قطاف الزيتون... موسمٌ على وقع الغارات في القرى الحدودية اللبنانية
استمع إلى الملخص
- تم التنسيق بين البلديات ووزارة الزراعة والجيش اللبناني وقوات "يونيفيل" لدعم المزارعين في ظل المخاطر، حيث تعرضت الحقول لأضرار جسيمة بسبب القصف والتجريف، مما أثر على المحصول السنوي.
- كشفت الدراسات عن خسائر بملايين الدولارات في قطاع الزيتون، مع استمرار الأمل في دعم الدولة والمجتمع الدولي للمزارعين، والتأكيد على أهمية التعويضات لإعادة تأهيل الحقول.
بإصرار مترافق مع قلق وترقب، واصل أهالي القرى الحدودية الجنوبية اللبنانية حصاد ما تبقى من أشجار الزيتون على وقع الغارات والمسيّرات، رافضين الانصياع لشروط الاحتلال الإسرائيلي بمنحهم الإذن المسبق.
بعد عامين من حرمانهم الوصول إلى أراضيهم جراء الحرب الإسرائيلية على لبنان، رفض أصحاب حقول الزيتون في القرى الحدودية الجنوبية الانصياع لمطالب قوات الاحتلال التي تشترط تقديم معلومات مفصّلة قبل السماح لهم بالذهاب إلى كرومهم.
وعلى وقع أصوات المسيّرات والطائرات الحربية المعادية، وعلى مرأى من مواقع الاحتلال المطلة على القرى الأمامية، ثابر مزارعو تلك القرى على حصاد ما تبقّى من أشجار الزيتون، بمواكبة عناصر من الجيش اللبناني ومن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل" الناشطة في الجنوب (ينقسم الجنوب إلى: محافظة الجنوب بأقضيتها صيدا وجزين وصور، ومحافظة النبطية بأقضيتها النبطية وحاصبيا وبنت جبيل ومرجعيون).
وكانت قوات الاحتلال اشترطت على المزارعين تقديم طلب إلى الجيش اللبناني يتضمن اسم صاحب الحقل وصورة عن سيارته، وأسماء الأشخاص الذين سيساعدونه على جني المحصول، وعدد الأيام التي سيمضيها في الحقل، على أن ينسّق الجيش اللبناني بدوره مع قوات "يونيفيل".
يكشف رئيس اتحاد بلديات العرقوب (قضاء حاصبيا، محافظة النبطية، جنوب لبنان) قاسم القادري لـ"العربي الجديد" أنهم تواصلوا مع مخابرات الجيش اللبناني مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، وطلبوا أن تواكب عناصر من الجيش وقوات "يونيفيل" المزارعين الذين ينوون الذهاب إلى أراضيهم، بهدف تأهيلها وتنقيتها وتجهيزها قبل بدء موسم قطاف الزيتون. ويقول: "غير أنهم أبلغونا بضرورة إرسال اسم كل مزارع ومن سيصطحب معه، ومكان الأرض وصورة السيارة. وكان جوابنا باستحالة هذا الأمر، كون قطاف الزيتون يجري عادة بشكل جماعي، حيث يقصد المزارعون ومَن يرافقهم أماكن مختلفة من أراضيهم في يومٍ واحد".
ويشير القادري إلى أنهم حددوا موعداً للذهاب الجماعي إلى أراضيهم تحت إشراف البلديات والمخاتير، وكل على مسؤوليته الخاصة، وذلك بعد أن استحال الحصول على الموافقة. ويضيف: "ذهبنا بالعشرات حتى وصلنا إلى نقاط قريبة من الخط الأزرق (الخط الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة)، حيث حذّرنا جنود من قوات "يونيفيل" وطلبوا منا العودة، لكننا أصررنا على البقاء في حقولنا، وتفقّد أراضينا المحرومين منها منذ أكثر من عامين، وبالتالي استصلاحها والعناية بها واستغلالها".
ويتابع القادري: "مع مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عاودنا الاتصال بالجيش اللبناني ومخابراته وبقوات "يونيفيل"، لكنّهم كرروا الشروط ذاتها. وبدورنا، أصررنا على موقفنا، وأخيراً جرى الاتفاق على تحديد مناطق الزيتون، وإرسال صورة عنها بين الخط الأزرق والقرى المحاذية، وقد حددنا بداية ثلاثة أيام حدّاً أدنى لقطاف الزيتون، ثم أضيف إليها خمسة أيام أخرى".
ويشدد على أنه "لولا الجيش اللبناني وقوات "يونيفيل" لما استطاع الأهالي الوصول إلى أراضيهم، ولما تمكنوا من حصاد الزيتون حتى لو أنّ الموسم ضعيف". ويختم بالقول: "لقد كفلت القوانين والأعراف الدولية حقنا بأراضينا، ونطالب الجهات الرسمية المحلية والدولية، بدعم هذا الحق وصونه والدفاع عنه".
يُذكر أن القرى والبلدات الجنوبية الأمامية والمحاذية للخط الأزرق شهدت خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي اندلعت في أكتوبر 2023، تجريفاً وحرقاً وقصفاً طاول البشر والحجر والشجر، ومن ضمنها بلدات كفر شوبا، المجيدية، الوزاني، كفر كلا، عديسة، الطيبة، حولا، عيترون، ميس الجبل، بنت جبيل، رميش، دبل، وغيرها، وصولاً إلى الناقورة الساحلية (قضاء صور، محافظة الجنوب).
ويوضح رئيس المركز الزراعي في قضاء مرجعيون (محافظة النبطية)، التابع لوزارة الزراعة اللبنانية، فؤاد ونسة، لـ"العربي الجديد"، أن البلديات المعنية بالحقول المحاذية للحدود أخطرت وزارة الزراعة بأسماء المزارعين الذين ينوون قطاف الزيتون، وهي بدورها أبلغت الجيش اللبناني، وجرى التنسيق بين الوزارة والجيش والبلديات وقوات "يونيفيل"، حيث تمت مواكبة المزارعين لقطاف محاصيلهم، إلى جانب اضطلاع الوزارة بتسهيل شراء كميات من زيت الزيتون لصالح الجيش اللبناني".
ويؤكد رئيس بلدية الماري والمجيدية، سلمان أبو العلا، المحاذية لمزارع شبعا وتلال كفر شوبا والغجر المحتلة، لـ"العربي الجديد" أن "رفض إعطاء المعلومات المفصّلة لجيش الاحتلال، كان ينمّ عن قناعة بأن هذه أرضنا وهذا موسمنا الذي نفتخر به، وكما جرت العادة نذهب لقطاف الزيتون بحماس وفرح، ونحن مَن يحدّد اليوم الذي سنبدأ به، والتنسيق يكون مع الجيش اللبناني وقوات "يونيفيل" فقط، وغير ذلك غير مقبول إطلاقاً".
ويشير إلى أن "عناصر من الجيش و"يونيفيل" واكبتهم وساعدتهم في الوصول إلى حقولهم، ورغم ذلك بقيت المخاطرة قائمة، وسط الخشية من استهداف المزارعين أو ترهيبهم". ويتحدث أبو العلا عن تجريف العدو الإسرائيلي لعدد كبير من أشجار الزيتون في الماري والمجيدية، وفي حلتا وكفر شوبا والقرى المجاورة، مؤكداً أن "ما لا يقل عن 30% من الحقول الزراعية، ولا سيّما الزيتون، تعرّضت للحرق والقصف والتجريف، خصوصاً تلك المحاذية للحدود". ويؤكد أن "الوصول إلى تلك الحقول محفوف بالكثير من المخاطر، والمهلة التي أُعطيت للوصول إليها قد انتهت".
ويقول مختار المجيدية طلال الحاج لـ"العربي الجديد": "بلدتنا ملاصقة للسياج الشائك الذي يفصل بين الأراضي اللبنانية والأراضي المحتلة، وقد تعرضت مواسمها لأضرار كبيرة وجسيمة، ولا سيما الزيتون، الذي اضطررنا إلى قطافه بمواكبة الجيش اللبناني و"يونيفيل".
بينما يصرّ أهالي القرى الحدودية على الوصول إلى حقولهم من دون أي شروط مسبقة، يؤكدون لـ"العربي الجديد" حقهم البديهي بتلك الأراضي، بزيتونها وأشجارها المعمرة ومحاصيلها، فهي تختزل تجذّرهم التاريخي، وهم الذين اعتادوا تحويل موسم الزيتون كل عام إلى ما يشبه عرساً أو احتفالاً، يشارك فيه جميع أفراد العائلة، ويترافق مع روايات وذكريات عن الآباء والأجداد الذين غرسوا تلك الأشجار، وصمدوا في أرضهم.
حُرمت أم خالد غانم من الوصول إلى أرضها في منطقة وادي مبارك جنوب كفر شوبا، والتي تبعد أمتاراً قليلة عن الحدود مع مزارع شبعا وتلال كفر شوبا المحتلة. بحسرة، تقول لـ"العربي الجديد": "كان الموسم ضعيفاً جداً، بعد أن أُجبرنا على ترك أرضنا هرباً من الاعتداءات الإسرائيلية. كان أملنا أن نعوّض خسائر عامين من الحرب، خصوصاً أن الزيتون مصدر رزقنا". وتؤكد أم خالد أنه "بفضل الجيش اللبناني وقوات "يونيفيل" وصلنا إلى حقولنا، وتمكنّا من جني ما تبقّى من أشجار، إذ إن قوات الاحتلال جرفت وحرقت الكثير من حقول الزيتون، وقصفتها بالقنابل الفسفورية الحارقة".
وفي راشيا الفخار بقضاء حاصبيا (جنوب)، كانت معصرة أسعد الغريب للزيتون تعجّ بالأهالي في موسم القطاف، لكنها اليوم تستقبل بضعة أشخاص يحملون أكياساً أو أقفاصاً معدودة. ويقول الغريب لـ"العربي الجديد": "الموسم هذا العام ضعيف جداً، جراء الحرب الإسرائيلية المدمرة على مدى أكثر من عامين في القرى الحدودية، والتي هجّرت الأهالي عن أراضيهم وحرمتهم إمكانية تفقدها، حتى إنها طاولت أشجار الزيتون التي تُعتبر المورد الأساسي لسكان هذه المناطق. واليوم، لولا مواكبة الجيش اللبناني وقوات "يونيفيل" لما تمكن الأهالي من قطف محاصيلهم".
يقف مروان عبد الله أمام جرن الزيتون بانتظار عصر محصوله، ويقول لـ"العربي الجديد": "مُنحت فترة محددة للوصول إلى أرضي وجني المحصول، لكنني وجدت أن أكثر من 50 شجرة زيتون تعرضت للاحتراق جراء القصف والغارات الإسرائيلية. طيلة تلك الفترة، لم يسأل عنّا أحد، ومنذ أيام تلقينا اتصالاً من وزارة الزراعة تطلب منّا تعبئة استمارات حول الخسائر من أجل تحديد آلية التعويضات".
يأسف مختار راشيا الفخار، جوزيف مراد، لما آلت إليه الأحوال، وهو أحد الذين خسروا عدداً من أشجار الزيتون بعد أن حرقتها قوات الاحتلال، ويقول لـ"العربي الجديد": "نقطف الزيتون تحت وطأة الخوف والرعب من المسيّرات الإسرائيلية والطائرات الحربية التي تحلّق فوق رؤوسنا"، آملاً أن تلتفت الدولة اللبنانية إلى أوضاع القرى الحدودية، وأن تبادر وزارة الزراعة إلى دعم مزارعي تلك القرى من أجل الثبات في أرضهم وحقولهم.
ويقول المواطن فريد فرحات لـ"العربي الجديد": "لم أستطع جني المحصول العام الماضي، إذ إن أرضي تقع في وادي العصافير، وهي منطقة تعرّضت لقصف مركّز من الطيران الحربي والمدفعيات. وسيطرت قوات الاحتلال على تلك المنطقة في العامين الماضيين، وعلى بلدة الخيام الحدودية عموماً".
وفي دراسة تقييمية حديثة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كشفت النتائج احتراق 814 هكتاراً من الزيتون، بينما بلغت قيمة الخسائر في قطاع الزيتون 237 مليون دولار أميركي، إلى جانب أضرار لحقت بأشجار الزيتون تُقدّر بـ12 مليون دولار. وتكبد قطاع الزراعة في لبنان أضراراً تُقدر بـ 118 مليون دولار، وخسائر بقيمة 586 مليون دولار، تتركز بشكل أساسي في جنوب لبنان والبقاع (شرق).
وكانت وزارة الزراعة قدّرت سابقاً الخسائر في قطاع الزيتون حتى نهاية عام 2024 بأكثر من 236 مليون دولار نتيجة تعطيل حصاد الزيتون وتدمير حقوله، خصوصاً في الجنوب، فضلاً عن فقدان أكثر من 56 ألف شجرة زيتون، من ضمنها أشجار تاريخية يُقدّر عمر بعضها بأكثر من 150 عاماً.