فوضى الدراجات النارية تعمّ سورية... زحام وحوادث

30 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:45 (توقيت القدس)
يناشد السوريون ضبط فوضى الدراجات النارية، نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- انتشار الدراجات النارية في سوريا كوسيلة نقل شعبية بسبب تكلفتها المنخفضة أدى إلى فوضى مرورية وحوادث، خاصة مع قيادتها من قبل قاصرين دون التزام بقواعد المرور وغياب الرقابة.
- تعتبر الدراجات النارية ضرورية للكثيرين في ظل الأزمة المعيشية، لكن غياب التنظيم والرقابة يزيد من صعوبة تتبع المخالفين ومحاسبتهم.
- الحاجة إلى خطة شاملة لتنظيم استخدام الدراجات النارية تشمل تسجيلها إلزامياً، تكثيف التوعية، فرض عقوبات، وتخصيص مسارات آمنة لضمان السلامة.

تشهد المدن والبلدات السورية خلال السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً للدراجات النارية، حتى باتت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، سواء كوسيلة نقل أو مصدر رزق. إلا أن هذا الانتشار تحوّل تدريجياً إلى فوضى مرورية، وسط عجز واضح عن ضبطها، وارتفاع مخاوف المواطنين من الحوادث والضجيج، خصوصاً مع قيادتها من قبل قاصرين يغلب على بعضهم التهوّر.

وصارت الدراجات النارية في معظم المدن والأرياف السورية وسيلة نقل شعبية مفضلة للكثيرين، بسبب انخفاض سعرها وكلفة النقل بواسطتها، ولا يكاد يخلو منزل من دراجة نارية أو أكثر. واللافت أن أغلب هذه الدراجات من دون لوحات، وأحياناً من دون أوراق مُلكية، ويقودها السائقون من دون أي رُخص قيادة أو أي التزام بقواعد المرور أو الخوذة ووسائل الحماية.
ومؤخراً، زادت الشكاوى من الحوادث المرورية التي تتسبب بها هذه الدراجات. يقول أحمد مهنا، وهو من سكان مدينة جبلة، لـ"العربي الجديد": "تحولت الدراجات النارية إلى أزمة حقيقية، وصارت الشوارع الضيقة مضماراً للسباق، إذ يقود الشبّان دراجاتهم بسرعة جنونية، من دون أي حسيب أو رقيب. وفي كل حارة نجد عشرات الدراجات بلا لوحات أو أرقام يمكن تتبّعها".
تبرز المشكلة بشكل أكبر في المناطق التي شهدت تراجعاً كبيراً في دوريات المرور أو الأمن الداخلي، ما جعل عملية ضبط الدراجات غير النظامية شبه مستحيلة. وينتقد عبد الغني العبدو "تهاون الأهالي والجهات الأمنية مع قيادة القاصرين للدراجات النارية، والذين يقودونها بسرعة جنونية وبكل طيش وتهور، وسط غياب الرقابة"، لافتاً لـ"العربي الجديد" إلى أنهم لا يدركون حجم الخطر على أنفسهم أو على الأشخاص ممّن حولهم، ولا يمكن توقع حركاتهم، ويتسببون بالإزعاج في ساعات متأخرة من الليل.
ويضيف العبدو الذي عاد قبل أشهر إلى بلدة الحولة في ريف حمص الشمالي: "أستيقظ أحياناً وسط الليل على صوت الدراجات النارية، وقد ناشدنا تدخل الجهات المعنية أكثر من مرة، لكن تجاوب الأمن الداخلي لم يكن بالمستوى المطلوب، واقتصر على حملة محدودة الأثر". ويلفت إلى أن أحد أقربائه أُصيب بكسر جراء حادث دراجة نارية، وأن بعض السائقين لا يهتمون بضوابط المرور، ويقودون عكس السير، بينما هناك حاجة إلى شرطة مرور في معظم المناطق للتعامل مع هذه الحالات.
في مدينة حمص، أطلق فرع المرور حملة لإخلاء المدينة من الدراجات النارية في أغسطس/ آب الماضي، بهدف ضبط الأمن والحد من الإزعاج والمخالفات المرورية، وتوفير حياة هادئة للسكان، وذلك بعد القرار الذي أصدره محافظ حمص عبد الرحمن الأعمى في مارس/ آذار الماضي، والقاضي بمنع تجول الدراجات النارية ما بين السابعة مساءً والسادسة صباحاً.

يشكو البعض من القيادة المتهورة لليافعين، سورية (العربي الجديد)
يشكو البعض من القيادة المتهورة لليافعين، نوفمبر 2025 (العربي الجديد)

ويشير فايز مصطفى، المقيم في ريف إدلب، إلى أن التهور في قيادة الدراجات النارية شائع في عموم قرى وبلدات المحافظة، ويقول لـ"العربي الجديد": "منذ مدة كنتُ في مدينة إدلب، أنتظر داخل السيارة ريثما تنتهي أعمال صيانتها، قبل أن تصطدم دراجة نارية بسيارتي من الخلف. وإذ برّر سائقها الحادثة بتعطّل الفرامل، تابع طريقه وكأنّ شيئاً لم يكن"، مشدداً على ضرورة التعامل بحزم مع الشبّان الذين ينفّذون حركات بهلوانية بالدراجات النارية، وأولئك الذين يتسابقون ويقومون بممارسات خطرة.
وعلى الرغم من خطورتها، يرى كثيرون في الدراجات النارية خياراً اضطرارياً ووسيلة نقل غير مكلفة في ظل الأزمة المعيشية وتدهور القدرة الشرائية، ولا سيما مع ارتفاع أسعار السيارات ونقص الوقود وغلاء أجرة النقل.
ويقول حسام الرفاعي لـ"العربي الجديد"، وهو عامل توصيل في اللاذقية: "الدراجة النارية مصدر رزقي الوحيد، وأي تشدد تجاهها سيؤدي إلى قطع رزق آلاف العائلات". ويُعرقل هذا الواقع المعيشي المتردّي قدرة السلطات على فرض قيود صارمة، أو على مصادرة الدراجات النارية، نظراً لاعتماد نسبة كبيرة من السكان على هذه الوسيلة مصدراً أساسياً للدخل.
من مدينة بانياس بريف طرطوس، تتحدث خنساء عن تعرض ابنها الأكبر محمد (13 سنة) للدهس أثناء عبوره قرب المدرسة، وتقول لـ"العربي الجديد": "الدراجة النارية التي صدمته كانت بلا لوحة، وقد هرب السائق فوراً، بينما لا يزال محمد يتلقى العلاج منذ أسابيع، ولم يُحاسب أحد".
وعلى الرغم من أن القوانين السورية تفرض تسجيل الدراجات النارية وترخيصها، إلا أن الواقع مختلف كلياً، ولا سيما مع تراخي السلطات خلال فترة الحرب، واقتصار الأمر على بعض الحملات لمصادرة الدراجات المخالفة بين فترة وأخرى. ومؤخراً، أصدرت محافظات عدة قرارات بمنع الدراجات داخل المراكز الحضرية، بينما تُترك بلا رقابة في الضواحي.

ويذكر أحمد جاموس، وهو مُدرّس في ريف إدلب، أنّ نصف الطلاب يصلون بواسطة الدراجات النارية، أغلبهم لا يرتدون الخوذة ولا يتحلّون بالوعي الكافي فيما يخص قواعد المرور، ما يعرّضهم لحوادث مستمرة، مشيراً لـ"العربي الجديد" إلى أن الدراجة النارية تمثل لدى بعض اليافعين والمراهقين وسيلةً للاستعراض ورمزاً للاستقلالية. وفي بعض الأحياء، يقود ذلك إلى تجمّعات ليلية واستعراضات خطرة.
كذلك تتسبّب الدراجات النارية المعدلة أو غير المزوّدة بكواتم صوت بإزعاج كبير، كما يحدث في شوارع ريف دمشق. ويقول فراس حسين، وهو من سكان مدينة حرستا: "بعض الشباب يتعمدون رفع صوت الدراجة، وكأنّها إعلان لقدومهم. والبعض يستعرض من دون أي وعي بالمخاطر، علماً أن الإصابات الناتجة عن الدراجات النارية قد تسبب إعاقات دائمة في بعض الأحيان". ويضيف لـ"العربي الجديد": "لسنا ضد الدراجات النارية، إنما ضد الفوضى. نريد نظاماً يحمي الجميع ولا يقطع الأرزاق". ويقول عبد الرحمن حاج عمر، وهو عنصر سابق بشرطة المرور في اللاذقية، إنّ عدد الدراجات النارية يفوق قدرة أي جهة على ضبطها، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أنّ المطلوب هو "خطة فعلية لتنظيمها عوض الحملات الموسمية". ويقترح إطلاق عملية تسجيل إلزامي منخفض الكلفة من أجل حثّ أصحاب الدراجات النارية على الترخيص، إلى جانب تكثيف حملات التوعية في المدارس وعبر وسائل الإعلام للحد من القيادة المتهوّرة، وفرض عقوبات على المخالفات مثل القيادة من دون لوحات أو خوذة. ويشدد على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية، وتخصيص مسارات آمنة للدراجات النارية.

المساهمون