سوريون ينتقدون الحكومة... مطالبات بتحسين الواقع المعيشي
استمع إلى الملخص
- يعاني المواطنون من تدهور الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه والصحة، وتأثرت الأوضاع المعيشية بقرارات وقف الدعم عن بعض المواد الأساسية، مما زاد من مطالب تحسين الخدمات.
- تواجه الحكومة تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، حيث يتطلع المواطنون إلى سياسات تدعم الإنتاج المحلي وتحمي الفئات المتضررة، لكن الأداء الحالي يثير الإحباط بسبب التهميش والاستحواذ الفئوي.
كانت عيون السوريين تتابع حكومة تسيير الأعمال رغم إدراكهم أنها ليست لديها الخبرة الكافية، لكنهم كانوا يعولون عليها في تحقيق الكثير من آمالهم. يُحسب للحكومة بسط السيطرة الأمنية على معظم المدن الرئيسية، وقد لعبت قوى الأمن العام، والتي تم تشكيلها حديثاً، دوراً محورياً في تعزيز الاستقرار، لكن العديد من المشكلات لا تزال قائمة.
يقول منصور العلي، من العاصمة دمشق، لـ"العربي الجديد": "هناك فارق كبير بين إنجازات وزارة الداخلية ووزارة الدفاع. فالأولى استطاعت في زمن قياسي تفعيل الضابطة العدلية والأمن الجنائي، ما ساهم في استعادة الثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية. التحديات الأمنية لا تزال قائمة، بخاصة في المناطق التي تشهد وجود فصائل مسلحة أو مليشيات غير منضبطة. بينما وزارة الدفاع لا تزال تعاني من انعدام الانضباط في صفوف بعض الفصائل، ما يضعف قدرتها على تحقيق الاستقرار الكامل".
وتتباين آراء المواطنين حول أداء الحكومة، فبينما يرى البعض أن الخطوات الأمنية والإدارية التي تم اتخاذها هي بداية الطريق نحو الاستقرار، يعبر آخرون عن خيبة أملهم من عدم تحقيق تحسن ملموس في الخدمات العامة والأوضاع المعيشية. من دمشق، تقول فاطمة العبد الله: "نعيش على أمل أن تتحسن الأوضاع، لكن حتى الآن لم نلمس أي تغيير حقيقي في حياتنا اليومية. الكهرباء لا تزال تنقطع لساعات طويلة، والمياه غير متوفرة بشكل كاف. الحكومة بحاجة إلى وقت لتحقيق الإصلاحات المطلوبة، لكن عليها أيضاً الاستماع إلى أصوات المواطنين، وعدم اتخاذ قرارات تعسفية تضر بمصالحهم".
وواجهت الحكومة عقبات كبيرة خلال محاولات إصلاح الجهاز الإداري للدولة، والذي كان يعاني من الترهل الوظيفي واستشراء الفساد، واتخذت قرارات جريئة شملت إيقاف أكثر من 400 ألف موظف، سواء عبر الفصل، أو الإجازة لمدة ثلاثة أشهر، إضافة إلى وقف رواتب العسكريين وقوى الأمن الذين كانوا على رأس عملهم عند سقوط النظام. غير أن هذه القرارات أثارت جدلاً واسعاً، خاصة بين أولئك الذين فقدوا مصدر رزقهم الوحيد.
يقول عماد أبو راس، وهو موظف مفصول، لـ"العربي الجديد": "لا أعتقد أن الحكومة جاءت من كوكب آخر، أو لا تعلم كيف كانت تسير مؤسسات الدولة في زمن النظام السابق. لقد طاولت قرارات الفصل موظفين يعملون منذ أكثر من عشرين عاماً، من دون وجود لجان مختصة للفحص، أو فرصة للاحتجاج. لا يمكن إنكار أنه كانت هناك أسماء وهمية يتقاضى مستحقاتها مقربون من النظام السابق، لكن هناك أيضاً عشرات آلاف الموظفين الذين فصلوا، وهذه القرارات لا تخدم المصالحة المجتمعية، وستخلق نقمة لدى كثيرين".
وتشير الناشطة الحقوقية سلام عباس إلى أن "الحكومة وقعت بمطب كبير في أيامها الأولى عندما قررت رفع الرواتب 400% من دون أي ضغوط من المواطنين، لكنها لم تستطع حتى تأمين الراتب الأساسي، وكانت تلك خيبة الأمل الأولى، والخيبات الأخرى تتمثل في عدم وجود رؤية حقيقية للتحسن الاقتصادي، ما جعل السكان ينشغلون بالخلافات السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من التفكير الجدي في بناء دولتهم".
على صعيد الخدمات العامة، لا يزال المواطنون ينتظرون تحسناً في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والاتصالات. ورغم الوعود الحكومية المتكررة، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار المعاناة. يقول المختص بالاقتصاد قاسم الحلبي لـ"العربي الجديد": "زيادة ساعات التغذية الكهربائية ستحقق وفرة مالية للدولة والمواطنين، وستنعكس على القطاع الإنتاجي، فتكاليف الكهرباء أقل بكثير من تكاليف البدائل مثل المازوت، ما سينعكس إيجاباً على كافة نواحي الحياة".
وشهدت الفترة الأخيرة انخفاضاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية واستقراراً في سعر الدولار الأميركي، ما أثر إيجاباً على شرائح عدة من المواطنين. غير أن القرارات الحكومية المتعلقة بوقف الدعم عن بعض المواد الأساسية، مثل المحروقات والخبز، ألقت بظلالها على الأوضاع المعيشية.
من حلب، يرى عمار البقاعي أن الوضع الراهن لا يزال بعيداً عن تطلعات المواطنين، ويوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "المواطن غالباً ما يقيم أداء الحكومة من بوابة تفاصيل حياته اليومية وتوفر الخدمات، ومع أننا لاحظنا انخفاضاً في أسعار بعض المواد الغذائية، إلا أن ارتفاع أسعار الخبز والطحين أثر سلباً على شرائح كبيرة من المجتمع. شرائح من المنتجين تأثرت سلباً بقرارات رفع الدعم، خاصة في قطاعات مثل الزراعة والمواصلات، فمضاربات المستوردات أدت إلى خسائر كبيرة، الأمر الذي يتطلب حماية الإنتاج المحلي وفتح آفاق جديدة للتصدير".
وتواجه حكومة تسيير الأعمال السورية تحديات كبيرة، من الأمن إلى الإدارة والخدمات العامة، ورغم بعض الإنجازات التي تحققت، خاصة في مجال الأمن، إلا أن الإخفاق في تحسين الأوضاع المعيشية والخدمات العامة ينعكسان على بقية التفاصيل.
من السويداء، يقول الناشط المدني علي الحسين، لـ"العربي الجديد"، إن "الحكومة بحاجة إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر شمولية، مع التركيز على حماية الإنتاج المحلي، ودعم الشرائح الأكثر تضرراً من القرارات الأخيرة. المواطن ينتظر تحسناً ملموساً في حياته اليومية، وهذا هو المعيار الحقيقي لتقييم أداء الحكومة، لأن بناء السياسات مرهون برفع الاقتصاد، فالشعوب تزحف على بطونها كما يقال".
ويضيف الحسين: "في الوضع السوري، يبقى الأمل هو المحرك الأساسي للمواطنين الذين يتطلعون إلى غد أفضل يتمكنون فيه من العيش بكرامة واستقرار بعد سنوات طويلة من المعاناة. كان السوري يأمل بعد عقد من الحرب في تغيير أكبر، لكنه أصيب بخيبات أمل نتيجة أداء الإدارة الجديدة الذي يثير الإحباط، بداية من الاستحواذ الفئوي على السلطة والجيش والقوى الأمنية والشرطية، إضافة إلى التهميش المتعمد الذي تنتهجه الإدارة لمكونات الشعب على أساس العرق والطائفة، مروراً بالإعلان الدستوري الذي لا يمثل تطلعات وأهداف الثورة السورية، والذي استبدل الدستور الذي بني على أساس حكم الحزب الواحد بدستور مؤقت مبني على حكم الفرد الواحد".