زلزال ميانمار.. توقعات بارتفاع عدد القتلى وسط محاولات يائسة لإنقاذ الناجين
استمع إلى الملخص
- التحديات الإنسانية والاقتصادية: الزلزال زاد من معاناة ميانمار التي تواجه حكمًا عسكريًا وحربًا أهلية، مما أدى إلى تدهور البنية التحتية ونقص الموارد والمعدات، ووصفت الأمم المتحدة الوضع بأنه "أزمة متعددة الأبعاد".
- البنية التحتية والمباني: الزلزال كشف ضعف البنية التحتية، حيث تضررت المباني غير المدعمة، مما يبرز الحاجة لتقييم سلامة المباني في المنطقة.
توقّع خبراء أن يصل عدد القتلى جراء أقوى زلزال يضرب ميانمار منذ عقود إلى عشرات الآلاف، استنادا إلى نماذج كوارث سابقة. وتوقعت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية "سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وأضرار جسيمة، فيما يُرجح أن تكون منطقة الكارثة واسعة النطاق" جراء الزلزال الذي بلغت قوته 7,7 درجات ويقع مركزه بالقرب من مدينة ماندالاي في بورما التي يسكنها أكثر من مليون شخص.
وأفادت آخر حصيلة أعلنتها السلطات في ميانمار، اليوم السبت، أن الزلزال تسبّب في مقتل 1644 شخصا وإصابة 3408 بجروح، غير أنّ التحليل الذي أجرته هيئة المسح الجيولوجي يقدّر أنّ هناك احتمالا بنسبة 35% أن يتراوح عدد القتلى بين 10 آلاف و100 ألف شخص. وأشارت الهيئة إلى أنّ الكلفة المالية لهذه الكارثة قد تبلغ عشرات مليارات الدولارات، وهو ما يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
صدع خطير
من جانبه، قال بيل ماكغواير، أستاذ الجيوفيزياء ومخاطر المناخ في جامعة لندن، إنّ هذا "على الأرجح أكبر زلزال يضرب بورما منذ 75 عاما". وفيما وقعت هزة ارتدادية بقوة 6,7 درجات بعد دقائق من الزلزال، حذر ماكغواير من أنّ "من المتوقع وقوع المزيد من الهزات الارتدادية". وأشارت ريبيكا بيل، الخبيرة في التكتونيات في "إمبريال كولدج لندن"، إلى وجود حركة دفع جانبية لصدع ساغاينغ.
وهذا هو المكان الذي تلتقي فيه الصفيحة التكتونية الهندية إلى الغرب مع صفيحة سوندا التي تشكّل جزءا كبيرا من جنوب شرق آسيا، وهو صدع مماثل في الحجم والحركة لصدع سان أندرياس في كاليفورنيا. وأوضحت بيل أنّ "صدع ساغاينغ طويل جدا، ويبلغ طوله 1200 كيلومتر، كما أنه مستقيم".
وقالت إنّ "طبيعة الخط المستقيم تعني أنّ الزلازل يمكن أن تحدث على مساحات واسعة، وكلما كان الجزء المنزلق من الصدع أكبر، زادت قوة الزلزال". وأضافت ريبيكا بيل أنّ الزلازل في مثل هذه الحالات يمكن أن تكون "شديدة التدمير"، موضحة أنّه عندما يحدث الزلزال على عمق سطحي، فإنّ طاقته الزلزالية تتبدّد أثناء وصوله إلى المناطق المأهولة بالسكان على السطح. ولفتت إلى أنّ ذلك يؤدي إلى "الكثير من الهزات الارتدادية السطحية".
محاولات يائسة لإنقاذ المحاصرين
خلال الساعات التي تلت الزلزال العنيف الذي سوى مباني بالأرض في ماندالاي بميانمار أمس الجمعة، بحث الناجون وسط الأنقاض بأيديهم العارية في محاولات يائسة لإنقاذ المحاصرين. وقال أحد السكان وعمال إنقاذ في ثاني أكبر مدينة في البلاد لرويترز إنهم يكافحون لانتشال الناجين الذين يصرخون طلبا للمساعدة في ظل غياب المعدات الثقيلة والسلطات.
نجا هتيت مين أو (25 عاما) بصعوبة بالغة عندما انهار عليه جدار من الطوب وعلق نصف جسده تحت الركام. وقال لرويترز إن جدته واثنين من أقاربه ما زالوا تحت أنقاض مبنى. وتابع وهو يبكي: "هناك الكثير من الأنقاض، ولم تصل إلينا أي فرق إنقاذ".
وتقول منظمات إنسانية إن الزلزال، الذي بلغت قوته 7,7 درجات وأودى بحياة أكثر من ألف شخص، جاء في لحظة حرجة بالنسبة للبلاد في ظل الحكم العسكري المستمر منذ أربع سنوات والحرب الأهلية التي شلت البنية التحتية وشردت الملايين.
وأوضحت شيلا ماثيو، نائبة مدير برنامج الأغذية العالمي في البلاد، في بيان: "ضرب الزلزال القوي البلاد في أسوأ توقيت ممكن... لا تستطيع ميانمار تحمل كارثة أخرى". وقال محمد رياس، مدير لجنة الإنقاذ الدولية في ميانمار، إن السكان في أنحاء البلاد متضررون من "العنف واسع النطاق"، وإن النظام الصحي "دمره الصراع، ويكافح للتعامل مع حالات تفشي الكوليرا وأمراض أخرى".
وتابع رياس: "الضغوط الإضافية الناجمة عن تلبية احتياجات المصابين من الزلزال ستؤدي لضغط غير مسبوق على الموارد غير الكافية بالفعل". ولم يرد متحدث باسم المجلس العسكري في ميانمار على طلبات التعليق.
أزمة متعددة الأبعاد
قالت الأمم المتحدة في يناير/ كانون الثاني إن ميانمار تواجه "أزمة متعددة الأبعاد" تتسم بانهيار اقتصادي وصراع محتدم ومخاطر مناخية وتفاقم الفقر. وأكثر من نصف البلاد محروم من الكهرباء، والمستشفيات في مناطق الصراع خارج الخدمة. ونزح أكثر من 3.5 ملايين شخص وفر كثيرون آخرون عبر الحدود وسط قتال بين الجيش وجماعات مسلحة سيطرت على مساحات شاسعة من الأراضي.
وذكرت منظمة (فري بورما رينجرز) الإغاثية أن المعارك استمرت، أمس، عقب الزلزال، إذ شن الجيش غارات جوية بالطائرات الحربية والمسيرة في ولاية كارين، بالقرب من مقر إحدى أكبر الجماعات العرقية المسلحة.
وقال أحد رجال الإنقاذ الذي كان يحاول إخراج 140 راهبا من تحت أنقاض مبنى منهار في أمارابورا بماندالاي لرويترز: "لا نستطيع المساعدة لأننا لا نملك ما يكفي من الأيدي العاملة والآلات لإزالة الأنقاض". لكنه استطرد قائلا: "لن نتوقف عن العمل".
وأصدر المجلس العسكري في ميانمار مناشدة نادرة للحصول على مساعدات دولية، ومن المقرر أن تصل فرق الاستجابة للكوارث من روسيا والصين وسنغافورة والهند اليوم السبت. لكن نشطاء حقوق الإنسان أثاروا مخاوف من أن المساعدات لن تصل إلى السكان على الأرض نظرا إلى تاريخ النظام في منع وصول الإغاثة إلى أجزاء من البلاد تسيطر عليها جماعات المعارضة.
وطلب بعض السكان المساعدة في توفير الآلات عبر فيسبوك. وكتب شخص أن أفرادا من عائلته سحقوا تحت أنقاض مسجد، مضيفا: "نحتاج إلى استئجار رافعة لإزالة الكتل الخرسانية الثقيلة. إذا كان لدى أي شخص معلومات عن مكان يمكننا استئجارها منه، يرجى التواصل معنا".
فرق طبية فيليبينية مستعدة للمساعدة
في سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة الفيليبينية، اليوم السبت، أن ثلاثة فرق للمساعدة الطبية الطارئة مستعدة للمساعدة في الاستجابة لما بعد الزلزال في ميانمار وتايلاند.
وفي أعقاب زلزال بقوة 7,7 درجات ضرب ميانمار وتايلاند المجاورة، أصدر وزير الصحة تيودورو هيربوسا تعليماته على الفور لفرق المساعدة الطبية الطارئة لتكون على أهبة الاستعداد للانتشار بمجرد اكتمال بروتوكولات التنسيق الدولي مع البلدان المتضررة وتلقي طلب، حسب وكالة أنباء الفيليبين اليوم السبت. وقال هيربوسا: "نحن على اتصال مستمر مع مكتب الرئيس فرديناند آر ماركوس الابن للحصول على مزيد من التعليمات، حيث تنسق الفيليبين مع جيرانها في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الذين ضربهم الزلزال".
طفرة في البناء
تتعرّض بورما لزلازل قوية. وأشار برايان بابتي، عالم الزلازل في هيئة المسح الجيولوجي في لندن، إلى أنّ القرن الماضي شهد أكثر من 14 زلزالا بقوة ست درجات أو أكثر، بما في ذلك زلزال بقوة 6,8 درجات بالقرب من ماندالاي في العام 1956.
وأوضح إيان واتكينسون، من قسم علوم الأرض في رويال هولواي التابع لجامعة لندن، أنّ "الطفرة في المباني الشاهقة المصنوعة من الخرسانة المسلّحة" غيّرت قواعد اللعبة في العقود الأخيرة.
ولكن في ميانمار التي تشهد حربا منذ سنوات، فإنّ مستوى تطبيق معايير البناء المقاوم للزلازل ضعيف. وأشار إيان واتكينسون إلى أنّه "خلال جميع الزلازل السابقة التي بلغت قوتها سبع درجات أو أكثر على طول صدع ساغاينغ، كانت ميانمار غير متطوّرة نسبيا، وكانت مبانيها في الغالب منخفضة الارتفاع ذات هياكل خشبية بينما كانت معالمها الدينية من الطوب".
وأضاف أنّ الزلزال الذي وقع الجمعة "هو أول اختبار للبنى التحتية الحديثة في ميانمار في مواجهة زلزال بهذه القوة وغير عميق قرب مدنها الرئيسية". وقدّر بريان بابتي أنّ 2,8 مليون
شخص في ميانمار يعيشون في مناطق متضرّرة بشدّة، معظمهم في أبنية "مصنوعة من الخشب والطوب غير المقوّى".
من جانبه، لفت إيلان كيلمان، الخبير في الحد من الكوارث في جامعة لندن، إلى أنّ "المتعارف عليه هو أنّ الزلازل لا تقتل، بل انهيار المباني والبنى التحتية هو الذي يقتل". وأكد أنّ "الحكومات مسؤولة عن أنظمة التخطيط ومعايير البناء"، موضحا أنّ "هذه الكارثة تسلّط الضوء على ما فشلت حكومات بورما فيه قبل وقوع الزلزال بوقت طويل، وما كان من شأنه إنقاذ الأرواح خلال الهزات الأرضية".
"تقييم أعمق" للمباني الشاهقة
شعر سكان الدول المجاورة بهزات ارتدادية قوية أيضا، خصوصا في تايلاند حيث تحوّل أحد المباني الشاهقة قيد الإنشاء والمكوّن من 30 طابقا إلى كومة من الأنقاض، ما أدى إلى محاصرة عشرات العمّال تحت الدمار.
وقال كريستيان مالاغا تشوكويتايب، من "إمبريال كولدج لندن"، إنّ طبيعة التربة في بانكوك ساهمت في تأثّر المدينة التي تبعد حوالى ألف كيلومتر عن مركز الزلزال. وأضاف: "رغم أنّ بانكوك بعيدة عن الصدع النشط، إلا أنّ أرضها اللينة تساهم في تضخيم (تأثير) الهزات".
واعتبر أنّ التقنيات المستخدمة في البناء في بانكوك تميل إلى "الألواح المسطّحة"، حيث يجرى دعم الأرضيات فقط بواسطة أعمدة من دون استخدام عوارض مقوّاة، مثل الطاولة التي تدعمها الأرجل فقط، مشيرا إلى أنّ هذا التصميم يطرح مشكلات.
ووفق هذا الخبير، فإنّ التحليل الأولي لفيديو المبنى المنهار في بانكوك يوحي بأنّ تقنية البناء هذه استُخدمت في هذه الحالة بالذات. وأوضح أنّ هذه التقنية "تتجاوب بشكل سيئ مع الزلازل، إذ تنهار في كثير من الأحيان بطريقة هشّة ومفاجئة" في ما يشبه الانفجار.
أمّا روبرت جانتيل، الخبير في مجال نمذجة مخاطر الكوارث في جامعة لندن، فقد رأى أنّ "الانهيار الصادم" لبرج بانكوك يشير إلى الحاجة إلى "تقييم عميق" للسلامة في مبانٍ شاهقة أخرى في المدينة.
(رويترز، فرانس برس، قنا)