غزة بلا مواصلات... نزوح قسري على الأقدام

22 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:18 (توقيت القدس)
ينزح الآلاف من مدينة غزة مشياً، 19 سبتمبر 2025 (محمد نصار/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني غزة من أزمة نقل حادة بسبب التصعيد الإسرائيلي، حيث أدى إخلاء بعض المناطق إلى زيادة الطلب على وسائل النقل المحدودة، مما رفع تكاليف النقل بشكل كبير.
- يواجه النازحون صعوبات يومية في التنقل، حيث يضطرون للسير لمسافات طويلة تحت الشمس بسبب ندرة وسائل النقل، مما يزيد من معاناتهم، خاصة الفئات الضعيفة مثل النساء الحوامل والمسنين.
- أزمة النقل تضيف طبقة جديدة من المعاناة النفسية والجسدية للسكان، حيث يضطرون لدفع مبالغ باهظة أو السير لمسافات طويلة في ظل ظروف إنسانية قاسية.

باتت أزمة النقل من التحديات اليومية التي تزيد معاناة النازحين في قطاع غزة، بالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي المتواصل والظروف الإنسانية القاهرة التي يشهدها القطاع، خاصة المناطق التي قرر الاحتلال إخلاءها، ومحيط مراكز الإيواء.
وبعد قرار الاحتلال إخلاء مدينة غزة، أصبحت العربات التي تجرها الدواب، والقليل من الشاحنات المتوفرة منشغلة بالكامل، ويصعب الحصول على أي منها رغم تضاعف الكلفة، في ظل انهيار شبه كامل لشبكة الطرق، وغياب الطرق المعبدة نتيجة تضررها من القصف والتجريف.
وتضاعفت أجرة النقل داخل المناطق المنكوبة عدة مرات لتصل إلى أرقام خيالية، وتتراوح كلفة نقل عائلة واحدة من منطقة مهددة بالإخلاء إلى أخرى أكثر أمناً من ألف إلى ألفي دولار أميركي، وهي مبالغ لا تمتلكها الأسر الفلسطينية التي استنزفت الحرب مواردها ومدخراتها.
ينزح الفلسطيني محمد أبو سعدة من شمال القطاع جنوباً، ويقول لـ"العربي الجديد"، إنه يقطع يومياً مسافات طويلة على قدميه بسبب عدم توفر وسائل نقل، والمتوفر هو مقطورات غير مريحة يمكنها أن توصل متعلقات أسرته إلى محطات بعيدة عن مقصده، وبكلفة تصل إلى خمسة أضعاف الكلفة الطبيعية. ويبين أن "أزمة النقل الخانقة تخلف ضغطاً يومياً هائلاً، وهي لا تقتصر على النزوح، فإذا أردت الذهاب لشراء الطعام، أو نقل المياه فلا تجد مواصلات، وبالتالي يزيد ثقل متعلقاتك وارتفاع درجات الحرارة من المعاناة".
ويشير أبو سعدة إلى تزامن هذه الأزمة مع الظروف القاسية التي تعيشها أسرته داخل خيمة قماشية مهترئة، فيما تنعدم مختلف مقومات الحياة، علاوة على المعاناة من أزمة مالية صعبة بفعل خسارته مصدر دخله الوحيد.
وعلى صعيد المواصلات الداخلية، تبرز أزمات يومية ناتجة عن قلة أعداد السيارات الخاصة، أو العربات التي تجر المقطورات، وانشغال العدد القليل المتوفر منها بإجلاء النازحين إلى وسط القطاع وجنوبه، ما تسبب بتضاعف كلفة مواصلات الأفراد.
يبيع النازح الفلسطيني أشرف الخالدي المنظفات في سوق الزوايدة (وسط)، ويؤكد أنه يجد صعوبة كبيرة في نقل بضاعته إلى البسطة، ما يجبره على حملها، الأمر الذي بات يستنزف وقته وجهده يومياً. ويوضح لـ "العربي الجديد"، أن "أزمة المواصلات تتجلى وجهاً إضافياً للألم لا يقلّ وطأة عن القصف أو فقدان المأوى، فمع موجات النزوح المتكررة من مناطق الإخلاء، نجد أنفسنا عالقين في دوامة من الانتظار، ليس على أبواب الملاجئ فقط، بل على أرصفة الطرق بحثاً عن وسيلة نقل إلى مكان العمل أو السكن".

لا مركبات لنقل الأمتعة، مدينة غزة، 21 سبتمبر 2025 (سعيد جرس/الأناضول)
لا مركبات لنقل الأمتعة، مدينة غزة، 21 سبتمبر 2025 (سعيد جرس/الأناضول)

يضيف الخالدي: "الأزمة تظهر بوضوح أكبر في المناطق التي تشهد وصولاً كثيفاً للنازحين، حيث بات مشهد الاكتظاظ مألوفاً، والطرقات مليئة بالناس والأمتعة، والأطفال الذين لا يعرفون إلى أين تسير خطاهم. في ظل هذا المشهد وهذه الأوضاع، أصبح التنقل على الأقدام هو الخيار الوحيد لآلاف العائلات، التي تضم نساء حوامل، ومسنين، وأطفالاً، ومرضى، والجميع يسيرون لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تزايد حالات الإرهاق، وتدهور الوضع الصحي للعديد من النازحين".
بدوره، يضطر الفلسطيني محمود أبو شعبان إلى نقل طفله يزيد (6 سنوات) إلى النقطة الطبية البعيدة عن مكان خيمته لمتابعة حالته الصحية المتدهورة بفعل سوء التغذية، ما يجعله في مواجهة مباشرة مع أزمة المواصلات الحادة. ويقول لـ "العربي الجديد"، إنه ينتظر طويلاً مرور سيارة أو عربة تجرها دابة، ما يستنزف وقته وجهده، ويعرض طفله لإرهاق إضافي، ويضطر أحياناً إلى المشي حاملاً طفله لمسافات طويلة على أمل مصادفة عربة على المفترقات، وأحياناً يقضي كل الطريق مشياً.

ويبين: "وسائل النقل شبه غائبة في قطاع غزة، وخصوصاً في مناطق النزوح، فالعربات والشاحنات التي كانت بالكاد تلبي حاجات الناس قبل الحرب، أصبحت اليوم منشغلة كلياً بنقل النازحين، ومع ندرتها، ارتفعت الكلفة إلى حد يفوق قدرة أغلب العائلات المنهكة مادياً ونفسياً. يتم استغلال النازحين في لحظات ضعفهم، فتُطلب منهم مبالغ خرافية مقابل بضعة كيلومترات، وأمام غياب البدائل يضطر كثيرون للقبول، ومن لا يملك المال لا يجد أمامه إلا قدميه وسيلة تنقل".
ولا يزيد هذا الواقع المرير الإرهاق الجسدي فقط، بل يضيف طبقة جديدة من المعاناة النفسية، فالمشوار الذي يُفترض أن يستغرق بضع دقائق بالسيارة، يتحول إلى رحلة محفوفة بالخوف والإرهاق، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الإنساني الذي يتسم بانعدام مقومات الحياة الأساسية.

المساهمون