سورية: تعميم "مقيّد" للسياحة في ريف دمشق يثير جدالاً حول الحريات

06 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 16:36 (توقيت القدس)
من المطاعم الشعبية في منطقة وادي بردى، ريف دمشق (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار قرار بلدية سوق وادي بردى بمنع الحفلات المختلطة في المطاعم جدلاً حول الحريات، حيث جاء استجابة لشكاوى الأهالي من الضجيج، مما يثير تساؤلات حول السياحة والعادات الاجتماعية في سوريا.
- رئيس البلدية أكد أن القرار ينظم السياحة بما يتماشى مع قيم المنطقة، بينما أوضح وزير السياحة أن الهدف كان معالجة حالة تجاوزت التقاليد، مع السعي لتنظيم الأنشطة السياحية.
- انتقد ناشطون القرار باعتباره تعدياً على صلاحيات وزارة السياحة، محذرين من تأثيره السلبي على النشاط السياحي، مع التأكيد على أهمية التوازن بين السياحة واحترام الخصوصية المجتمعية.

أُثير الجدال في سورية أخيراً حول الحريات، بعد تعميم أصدرته بلدية سوق وادي بردى في ريف دمشق يقضي بمنع إقامة حفلات رقص مختلطة بين الجنسَين في المطاعم الشعبية بالمنطقة التي تُعَدّ سياحية، تحت طائلة إغلاقها وختمها بالشمع الأحمر. وبرّر رئيس البلدية أحمد شن علي هذا التعميم، الصادر في الثالث من فبراير/ شباط الماضي، بأنّه يهدف إلى ضبط سلوكات وصفها بـ"الدخيلة" على ثقافة سوق وادي بردى وتُخرج المكان عن طابعه الثقافي والاجتماعي، مبيّناً أنّه أتى استجابة لشكاوى تقدّم بها الأهالي بسبب الضجيج والموسيقى الصاخبة الصادرَين عن المجموعات السياحية.

وكان تسجيل أخير قد تضمّن مشاهد رقص من حفل أقيم في أحد مطاعم سوق وادي بردى التابع لمنطقة الزبداني بمحافظة ريف دمشق، الأمر الذي استنفر البلدية فاعترضت على "الرقص المختلط بين الجنسَين المخلّ بالآداب وغير اللائق"، ومن ثم قرّرت "منع استقبال المجموعات السياحية المختلطة التي تقوم بحفلات الرقص المختلط والاندماج من دون وضع رادع أخلاقي في المطاعم الشعبية وغيرها". لكنّ أسئلة كثيرة راحت تُطرَح حول السياحة في سورية وشكلها، وحول الحريات، وحول من الذي يملك حقّ تنظيم الشؤون السياحية، وأين تقف حدود العادات الاجتماعية أمام الانفتاح السياحي.

وفي إطار تبرير التعميم الصادر عن بلدية سوق وادي بردى، أشار رئيسها إلى أنّه "لا يعيق السياحة ولا يحدّ من حرية أحد"، بل يهدف إلى تنظيمها بما يتوافق مع قيم المنطقة وعاداتها وتقاليدها. أضاف شن علي أنّ بلديته لا تفرض قيوداً على المعتقدات الشخصية، إنّما تعمل على تنظيم السلوك العام في أماكن محدّدة، واصفاً احترام الخصوصية الثقافية بأنّه "حقّ إنساني عالمي" ويندرج من ضمن مفهوم "السياحة المسؤولة" والسعي إلى "سياحة مستدامة لا تستغل المجتمع بل تثريه".

ووسط الجدال حول تعميم بلدية سوق وادي بردى، قال وزير السياحة السوري مازن الصالحاني لـ"العربي الجديد" إنّه "فُهم بطريقة غير دقيقة، وأُخرج عن سياقه الحقيقي". وأوضح أنّ "المقصود لم يكن منع الحفلات بحدّ ذاتها، إنّما معالجة حالة محدّدة، جرى في خلالها تجاوز واضح في إحدى الحفلات التي أُقيمت من ضمن منطقة غير مرخّصة لمثل هذا النوع من الفعاليات"، متحدّثاً عن ممارسات وصفها بأنّها "تتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية لأهالي المنطقة".

أضاف وزير السياحي السوري أنّ "الانفعال الشعبي كان كبيراً جداً تجاه ما جرى، وهذا ما استدعى تدخّل الجهات المعنية وصدور القرار". ولفت إلى أنّ "دور وزارة السياحة لا يقوم على المنع أو التضييق، بل على تنظيم هذه الأنشطة بطريقة فضلى، سواء لجهة اختيار الأماكن المناسبة أو توجيه المجموعات السياحية إلى الالتزام بالانضباط واحترام خصوصية كلّ منطقة وطبيعتها الاجتماعية".

وأفاد الصالحاني بأنّ سورية "منفتحة على العالم وترحّب بجميع الزائرين، من مختلف الجنسيات والثقافات"، مشيراً إلى أنّ "هذا الانفتاح لا يتناقض مع ضرورة الحفاظ على العادات والتقاليد المحلية، ولا سيّما في المناطق ذات الطابع الاجتماعي المحافظ". وتابع أنّ "تحقيق التوازن ما بين تنشيط السياحة واحترام الخصوصية المجتمعية يُعَدّ جزءاً أساسياً من مسؤولية وزارة السياحة".

وعن تسجيل الفيديو الذي استدعى إصدار تعميم بلدية سوق وادي بردى، قال الصالحاني إنّه وصل إلى الوزارة، موضحاً أنّ الوزارة رفضت نشره أو تداوله، "لأنّ أحداً لا يمكنه أن يتقبّل ما حدث في تلك الحفلة، وما ظهر فيها من مجون تَمثّل بقلة الحياء". وأكد أنّ "هذا القرار جاء انطلاقاً من رفض ما جرى، وفي الوقت نفسه من الحرص على عدم الإساءة أو التشهير، واحترام خصوصية الأشخاص الذين كانوا موجودين في المكان".

في سياق متصل، نفى الصالحاني ما يُتداوَل عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول فرض وجود "محرم" أو قيود على اختلاط بين الجنسَين في خلال زيارة بعض المناطق، مؤكداً أنّها "غير صحيحة على الإطلاق". وأشار إلى أنّ "الجميع يذهب إلى المطاعم والمقاهي والأماكن العامة ويجلس فيها بحرية كاملة، ولا أحد يعترضهم أو يحدّ من حريتهم الشخصية".

وشدّد وزير السياحة على أنّ "الأمور في سورية قائمة على التعايش، ولا نيّة لتقييد حرية أيّ شخص"، لافتاً إلى أنّ ما جرى "حالة فردية جرى تضخيمها". وأكمل الصالحاني أنّ وزارته تعمل في المرحلة المقبلة لـ"تنظيم هذا النوع من الفعاليات بطريقة أكثر وضوحاً، بما يضمن بيئة سياحية منضبطة تحترم المجتمع المحلي، وفي الوقت نفسه تبقى منفتحة ومرحّبة بالجميع".

في المقابل، رأى ناشطون ومراقبون أنّ التعميم، الذي انتقدوه، هو تعدّ على صلاحيات وزارة السياحة في سورية وقرار "من دون سند قانوني واضح". وحذّروا من انعكاساته السلبية على النشاط السياحي في كل البلاد. كذلك رأى آخرون أنّ ما يجري يرسّخ سلطة محلية تفرض قيوداً دينية وأخلاقية من خارج إطار القانون، وسط تساؤلات عن حدود صلاحيات المسؤولين المحليين ودور الحكومة السورية في ضبط هذه القرارات.

يُذكر أنّ تعميم بلدية سوق وادي بردى أتى في سياق سلسلة قرارات مشابهة راحت تثير جدالاً واسعاً في الفترة الماضية، من بينها تعميم صادر عن محافظة حماة يُلزم المرافق العامة والخاصة، من مدرّجات ومطاعم وصالات، بعدم استقبال أو إقامة أيّ فعالية باستثناء ما خُصّص له المرفق المحدّد، إلا بعد إبراز موافقة خطية صادرة عن مكتب الفعاليات تحت طائلة مساءلة المخالفين.