية إنقاذه من هذا المصير إذا ما استمرت المتابعة دون انقطاع. غير أن الحرب قطعت هذا المسار فجأة، حيث توقفت المراكز المتخصصة عن العمل، وتعطلت البرامج التأهيلية، وانهارت المنظومة الصحية التي كانت تؤمن الحد الأدنى من الرعاية للأطفال ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية، ومع توقف الجلسات، بدأ ركان يتراجع، وكأن الجهد الذي بدا خلال أشهر طويلة بات مهدداً بالتلاشي.

والدة ركان، أريج دياب (34 عاماً)، تصف هذا التراجع بمرارة، تقول إن عدم قدرة طفلها على النطق يشكل عبئاً نفسياً يومياً، وإن التحسن الذي لمسته خلال فترة التأهيل كان واضحاً، لكن غياب المتابعة أعاده خطوات إلى الوراء، ما يقلقها أكثر هو شعورها بأن عمره العقلي بات يراوح مكانه، فيما يكبر جسده عاماً بعد عام، بعيداً عن المستوى الذي يفترض أن يكون عليه مقارنة بأقرانه.

تحاول الأم قدر استطاعتها تعويض غياب المختصين بمتابعة أسرية، لكنها تعترف بأن هذه الجهود، مهما كانت صادقة، لا يمكن أن تحل محل البرامج المهنية التي تستند إلى أسس علمية وطبية دقيقة، فحالة ركان تحتاج إلى تدخلات متواصلة في مجالات الإدراك، والتواصل، والسلوك، والمهارات الحركية والمعرفية، وهي تدخلات باتت شبه معدومة في الوقت الراهن.

الصورة
 ركان دياب يجسد معاناة أطفال غزة، 5 فبراير 2026 (علاء الحلو/العربي الجديد)

طبياً، تصنف حالة ركان ضمن الإعاقة الذهنية، وهي حالة لا يتسبب فيها الطفل بإيذاء نفسه، وتتشابه في بعض جوانبها مع اضطرابات طيف التوحد، وقد ساعد الالتزام الأسري والمتابعة السابقة على تحقيق تحسن ملموس، إلا أن توقف الرعاية المتخصصة بفعل الظروف الحالية يعيد تهديد هذا التقدم، ويضع الطفل أمام خطر التراجع من جديد.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الحالة الصحية، فقد عاشت الأسرة ظروفاً قاسية بفعل النزوح المتكرر، ما أثر على الاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل، كما لم تتمكن العائلة من تسجيل ركان في المدرسة خوفاً من تعرضه للتنمر، ولعدم قدرته على مجاراة أقرانه في هذه المرحلة، ما يضيف عبئاً جديداً إلى قائمة التحديات اليومية.

قصة ركان دياب رغم خصوصيتها ليست حالة فردية، فآلاف الأطفال في قطاع غزة يواجهون المصير نفسه، بعد أن حرموا من برامج التأهيل والمتابعة نتيجة إغلاق المراكز المتخصصة وتدمير بعضها خلال الحرب، أطفال كانوا يحققون تقدماً تدريجياً في النطق والإدراك والسلوك، وجدوا أنفسهم فجأة بلا جلسات، بلا مختصين، وبلا بيئة داعمة تحفظ ما تحقق من إنجازات.

هذا الانقطاع القسري لا يعني فقط توقف التحسن، بل يحمل في طياته خطر التراجع وفقدان المهارات المكتسبة، خصوصاً لدى الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية الذين يعتمد تطورهم على الاستمرارية والدعم المهني طويل الأمد، ومع غياب البدائل، تتحمل الأسر عبئاً يفوق قدرتها، وتترك الأمهات والآباء في مواجهة قلق يومي على مستقبل أبنائهم. هكذا، تتحول حكاية ركان دياب إلى مرآة لواقع أوسع، يكشف عن جيل كامل من الأطفال الذين لا تحرمهم الحرب من طفولتهم فقط، بل من فرصتهم في العلاج، والتأهيل، والحياة الكريمة التي كان يمكن أن تكون ممكنة لو لم تغلق الأبواب في وجوههم.