عائلة عبيات تقف وحيدة في وجه الاستيطان: التجمع البدوي مستهدف
- مضايقات مستمرة وتأثيرات نفسية: تتعرض العائلة لمضايقات تشمل قطع المياه والكهرباء، مما يؤثر على صحتهم النفسية ويزيد من قلقهم على المستقبل.
- استهداف ممنهج للبدو: يصف حسن مليحات ما يحدث بأنه سياسة تضييق ممنهجة تستهدف البدو، داعياً لتحرك قانوني وإعلامي ودعم مجتمعي لتعزيز صمودهم.
في كرفان بسيط على أطراف التجمع البدوي في بلدة فصايل الوسطى شمال أريحا شرقي الضفة الغربية، يعيش الفلسطيني عبد الهادي عبيات (35 عاماً) مع زوجته وأطفاله الخمسة (ثلاث بنات وولدان)، في مواجهة يومية مع المستوطنين الذين لا يتركون العائلة الوحيدة المتبقية في التجمع دون مضايقات واعتداءات يومية.
قبل أشهر قليلة، كان إلى جانب عبد الهادي 9 عائلات بدوية، أما اليوم فقد بقي وحده بعد أن اضطر الآخرون إلى الرحيل تحت ضغط التضييق المتواصل؛ حيث يلاحق المستوطنون تلك العائلات في مناطق أخرى، فلا مكان آمن. ويقول عبيات لـ"العربي الجديد": "إن محاولات إخراجنا من المكان لم تتوقف"، مشيراً إلى منعهم من الوصول إلى الجبال ومحاصرتهم في مساحة ضيقة، حيث وضع المستوطنون شبكاً حديدياً حول المنزل، واستولوا على مساحة تُقدّر بنحو ثلاثة آلاف دونم في المكان منذ ثلاثة أشهر. ورغم كل المضايقات، يتمسك عبيات بالبقاء في منزله المتواضع بمنطقة مصنفة "ج" والقريبة من بلدة فصايل الوسطى، قائلاً: "لا يوجد مكان آمن نذهب إليه، نحن باقون هنا"، آملاً في توافر حماية تضع حداً لاعتداءات تهدد حياة عائلته واستقرارها.
مضايقات المستوطنين متواصلة ضد التجمعات البدوية
يوضح عبد الهادي عبيات أن حياتهم اليومية تحولت إلى سلسلة من المضايقات بسبب المستوطنين الذين يرعون أغنامهم قرب المسكن، والذين قطعوا المياه والكهرباء عن العائلة، فضلاً عن إحداث ثقوب في خزانات المياه، إضافة إلى الشتائم والتشويش المتعمد. ولا تقتصر المعاناة على ذلك، إذ يتحدث عبيات عن طائرة مسيّرة مزودة بمكبر صوت تحلّق ليلاً لإزعاجهم، وكذلك إلقاء نفايات تنبعث منها روائح كريهة.
ورغم وجود متضامنين أجنبيين إلى جانب عائلة عبيات، يؤكد عبد الهادي أن الشكاوى التي قدمها إلى جيش الاحتلال والشرطة الإسرائيلية لم تُفضِ إلى نتيجة، والخوف بات جزءاً من تفاصيل حياتهم، حيث لم يعد قادراً على العمل بشكل طبيعي، وأطفاله يخشون الخروج في كل مرة يتوجهون فيها إلى مدرستهم.
يوميات من الرعب
تصف تحرير عبيات (36 عاماً)، زوجة عبد الهادي، في حديث لـ"العربي الجديد"، واقع حياتها في تجمع فصايل الوسطى بأنه "عيش في خوف دائم"، مؤكدة أن الرعب والتوتر "باتا جزءاً من تفاصيل يومي وعائلتي"، وتركَا آثاراً صحية ونفسية قاسية عليها. وتضيف أنها تعاني من وضع نفسي صعب، وارتفاع مستمر في مستوى السكري نتيجة الضغط المتواصل، إضافة إلى خضوعها سابقاً لعملية قسطرة قلبية، ما يجعل أي حالة توتر خطراً مباشراً على صحتها.
وتروي تحرير أن المستوطنين ينفذون استفزازات متكررة غير عادية؛ فعند اقتحامهم محيط منزل العائلة، يشربون الخمر ويكونون في حالة سكر، ما يضاعف شعورها بالخوف والارتباك، ويزيد من القلق من المجهول، خصوصاً في ساعات الليل، مشيرة إلى أن شهر رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر عبادة وطمأنينة، يمر عليهم في أجواء مشحونة بالتوتر. وتشدد تحرير على أن مطلبها الأساسي "العيش بأمان بعيداً عن اعتداءات المستوطنين"، قائلة: "إن حلمي البسيط يتمثل بأن أحيا وأسرتي حياة طبيعية دون خوف دائم يهدد صحتي واستقرارنا".
استهداف ممنهج لدفع البدو إلى الرحيل
يصف المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة، حسن مليحات، في حديث مع "العربي الجديد"، ما تتعرض له عائلة عبيات في منطقة فصايل الوسطى، بأنه "نموذج لسياسة تضييق ممنهجة تستهدف الوجود البدوي هناك، في سياق استهداف ممنهج للبدو في الضفة الغربية للسيطرة على الأراضي". ويقول مليحات: "إن التجمع في فصايل الوسطى كان يضم حتى شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي نحو 10 عائلات، لكن تحت ضغط الاعتداءات المتواصلة اضطر عدد منهم إلى الرحيل، ولم يتبق اليوم سوى عائلة عبيات تقارع المستوطنين وحدها، الأمر الذي يتطلب مساندتها"، مؤكداً أن المستوطنين "يشددون الخناق يومياً على العائلات في التجمعات البدوية عبر سلسلة انتهاكات متكررة، ما يضطرها إلى الرحيل إلى مناطق أخرى أكثر أمناً".
ويوضح مليحات أن "هذه الانتهاكات تبدأ بالاعتداء المباشر على الممتلكات، من اقتحام الأراضي وتخريب المساكن والمزارع، وصولاً إلى حرق المحاصيل أو تدميرها، ما يؤدي إلى فقدان مصادر الرزق وزيادة هشاشة الوضع الاقتصادي للعائلات". ويعمد المستوطنون أيضاً إلى رعي مواشيهم بمحاذاة المنازل، في سلوك يصفه مليحات بأنه "استفزازي ويحمل تهديداً مباشراً للأمن النفسي والجسدي للسكان".
ولا تقف المعاناة عند حدود الخسائر المادية، إذ يشير مليحات إلى ضغوط نفسية واجتماعية متواصلة، تشمل التهديدات والوجود الدائم للمستوطنين في محيط التجمعات البدوية، ما يخلق حالة خوف وقلق مستمرين لدى النساء والأطفال وكبار السن. كذلك تعرضت العائلات لمنع متكرر من الوصول إلى أراضيها الزراعية ومراعيها، الأمر الذي يعمّق عزلتها ويفقدها السيطرة التدريجية على أرضها، ويدفعها إلى الاعتماد على مساعدات خارجية.
ويرى مليحات أن الهدف من هذه الانتهاكات يتجاوز الإزعاج العابر، ليصل إلى "التهجير القسري غير المعلن"، عبر الضغط النفسي والهجمات المتكررة لإجبار السكان على ترك أراضيهم، وهو ما دفع نحو مائتي تجمع بدوي في الضفة الغربية تضم نحو 12 ألف مواطن إلى الرحيل إلى أماكن أكثر أمناً منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى الآن، مشيراً إلى مساعي الاحتلال لتغيير الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية لأجل التوسع الاستيطاني، من خلال السيطرة على الأرض وإضعاف الروابط المجتمعية بين التجمعات البدوية.
وحول سبل المواجهة، يدعو مليحات إلى "تحرك متكامل على عدة مستويات، يبدأ بالتوثيق القانوني والإعلامي لكل انتهاك بالصوت والصورة، وإعداد تقارير مفصلة تُنشر في وسائل الإعلام المحلية والدولية"، مشدداً على أهمية المناصرة للتجمعات البدوية عبر منظمات حقوق الإنسان، واستخدام قنوات الأمم المتحدة لتقديم شكاوى رسمية وطلب تدخل عاجل لحماية السكان.
ويؤكد مليحات ضرورة المسار القانوني، عبر رفع دعاوى ضد الاعتداءات والمطالبة بحماية رسمية تضمن حق العائلات في البقاء على أرضها، إلى جانب تعزيز التضامن المجتمعي من خلال الوجود المستمر في التجمعات ودعم الأنشطة الزراعية والرعوية. ويدعو أيضاً إلى تفعيل الضغط الدولي والسياسي، ونشر تقارير دقيقة عن الانتهاكات، إضافة إلى توعية السكان بحقوقهم القانونية والإنسانية وآليات التعامل السلمي مع الاعتداءات.