ضاحية بيروت الجنوبية... مشهد الصخب نهاراً لترميم الحياة وسكون الجراح ليلاً
ينهمك أهالي ضاحية بيروت الجنوبية منذ وقف إطلاق النار في رفع الركام وفتح الطرقات ومحاولة ترميم ما تبقى من مبانٍ ومحالّ تجارية نجت من آلة القصف الإسرائيلي الذي طاولها منذ 2 مارس الماضي. غير أنّ ملامح الضاحية تتبدّل فور حلول ساعات المساء، ليتحوّل المشهد من أوج الصخب إلى أدنى درجات الهدوء والسكون والحذر.
تستيقظ ضاحية بيروت الجنوبية مع التباشير الأولى للفجر على إيقاعٍ خشنٍ، ولكنّه مفعم بالحياة. ليس الإيقاع ذاته الذي ألفته قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة في 2 مارس/ آذار الماضي، ولا هو الصمت الرتيب الذي يخيّم عادةً على المناطق المنكوبة، بل هو مزيج فريد من ضجيج الآليات الثقيلة، وهدير الشاحنات التي تنقل الركام، وصوت المطارق التي تدق الحديد والأخشاب، وصوت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي لا تفارق المنطقة. هنا، في البقعة التي شهدت أعتى أشكال الدمار، يرسم الأهالي يومياً لوحة صمودٍ وإصرار. يتناوب مشهدان متناقضان على الشوارع نفسها، يعكسان حكاية منطقة تجاهد لترميم جراحها ولملمة أنفاسها، متمسكةً بالبقاء رغم شحّ الخدمات وحجم الخراب.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
ورشة عمل مفتوحة نهاراً
مع حلول الصباح، تدبّ الحركة في أرجاء الضاحية الجنوبية، وتحديداً في منطقة صفير، وأوتوستراد هادي نصر الله، والكفاءات والشياح وغيرها من المناطق التي تساقطت عليها الصواريخ الإسرائيلية، وألحقت بها دماراً كبيراً. ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار، رغم هشاشته، تتقاطر أعداد المواطنين العائدين إلى أحيائهم ومنازلهم المتضرّرة. تتزاحم السيارات منذ ساعات الفجر الأولى في الشوارع الرئيسية للضاحية، سواء في منطقة حارة حريك أو الرويس أو بئر العبد، فيما ينتشر العمال والمتطوعون والأهالي على أطراف المباني والمربّعات السكنية. أمّا المشهد المشترك فهو "ورشة عمل مفتوحة" في أغلب الشوارع، إذ تعمل آليات رفع الردم بلا توقف من أجل تنظيف الطرقات وفتح المنافذ الأساسية، بينما تنهمك عائلات بأكملها في إزالة الزجاج المكسور، وجمع الأثاث المتضرّر، وتنظيف الشرفات والتواصل مع المهندسين للاطمئنان على سلامة المباني المتضررة جزئياً. لم ينتظر الأهالي انتهاء الورش الكبرى، بل بادر كثيرون، بجهود فردية ومبادرات أهلية، إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه داخل شققهم، وعلى نفقتهم الخاصة، خصوصاً في ظلّ غياب التعويضات المالية حتّى اليوم.
تقول أم محمد الخنسا (52 عاماً)، وهي تقف على شرفة منزلها في منطقة الرويس المشرفة على مبنى متضرر جزئياً: "عندما عدنا أول مرة ورأينا الحجم الهائل للدمار، ظننا أنّ الحياة لن تعود قبل سنوات. لكن الشوق للبيت أقوى من أي شيء، فالبيت مريح في كل حالاته، رغم أنه يحتاج إلى كثير من الترميم، إذ تطايرت النوافذ وخُلعت الأبواب، لكن زوجي وأبنائي بدأوا منذ عودتنا بإصلاح الألومنيوم وتنظيف الجدران"، وتضيف لـ"العربي الجديد": "لا يهدأ الصوت هنا، يعطينا صخب الآليات والعمال أملاً بأنّ الضاحية تنهض من جديد، ونتأمل كل يوم ألّا نغادر هذا البيت مجدّداً، وألا تُطرق طبول الحرب مرة أخرى".
لا يقتصر هذا الإصرار على المنازل، بل يتعداه إلى المشهد الاقتصادي والاجتماعي. فقد بدأت المحالّ التجارية تفتح أبوابها تباعاً، حتى تلك المحال التي تحيطها المباني المدمّرة. فقد نشر بائعو الخضار بضائعهم على أطراف الشوارع الحيوية، فيما عادت المقاهي الصغيرة لتقدم القهوة للعمال والأهالي، وباتت محالّ صيانة الزجاج والألومنيوم والكهرباء تشهد إقبالاً واسعاً.
يقف حسين عطوي (45 عاماً) أمام دكانه الصغير لبيع المواد الغذائية في حارة حريك، ممتلئاً بالطاقة رغم أنّ واجهة محلّه لا تزال مغطاة بشريط بلاستيكي مؤقت، يقول لـ"العربي الجديد": "أقفلت المحلّ طوال فترة العدوان الإسرائيلي، وتلفت البضائع. لكن منذ اليوم الأول لعودة الناس، سارعتُ إلى رفع الركام من أمام باب المحلّ وفتحه. في البداية لم يكن لديّ سوى بضع عبوات من المياه وبعض السلع الأساسية، لكن العمال والأهالي كانوا بحاجة لكل شيء"، ويؤكد عطوي أنّ فتح المحل لم يكن فقط لتأمين مصدر رزقه، بل كي يشعر الجيران بأن الحي لم يمت. ويقول: "عندما يرى الناس المحل مفتوحاً، يبتسمون ويستعيدون الأمل، خصوصاً أنهم اعتادوا شراء حاجياتهم اليومية من المتاجر القريبة من منازلهم، كما أن عائلاتٍ عديدة ترغب في عودة الضجيج الذي اعتادت عليه في الحي".
هدوء حذر ليلاً
لكن ما إن تغيب الشمس وتبدأ ساعات المساء، حتّى تتغيّر ملامح ضاحية بيروت الجنوبية، لينتقل المشهد من أوج الصخب إلى أدنى درجات الهدوء والسكون. ففي الليل، تنحسر حركة الآليات ويتراجع منسوب الازدحام المروري. فالعائلات التي تقطن في الشقق السليمة أو المتضرّرة جزئياً تلتزم منازلها، بينما يغادر المنطقة كثيرون ممّن جاؤوا نهاراً لأغراض التنظيف وتفقد الأضرار، نظراً لعدم إمكانية السكن في شققهم. وتصبح الشوارع التي شهدت زحاماً قبل ساعات، شبه خالية في بعض المناطق، إلا من بعض المارّة أو سيارات الإسعاف وفرق حراسة الأحياء.
وتزداد وحشة الليل في بعض الشوارع المدمّرة كلياً، إذ يتحوّل الركام والأبنية المنهارة إلى مجرد ظلال سوداء صامتة تحت ضوء القمر. هذا التباين الحادّ بين حيوية النهار وسكون الليل يعكس عمق الجرح الذي لم يلتئم بعد لدى أهالي الضاحية الجنوبية ومعظم اللبنانيين، فكثير من الشوارع ما تزال مقفلة بسبب دمار عشرات المباني فيها، وتحوّل الشقق إلى وحدات غير صالحة للسكن، ما يدفع بعائلاتٍ كثيرة إلى التريّث في العودة، ريثما تتأمن مقوّمات العيش الأساسية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء.
خدمات شبه معدومة
خلف هذا المشهد المفعم بالإرادة والأمل، تتوارى معاناة يومية ضاغطة على السكان الذين قرّروا البقاء أو المبيت في بيوتهم، إذ يقاسون ضعفاً شديداً في الخدمات الأساسية نتيجة الأضرار البالغة التي لحقت بالبنى التحتية. ففي المنطقة الواقعة بين صفير والجاموس وصولاً إلى كنيسة مار مخايل، يفتقد السكان إلى شبكة الاتصال، وتتقلص خدمة الشبكة لتصبح معدومة في بعض الشوارع. يعود ذلك إلى حجم الدمار الذي لحق بأعمدة الاتصالات. وتُعتبر مشكلة الاتصالات وشبكة الإنترنت من أبرز المشاكل التي عانى منها سكان ضاحية بيروت الجنوبية. فالإرسال الخلوي ضعيف جدّاً في معظم أرجاء الضاحية، ويكاد يكون معدوماً في المربّعات التي شهدت استهدافات مكثفة لمقاسم الاتصالات وأبراج البث، كما يعاني الأهالي والأشخاص الذين يحاولون متابعة أعمالهم عن بُعد، أو التواصل مع أقاربهم للاطمئنان عليهم، من صعوبة بالغة في إجراء مكالمة هاتفية بسيطة أو الحصول على تغطية إنترنت مستقرة.
يتحدث هادي الزين (28 عاماً)، وهو مهندس برمجة يحاول العمل من منزله المتضرّر جزئياً في منطقة بئر العبد، عن هذه المعاناة، قائلاً: "العودة إلى البيت كانت قرارنا رغم كلّ شيء، ولكن غياب شبكة الاتصالات يعرقل حياتنا اليومية، إذ أضطر للصعود إلى السطح أو المشي مسافة كيلومتر تقريباً نحو منطقة المشرفية أو أطراف الشياح، إذ تكون التغطية أفضل قليلاً، من أجل الاتصال بشبكة الإنترنت أو حتّى إجراء مكالمة مع الشركة"، ويقول: "الاتصالات ليست رفاهية اليوم، بل هي شريان حياة لمتابعة طلبات الإغاثة والإخلاء، كما لأغراض التواصل والعمل. لذلك، يبقى الخوف من حدوث أي عمل عسكري إسرائيلي في المنطقة قائماً، كأن يضع المتحدث باسم جيش الاحتلال خريطة إثر تدهور الوضع الأمني فجأة، لذلك تبقى الأعين مُصوّبة نحو موقع إكس ووسائل الإعلام لمتابعة المستجدات، ومغادرة المنطقة في حال حدوث أي طارئ".
لا تقتصر المعاناة على الاتصالات، إذ إنّ شبكة الكهرباء العامة غائبة في معظم الأوقات، والاعتماد الكلي على اشتراكات المولدات الخاصة التي تحاول إعادة مد الكابلات وسط الركام، وهو ما تترتب عليه تكاليف باهظة تُثقل كاهل العائلات المتعبة مادياً، كما أنّ أزمة مياه تلوح في الأفق في ظلّ تضرر شبكات الضخ ومحطات التكرير الفرعية، ما يدفع كثيرين للّجوء إلى صهاريج المياه الخاصة التي ترفع أسعارها باستمرار.
إرادة حياة وبقاء
على الرغم من الصعوبات الخدمية، يتمسّك أهالي ضاحية بيروت الجنوبية بإرادة الحياة، إذ حوّلوا مشاهد الدمار إلى ساحاتٍ للعمل والترميم. لكنّ غالبية الأهالي يترقبون المستجدات الأمنية في لبنان، ويحاولون وضع خطط بديلة كي لا يتكرر مشهد النزوح الليلي المرير. تقول هدى الجواد لـ"العربي الجديد" وهي من إحدى سكان منطقة الجاموس: "عدتُ إلى منزلي منذ أكثر من شهرٍ ونصف الشهر، أعدت ترتيب كل ملابس العائلة في خزائنها، وأفرغت حقيبة الطوارئ التي كنت أضعها عند مدخل المنزل، لكنني أراقب الأخبار اليومية، وبدأت في البحث عن منزل خارج المنطقة، فقط كي أضمن مكاناً آمناً في حال تطورت الأحداث الأمنية وتوسّعت الحرب مجدّداً. ففي الحرب الأخيرة، كانت فترة النزوح صعبة جدّاً، وكنا ننتظر إعلان وقف إطلاق النار كي نعود إلى الضاحية، ولكنّنا اليوم رغم شعورنا بالراحة داخل المنزل، يبقى الخوف سيّد الموقف".
في كلّ زاوية، تجد قصة إنسانية تختصر معنى العودة والتعافي؛ بين شابّ يطلي جدران محله ليغطّي آثار الشظايا، ومسنّة تنظّف درج المبنى وهي تردّد دعوات الأمل، وعمال يصلون الليل بالنهار لرفع الركام وفتح الطرقات، تتشكل حياة جديدة في ضاحية بيروت الجنوبية. وبين مشهد الصخب نهاراً وسكون الجراح ليلاً، يعيش الأهالي مرحلة انتقالية ضمن مسارٍ طويلٍ لإعادة الإعمار. يغادر بعضهم أزقة الضاحية ليلاً على أمل العودة صباحاً، بينما يتقاسمون مع أولئك الذين استطاعوا البقاء في المنطقة، هموماً مشتركة، ولعلّ أبرزها محاولة ترميم حياتهم وحياة أطفالهم وشبّانهم بعد كلّ ما عاشوه من مآسٍ، ومن لوعة الفقد والخسارة.