سوريون عادوا من لبنان هرباً من القصف... أوضاع ضبابية

10 مارس 2026   |  آخر تحديث: 02:33 (توقيت القدس)
سوريون عائدون من لبنان، 4 مارس 2026 (حسن بلال/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- عاش اللاجئون السوريون في لبنان لسنوات، لكن تصاعد القصف الإسرائيلي دفع 81,000 منهم للعودة إلى سوريا منذ مارس/آذار، رغم التحديات الاقتصادية والقانونية.
- يروي العائدون قصصهم عن الحياة في لبنان وقرار العودة الصعب، مثل أسامة النجار وسعاد ناصيف ومحمود السلمان، الذين تركوا وظائفهم بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.
- العودة إلى سوريا مليئة بالتحديات، حيث يواجه العائدون واقعًا اقتصاديًا صعبًا ومنازل تحتاج إلى ترميم، مما يزيد من صعوبة إعادة التأهيل والبحث عن سبل معيشة جديدة.

عاش آلاف اللاجئين السوريين لسنوات في لبنان، وبنوا حياة جديدة رغم الصعوبات الاقتصادية والقانونية، لكن مع اتساع رقعة القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان ومناطق أخرى، وجد كثير من السوريين أنفسهم أمام خيار صعب، فإما البقاء في بلد بات ساحة حرب، وإما العودة إلى وطن لا يزال يعاني آثار حرب طويلة.
وبلغ عدد العائدين السوريين من لبنان منذ مطلع شهر مارس/ آذار الجاري وحتى التاسع منه 81.000 مواطن عبر منفذي جوسية وجديدة يابوس، بحسب ما أكد مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش لـ "العربي الجديد".
يقيم السوري أسامة النجار في ضاحية بيروت الجنوبية منذ سبع سنوات، ويقول لـ"العربي الجديد" إن "قرار العودة لم يكن مخططاً له، وعندما بدأ القصف بشكل مفاجئ، اعتقدنا أن الأمر لن يطول، وأنه مجرد تصعيد مؤقت، لكن مع مرور الوقت بدأت الضربات تقترب أكثر، وزاد القلق، وعندها شعرت أن البقاء في لبنان لم يعد آمناً. الحياة تغيرت بسرعة مع تصاعد التوتر الأمني، إذ خفت حركة الناس في الشوارع، وأغلقت المحال أبوابها، وبدأ كثير من السكان يفكرون في المغادرة، وكان الخوف واضحاً على وجوه الجميع، ومع تكرار أصوات الانفجارات ليلاً، لم يعد بإمكاننا تجاهل ما يحدث".
يضيف النجار: "كان خوفي على عائلتي هو الدافع الأكبر لاتخاذ قرار العودة المفاجئ، إذ تركنا الأثاث المتواضع الذي استطعنا امتلاكه خلال السنوات الماضية، وغادرنا بحقيبة ثيابنا. أعمل في ورش البناء منذ سنوات، وصاحب الورشة أخبرنا أن العمل سيتوقف نتيجة الظروف الأمنية، في تلك اللحظة أدركت أن الأمور تتجه نحو الأسوأ، فعدت إلى المنزل، وأخبرت  زوجتي بأننا سنعود إلى سورية، وجمعنا أغراضنا القليلة بسرعة، وتوجهنا نحو الحدود".
ويشير إلى أن الرحلة إلى سورية كانت مليئة بالتوتر، خاصة مع ازدحام الطرق بالعائلات العائدة، ويؤكد: "ليس الأمر مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل لحظة استحضار لذكريات النزوح الأولى التي عشتها قبل سنوات عندما غادرت سورية باتجاه لبنان. شعرت أنني أعيش نفس اللحظة مرة أخرى، لكن هذه المرة بالعكس، ففي المرة الأولى كنا نهرب من الحرب في بلدنا، والآن نعود إليه هرباً من حرب أخرى". 
وعلى الطريق المؤدي إلى الحدود السورية، كانت سيارات وحافلات تقل عائلات تحمل حقائب ومنقولات قليلة، لكنها تختزن في داخلها سنوات من محاولات الاستقرار في بلد اللجوء. وجوه متعبة، وأطفال يراقبون الطريق بصمت، وأمهات يحرصن على ألا تضيع الوثائق، والأمتعة. من بين هؤلاء كانت السورية سعاد ناصيف، والتي كانت تعيش في مدينة صيدا (جنوب)، وتعتمد على عمل منزلي لإعالة عائلتها.

عادت مئات العائلات السورية من لبنان، 4 مارس 2026 (حسن بلال/الأناضول)
عادت مئات العائلات السورية من لبنان، 4 مارس 2026 (حسن بلال/الأناضول)

تقول لـ" العربي الجديد": "بدأت قبل سنوات عملاً متواضعاً من مطبخ البيت، إذ كنت أعد بعض الأطباق السورية وأبيعها للجيران والمعارف، ومع الوقت بدأ الناس يطلبون مني أكثر، وتوسع عملي تدريجياً مع زيادة الطلب على الطعام المنزلي، خاصة بين العمال والطلاب السوريين. بعد فترة صار لدي زبائن كثر، وكنت أطبخ يومياً تقريباً، وهذا العمل بات مصدر دخلي الأساسي، ومنه كنت أرسل المال إلى أقربائي في سورية".
تتابع: "مع تصاعد التوتر العسكري في لبنان تغيرت الحياة سريعاً، إذ تراجع الطلب على الطعام، وتزايد الخوف بين السكان، وتوقفت الناس عن الطلب، فالكل خائف، وعندها شعرت أن البقاء لم يعد له معنى. اضطررت إلى ترك معظم أدوات عملي في المنزل، مكتفية بحمل بعض الأغراض الضرورية. عدت إلى سورية وأنا لا أعرف ماذا سأفعل، لكني على الأقل أشعر أنني في بلدي وبين أهلي".
ويصف كثير من العائدين لحظة عبور الحدود بأنها مزيج من الراحة والقلق، فالعودة إلى الوطن تمنح شعوراً بالانتماء، لكنها أيضاً تعني مواجهة واقع اقتصادي صعب. كان محمود السلمان يعمل في مطعم في بيروت، ويقول: "عندما دخلنا إلى الأراضي السورية شعرت بالراحة، لكني في الوقت نفسه بدأت أفكر، ماذا سأفعل؟ تركت عملاً ثابتاً كان يوفر لي دخلاً شهرياً مقبولاً، وكنت أخطط للبقاء في لبنان لسنوات أخرى، وربما فتح مشروع صغير، لكن الحرب غيرت كل شيء. قصتي تعكس هشاشة حياة اللاجئين، ومع ذلك القدرة على اتخاذ قرارات صعبة بحثاً عن الأمان، حتى لو كان ذلك يعني البدء من جديد".
وعند كثير من العائلات، اتخذ قرار العودة بعد نقاشات طويلة في ظل تزايد القلق مع تصاعد التوتر الأمني. تقول سارة قطيفان، وهي أم لثلاثة أطفال: "كنت أتحدث مع زوجي كل ليلة عن الأمر، ونحاول أن نقرر الأفضل لنا ولأطفالنا، وزوجي كان متردداً في البداية لأن عمله كان مستقراً نسبياً، ويوفر دخلاً ثابتاً للعائلة، وكان يخشى أن نعود إلى سورية من دون مصدر رزق واضح، لكني كنت خائفة، ومع تكرار أصوات القصف زاد القلق، خصوصاً مع انتشار أخبار عن احتمال اتساع المواجهات، ما دفعنا في النهاية إلى اتخاذ قرار العودة".

قضايا وناس
التحديثات الحية

واستقر بعض العائدين في منازلهم التي غادروها قبل سنوات، بينما اضطر آخرون إلى الإقامة مؤقتاً لدى أقاربهم بانتظار ترتيب أوضاعهم، فسنوات اللجوء الطويلة تركت وراءها بيوتاً مغلقة، وأخرى مدمرة، كما غيرت ملامح الأحياء. لكن الواقع الميداني في بعض المناطق السورية صعب، خصوصاً في الريف، ما يفرض تحديات كبيرة على العائدين، سواء على صعيد إعادة تأهيل منازلهم، أو البحث عن سبل معيشة بعد سنوات من الغياب.
ترك الأربعيني محمد الفران عمله المستقر في إحدى الشركات الغذائية في بيروت وعاد إلى منزله شبه المهدم في عندان بريف حلب الشمالي، ويقول لـ"العربي الجديد": "عندما وصلت إلى قريتي، وفتحت باب البيت شعرت بأن الزمن توقف هنا منذ سنوات. لم يسلم المنزل من آثار الحرب، إذ تعرض لأضرار من جراء قصف سابق، ما جعله شبه مهدم، وغطى الغبار الأثاث القديم، وبعض الجدران متصدعة، وهناك أجزاء من السقف تحتاج إلى ترميم".
ويضيف: "لحظة العودة حملت مشاعر متناقضة، فقد فرحت لأنني عدت إلى بيتي بعد كل هذه السنوات، لكني في الوقت نفسه شعرت بالحزن عندما رأيت حجم الأضرار التي لحقت به. إعادة الحياة إلى المنزل ليست مهمة سهلة في ظل الظروف الصعبة وارتفاع تكاليف مواد البناء، يحتاج البيت إلى الكثير من الإصلاحات حتى يصبح صالحاً للسكن. كثيرون مثلي عادوا لأن الظروف أجبرتهم على ذلك، لكن لا أحد يعرف ما الذي سيحدث لاحقاً، ولا نزال غير متأكدين ما إذا كانت العودة دائمة أم مؤقتة".