سدود الأردن... مستويات تخزين تعكس خطورة الأزمة المائية

26 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 26 أكتوبر 2025 - 00:54 (توقيت القدس)
تراجع مياه اليرموك يؤثر سلباً في سد الوحدة، الأردن، 4 إبريل 2021 (ماركوس يام/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني الأردن من أزمة مائية حادة بسبب تغير المناخ وتراجع الهطول المطري، مما أدى إلى انخفاض كفاءة السدود واستنزاف الموارد المائية، حيث لم تتجاوز نسبة التخزين في السدود 40% من سعتها.
- تتفاقم الأزمة بسبب العجز السنوي البالغ 400 مليون متر مكعب وارتفاع معدلات التبخر، مما يؤثر على السعة التخزينية ونوعية المياه. تعمل وزارة المياه على تحسين البنية التحتية بإنشاء سدود جديدة وإزالة الرسوبيات.
- تعتمد البلاد على مشروع تحلية مياه البحر الأحمر كحل استراتيجي، وتسعى لتحسين إدارة الموارد المائية عبر توسيع استخدام المياه المعالجة وخفض الفاقد.

يعاني الأردن أزمة مائية خطيرة بعد أن فرغت معظم سدوده جراء تغير المناخ وتراجع الهطول المطري وارتفاع معدلات التبخر واستنزاف الموارد، ما يبقي الآمال معلقة على مشروع تحلية مياه البحر الأحمر.

لم يعد مشهد السدود الممتلئة بالمياه مألوفاً في الأردن، إذ تشهد السدود تراجعاً حاداً في كفاءتها التخزينية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تغير المناخ وتذبذب الهطولات المطرية، ومشاكل تتعلق بزيادة الرسوبيات، والتعقيدات التي تمنع الحصول على كميات كافية من المياه من دول الجوار، ما جعل البلاد أمام واحدة من أخطر أزماتها المائية.

ففي الموسم المطري الماضي، لم تتجاوز نسبة التخزين في السدود 40% من سعتها الكلية، وأعلن أخيراً وزير المياه والري الأردني، رائد أبو السعود، أن معظم السدود فرغت تقريباً باستثناء سد الملك طلال الذي يتغذى على مصادر غير مرتبطة بالأمطار، مشيراً إلى أن أزمة المياه مزمنة في الأردن، حيث تتقلص حصة الفرد المائية سنوياً لتضع البلاد في صدارة الدول الأكثر فقراً مائياً على مستوى العالم.

وتبلغ حاجة الأردن السنوية من المياه نحو 1.4 مليار متر مكعب، فيما لا يتجاوز المُتاح منها 950 مليون متر مكعب، ما يخلّف عجزاً يقارب 400 مليون متر مكعب سنوياً. ويُفاقم هذه الفجوة ارتفاع معدلات التبخر التي قد تصل إلى 93% من الهطول السنوي، ما يجعل الأردن في المرتبة الـ172 عالمياً من أصل 180 دولة في معدلات الهطول المطري، وفقاً لبيانات البنك الدولي.

وخلال الشتاء الماضي، تراجعت كميات الهطول المطري بنسبة تصل إلى 50%، ما عمّق أزمة المياه في الأردن إلى جانب عوامل إضافية مثل ضعف الحوكمة، ووصول الفاقد من المياه عبر الشبكات إلى نحو 40%، واستنزاف الأحواض الجوفية بمعدل يفوق 200% من طاقتها التجديدية، التي تؤمن أكثر من 60% من مياه الشرب، ما يجعل الضغط عليها شديداً وخطيراً على المدى البعيد.

ويشير مساعد الأمين العام لوزارة المياه والري الأردنية، عمر سلامة، لـ"العربي الجديد"، إلى أن الأردن يضم 16 سداً رئيسياً بسعة تخزينية تصل إلى نحو 336 مليون متر مكعب، فيما يبلغ حجم التخزين الحالي مستويات متدنية جداً، مع الإبقاء على مخزون استراتيجي لضمان سلامة منشآت السدود الحيوية، إلى جانب أكثر من 420 حفيرة ترابية، وسداً صحراوياً لتخزين مياه الفيضانات في مختلف مناطق المملكة، بطاقة تخزينية تقارب 200 مليون متر مكعب، يُستفاد منها في تغذية المياه الجوفية وسقاية المواشي وخدمة مناطق البادية والمناطق النائية.

ورغم هذا التنوع في البنية التحتية، لم يتجاوز المخزون الفعلي في بعض المواسم 97 مليون متر مكعب، وهو رقم يهدد الاستخدامات الزراعية والصناعية، وحتى مياه الشرب.

ويكشف سلامة أن الوزارة تنفذ حالياً دراسات عدة لإنشاء سدود جديدة، مثل سد نخيلة ووادي عسال، فضلاً عن تنفيذ 15 حُفيرة صحراوية جديدة في مناطق مختلفة، إلى جانب إزالة الرسوبيات من بعض السدود لزيادة سعتها وتحسين تغذية المياه الجوفية، مشيراً إلى أن تغير المناخ أثر كثيراً في تراجع الهطول المطري، وبالتالي في مخزون السدود خلال السنوات الأخيرة. ويلفت إلى أن الوزارة تبذل جهودها لتأمين الاحتياجات المائية عبر توسيع استخدام المياه المعالجة الناتجة من محطات الصرف الصحي، وخفض الفاقد، وتكثيف حملات ضبط الاعتداءات، وصولاً إلى تنفيذ المشروع الاستراتيجي الوطني (الناقل الوطني) لتحلية مياه البحر الأحمر في العقبة، بطاقة تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنوياً، ونقلها إلى مختلف المحافظات لمسافة 450 كيلومتراً، بما يتيح الانتقال من التزويد مرة كل أسبوع أو أسبوعين، إلى التزويد لأيام عدة أسبوعياً. وتعوّل الوزارة على المشروع باعتباره الخيار الاستراتيجي لكسر معادلة العجز.

وتُستخدم معظم السدود للري وتغذية المياه الجوفية، فيما تعتمد ثلاثة سدود فقط على توفير مياه الشرب مباشرةً، هي: سد الوحدة، سد الوالة، وسد الموجب. أما سد الملك طلال، على الرغم من سعته البالغة 70 مليون متر مكعب، فإنه يتغذى أساساً على مياه مُعالجة من محطة الخربة السمراء وسط البلاد، ما يثير تساؤلات عن نوعية المياه في ظل انخفاض مياه الأمطار التي تحسن من نوعية المياه الواصلة إلى السد وجودتها.

الصورة
يعاني سد الوالة من الجفاف وتراكم الرسوبيات، الأردن، 7 مارس 2024 (كونتيجو/ Getty)
يعاني سد الوالة من الجفاف وتراكم الرسوبيات، الأردن، 7 مارس 2024 (كونتيجو/ Getty)

لا تعود أزمة السدود إلى قلة الأمطار فحسب، بل تتداخل عوامل عدة، أبرزها تراكم الطمي والرسوبيات التي تقلص من سعتها التخزينية. ويشير خبراء إلى أن هذه المشاكل ترتبط بضعف عمليات الصيانة والتنظيف، ما يستدعي خططاً عاجلة لإزالة الرواسب وإنشاء حواجز تمنع وصولها بكميات كبيرة إلى السدود. وعلى سبيل المثال، يعتمد سد الوحدة على نهر اليرموك الذي تراجعت مياهه نتيجة استنزاف مشترك من قبل الأردن وسورية، وسيطرة الاحتلال الإسرائيلي على بعض منابع النهر. ويعاني سد الوالة من تراكم الرسوبيات التي تشكل ما يقارب 10% من سعته التخزينية، فيما بُني سد الكرامة في وادٍ مالح، ما أثار منذ إنشائه عام 1997 جدلاً حول جدواه. كذلك يتأثر سد الملك طلال بعدم انتظام عمليات التنظيف والتصريف، ما يزيد من تراكم الطمي والرواسب.

ويوضح الخبير في قطاع المياه، إلياس سلامة، لـ"العربي الجديد" أن الأردن بنى الكثير من السدود، وهناك أكثر من 10 سدود كبيرة والعديد من السدود الصغيرة التي تبلغ طاقتها التخزينية نحو مليون أو مليونَي متر مكعب، فضلاً عن حفائر الحصاد المائي، وخصوصاً في المناطق الصحراوية. ويقول: "ربما عند التفكير بإنشاء سدود جديدة، من الصعب اتخاذ قرار بمكانها، لأن معظم المناطق الجغرافية المناسبة قد غُطيت بالسدود، سواء في المناطق القريبة من التجمعات السكانية أو في الصحراء". ويؤكد أن المطلوب تنظيم إدارة المياه والحفاظ على السدود الحالية، ولا سيما مع تقلص سعتها التخزينية بسبب الترسبات، داعياً إلى تنظيف السدود مع إمكانية إنشاء سدود أو حواجز صغيرة تقلل من حجم الأتربة والترسبات الواصلة إليها، بما يسمح بوصول مياه أنظف.

ويرى سلامة أن فراغ السدود يعود إلى ضعف الموسم المطري العام الماضي، الذي لم يتجاوز نصف المعدل السنوي، آملاً أن تكون المواسم المقبلة أفضل. وإذ يشدد على أن آثار تغير المناخ واضحة في المنطقة، يؤكد أن قلة الأمطار العام الماضي لا يمكن ربطها بشكل كامل بتغير المناخ. وينبّه إلى دراسات علمية تكشف احتمال تراجع الأمطار بنسبة 15% عن معدلها الحالي خلال السنوات العشرين المقبلة، حيث سيكون انعكاس ذلك أكبر على المياه السطحية والجوفية، بسبب امتصاص التربة لجزء من المياه وزيادة التبخر، داعياً إلى الحرص في إدارة الموارد المائية وتعظيم الاستفادة منها، وربط أي مشروع مائي بالحاجة الفعلية له.

ويربط الخبير المائي قلة حصة الفرد من المياه بالتغير الديمغرافي في الأردن، مبيناً أنه عند تأسيس الدولة كان عدد السكان لا يتجاوز ربع مليون نسمة مع موارد مائية كافية، فيما يقترب العدد اليوم من 12 مليوناً مع بقاء الموارد على حالها تقريباً، باستثناء بعض المصادر الداخلية التي استُصلِحَت. ويشير إلى وجود محادثات مع سورية للحصول على حصة الأردن من مياه اليرموك وحوض الأزرق، متوقعاً نتائج إيجابية لهذه المفاوضات. ويلفت إلى أن الخلاف بين الأردن وسورية ليس نزاعاً على مياه غير مستخدمة، بل قضية اقتصادية واجتماعية سعياً لمنح الأردن حقوقه المائية. ويدعو سلامة إلى عدم الاعتماد على المياه القادمة عبر الاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي، لكونه أمراً محفوفاً بالمخاطر، معتبراً أن الحل الحقيقي يكمن في مشروع تحلية مياه العقبة.

الصورة
انخفاض مخزون السدود يهدد الزراعة وقطاعات عدة، غور الحديثة، 10 إبريل 2021 (ماركوس يام/ Getty)
انخفاض مخزون السدود يهدد الزراعة وقطاعات عدة، غور الحديثة، 10 إبريل 2021 (ماركوس يام/ Getty)

من جانبه، يكشف رئيس الجمعية الأردنية للحفاظ على المياه، أحمد الروسان، لـ"العربي الجديد" أن أغلب السدود في الأردن تعاني من تراكم الطمي والرسوبيات، وأن مياه الأمطار تجري بسرعة نحو السدود محملة بالرسوبيات، رغم أن السدود تُعد من أفضل وسائل الحصاد المائي. ويلفت إلى أن سد الوحدة الذي يتسع لنحو 200 مليون متر مكعب، وهو أكبر سدود الأردن، لا يحتوي حالياً إلا على نحو 10 ملايين متر مكعب، فيما يتسع سد الملك طلال لنحو 70 مليون متر مكعب، لكنه لا يحتوي حالياً إلا على نحو 16 مليون متر مكعب، أما باقي السدود فهي شبه فارغة.

ويشير الروسان إلى أن الأردن من أكثر الدول التي اهتمت ببناء السدود، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف الموسم المطري الماضي الذي لم يتجاوز نصف المعدل العام، في وقت يُعتمد فيه على السدود بشكل أساسي في الزراعة. ويوضح أن أغلب سدود الأردن لا تصل إلى كامل طاقتها الاستيعابية، باستثناء بعض السدود الصغيرة التي تمتلئ في بعض المواسم، لافتاً إلى أن السدود الصحراوية والحفائر تؤدي الغرض الأساسي منها، وهو تغذية المياه الجوفية، والزراعة، وسقاية الأغنام.

ويشير إلى أن سد الملك طلال يتغذى على المياه المستصلحة من محطة الخربة السمراء، ما يوفر ديمومة المياه، لكن غياب مياه الأمطار يرفع نسب المواد الكيماوية والمعادن الثقيلة فيه، مؤكداً أن انخفاض منسوب المياه يشكل اليوم فرصة لتنظيف السدود. ويشدد على ضرورة التواصل مع سورية للحصول على حصة الأردن من منبع حوض اليرموك، مشيراً إلى وجود 43 سداً صغيراً على مجرى اليرموك، ما أدى إلى انخفاض كميات المياه الواردة للأردن، لافتاً إلى أن سورية أبدت تفهماً وتعهدت بعدم حفر آبار جديدة والحد من استخدام المياه، للسماح بوصول جزء من المياه إلى سد الوحدة، لكن المشكلة في سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على بعض القرى الجنوبية في سورية المحاذية لنهر اليرموك. ويوضح أن الأردن يشتري نحو 50 مليون متر مكعب من المياه، ويحصل على كمية مماثلة تقريباً من خلال اتفاقية السلام من نهر اليرموك، تُخزَّن في سد وادي العرب وقناة الملك عبد الله.

ويتابع الروسان، قائلاً: "للأردن حقوق مائية في منطقة الغمر، ووادي عربة، والحمة الأردنية، فضلاً عن حقوق في حوض السرحان مع العراق والسعودية، وحوض الديسي مع السعودية، وحوض الأزرق المائي مع سورية"، مؤكداً أن حل أزمة المياه لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مشروع الناقل الوطني وتحلية مياه البحر الأحمر في العقبة.

وبحسب وزارة المياه والري، فقد كُشف على كل مواقع السدود في مختلف مناطق المملكة، للتأكد من جاهزيتها لاستقبال الموسم المطري المقبل، وضمان سلامتها للتعامل مع كميات المياه المتدفقة. وأكدت سلطة وادي الأردن أن كوادرها الفنية نفذت الصيانات اللازمة، ونظفت مجاري السيول والأودية، لضمان تحقيق أكبر مردود ممكن من مياه الأمطار في ظل التوجهات الوطنية لتوسيع الحصاد المائي، انسجاماً مع رؤية التحديث الاقتصادي والخطة الاستراتيجية للمياه 2023–2040.

المساهمون