عيد الشمال السوري بعد العودة.. تحضيرات تستحضر الذكريات

21 مارس 2025   |  آخر تحديث: 17:33 (توقيت القدس)
سوق مدينة حلب القديمة، شمالي سورية، 2 مارس 2025 (محمود حسنو/رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في الشمال السوري، تعود تقاليد عيد الفطر بقوة بعد سنوات من النزوح، حيث يجتمع الأهالي لتحضير الكعك والمعجنات، مما يعيد البهجة إلى قلوبهم ويجعل العيد مميزًا.

- في مدينة أعزاز، يعيش أحمد الفرا تجربة مؤثرة بشراء ملابس العيد لأطفاله بعد عودته من تركيا، مشيرًا إلى أن العيد يحمل معنى أعمق هذا العام رغم آثار الحرب.

- رغم التحديات، يصر العائدون على إحياء تقاليد العيد، حيث يجتمع الرجال لترميم مسجد قديم، وتلعب النساء دورًا محوريًا في تحضير المأكولات، مما يعكس قوة المرأة السورية.

في قرى الشمال السوري ومدنه، لطالما كانت تحضيرات عيد الفطر تبدأ قبل أيام من حلوله، وهو ما يحاول أهالي الشمال المحافظة عليه. ويبدو العيد المرتقب هذا العام مختلفاً عمّا سبقه ويتمتّع بنكهة خاصة، بعد سنوات من النزوح. فكثيرون هم الذين عادوا ويعودون إلى مناطقهم التي غادروها بسبب الحرب التي طالت، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع ذكريات الماضي وأمل المستقبل.

ومع اقتراب شهر رمضان من نهايته، تجتمع النسوة في بيت الجدة أم مريم الأتاسي في حيّ حلب الجديدة لتحضير الكعك والمعجنات التقليدية. رائحتا القرفة والهيل تملآن المكان، فيما تتداخل أصوات الضحكات مع الحكايات القديمة. وبينما تعجن، تؤكد الجدّة، لـ"العربي الجديد"، أنّ "العيد هذا العام مختلف. فقد عاد أولادي وأحفادي من المخيمات ليقضوا العيد معنا"، مشيرةً إلى أنّ "الفرحة تعود إلى قلوبنا".

من جهة أخرى، يتجوّل أحمد الفرا في أسواق مدينة أعزاز المزدحمة لشراء ملابس العيد لأطفاله. ويقول لـ"العربي الجديد": "لم أكن أتخيّل أن أعود إلى مدينتي وأشتري لأطفالي ملابس العيد من هنا". والفرا كان قد عاد، أخيراً، مع عائلته من تركيا، بعد سنوات قضاها في الغربة، مضيفاً أنّ "العيد يعني لنا أكثر من مجرّد احتفال. هو تذكير بأنّ الحياة تستمرّ رغم كلّ شيء". ويتابع أنّ "الحرب تركت آثاراً لا تمحى، لكنّ العيد هذا العام يحلّ فيما تُروى قصة عن العودة إلى الجذور وعن لقاء الأحبة وعن إعادة بناء ما دمّرته الحرب"، لافتاً إلى أنّه "رغم الدمار، تبقى الابتسامات".

لكنّ العودة ليست سهلة بالنسبة إلى الجميع، لا سيّما أنّ قرى ومدناً كثيرة في الشمال السوري ما زالت تعاني من الدمار فيما البنية التحتية شبه معدومة فيها. رغم ذلك، يصرّ العائدون إلى أنحاء كثيرة من الشمال السوري على إعادة إحياء تقاليد العيد. في قرية صغيرة بريف إدلب الشرقي، يجتمع الرجال لترميم مسجد قديم سيجتمع فيه أهل القرية لأداء صلاة العيد. يقول الشيخ محمود الأسود، الذي قاد جهود الترميم، لـ"العربي الجديد"، إنّ "المسجد ليس مجرّد مكان للصلاة، إنّه رمز لوحدتنا". ويرى الأسود أنّ للعيد هذا العام معنى أعمق، فكثيرون لم يلتقوا منذ سنوات، واللقاءات تحمل الفرح والحزن معاً، مشيراً إلى أنّ "كلّ زيارة في العيد هي قصة، وهكذا يصير العيد أكثر من مجرّد مناسبة دينية؛ هو لحظة لإعادة التواصل مع الجذور".

في حيّ مدمّر في محافظة حلب، يجتمع أطفال حول كرة قديمة ويلعبون بحماسة فيما أصوات ضحكاتهم تملأ الأرجاء، كأنّهم يعيدون رسم البهجة التي فقدتها منطقتهم سنوات. ببراءة، يقول محمد البرّ، البالغ من العمر عشرة أعوام، لـ"العربي الجديد": "هذا أوّل عيد نحتفل به في مدينتنا بعد أن عدنا من المخيم. أخيراً، أشعر أنّ لي بيتاً".

ويجد الأطفال الذين عانوا من ويلات الحرب في العيد فرصة لاستعادة جزء من طفولتهم المسلوبة. الألعاب البسيطة والملابس الجديدة والحلويات التي تعدّها الأمهات، كلها تفاصيل صغيرة لكنّها تعني لهم العالم. والنساء في الشمال السوري يؤدّينَ دوراً محورياً في إعادة إحياء تقاليد العيد، من تحضير المأكولات إلى تجهيز الملابس وتزيين المنازل، في جهود تعكس قوة المرأة السورية وقدرتها على تحويل الألم إلى فرح.

وكما في حيّ حلب الجديدة، كذلك في منزل عائلة كبيرة بريف إدلب، تجتمع النساء لتحضير مأكولات العيد قبل أيام من حلوله. وتقول باسمة السمور لـ"العربي الجديد" إنّ "العيد هو وقت اجتماع العائلة بعد سنوات فراق، وهو وقت للذكريات". تضيف: "نحن نعدّ كعك العيد اليوم لنملأ البيت برائحة الفرح. فالعيد هو رسالة إلى العالم بأنّنا ما زلنا هنا، نحتفل بالحياة رغم كلّ ما واجهناه من ألم".

المساهمون