كيف تحوّلت المكيفات إلى قضية وطنية في فرنسا؟

21 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:30 (توقيت القدس)
هرباً من الحر الشديد في باريس، 10 يوليو 2026 (بهروز مهري/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- موجات الحر في فرنسا كشفت عن ضعف الحماية من الحرارة في 48% من المساكن، مما أثر على الأحياء الشعبية ودفع الحكومة لتخصيص 100 مليون يورو لتجهيز المؤسسات الصحية بمعدات التبريد.
- المستشفيات والمؤسسات العامة غير مستعدة لمواجهة ارتفاع الحرارة، مما أثر على سلامة الأدوية والمرضى، ودفع الحكومة لمحاولة توفير 30 ألف مكيف محمول، رغم نقص الأجهزة في السوق.
- الطلب على المكيفات ارتفع بشكل كبير، حيث بيع 160 ألف مكيف، لكن الحصول عليها يبقى صعباً للأسر في الأحياء الشعبية، مما يبرز الحاجة لتحسين العزل والتهوية.

صارت المكيفات في فرنسا قضية جوهرية ومادة دسمة للدعاية الانتخابية والجدل السياسي، بعد موجات الحر الاستثنائية الأخيرة، حيث كشفت الدراسات أنّ 48% من المساكن لا توفّر حماية كافية من الحر، فيما ترتفع المعاناة في الأحياء الشعبية.

تحوّلت المكيفات خلال أسابيع قليلة في فرنسا إلى موضوع محوري في النقاش العام، بعدما كشفت موجات الحر المتلاحقة عجزَ مستشفياتٍ ومدارس ودور مسنّين عن حماية مَن فيها، وجعلت البقاء في كثيرٍ من البيوت سيّئة العزل أمراً شاقاً، وربما خطراً على صحة ساكنيها. ومع نفاد الأجهزة من كثير من متاجر الإلكترونيات، وإعلان الحكومة خطة لتوفير عشرات الآلاف منها، امتدّ النقاش من استخدام المكيف في البيوت إلى دوره في حماية المرضى والمسنّين والأطفال داخل المؤسسات العامة، في حين ما يزال أثر استخدامه على البيئة موضع خلاف.

ولا تُعَدّ المكيفات جزءاً مألوفاً من تجهيز البيوت أو المباني العامة في فرنسا، كما في البلدان الأوروبية الباردة بشكل عام. فقد صُمّم قسم كبير من هذه المباني للاحتفاظ بالدفء شتاءً، لا لتخفيف وطأة الصيف. وحتى عام 2023، لم تكن أجهزة التكييف موجودة سوى في 18% من المساكن الفرنسية، قبل أن ترتفع النسبة إلى 24% عام 2025. كما يحتاج تركيب مكيّف ثابت في المباني ذات المُلكية المشتركة إلى موافقة باقي المالكين، وقد يتطلّب تصريحاً من البلدية، إذا استدعى وضع وحدة خارجية على الواجهة.

وتكشف المستشفيات بصورة خاصة نقص الاستعداد للحر في بلادٍ توالت عليها منذ نهاية مايو/أيار الماضي ثلاث موجات استثنائية من القيظ، وسجّلت في يونيو/حزيران المنقضي أشدّ أيامها حراً منذ بدء قياسات المناخ عام 1947. فقد تجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية في بعض أقسام مستشفى ليل شمالي البلاد، ما اضطرّ العاملين إلى التخلص من أدويةٍ بعد أن تجاوزت الحرارة الحدود المسموح بها لحفظ تلك الأدوية. وفي صالات قسم الولادة بمستشفى غرونوبل في جنوب شرقي البلاد، وصلت الحرارة إلى 36 درجة، في زيادة بأكثر من 16 درجة مئوية عن المطلوب في أقسام طبية كهذه. أما في مستشفى مدينة فان في غرب فرنسا، فقد اضطرّت عائلة رضيعة لا يتجاوز عمرها عشرة أيام إلى البحث بنفسها عن مكيّف، واستعارته من أحد معارفها، بعد أن بلغت درجة حرارة الغرفة التي كانت ترقد فيها الرضيعة 35 درجة مئوية، حيث كانت الأخيرة تُعالَج من التهاب السحايا الفيروسي.

الصورة
يلهث الفرنسيون خلف وسيلة للتبريد، باريس، 2 يوليو 2026 (أنيس لين/ Getty)
يلهث الفرنسيون خلف وسيلة للتبريد، باريس، 2 يوليو 2026 (أنيس لين/ Getty)

وأمام تكرّر هذه الوقائع، حاولت الحكومة الفرنسية احتواء الانتقادات بإعلانها في نهاية يونيو تخصيص 100 مليون يورو لتجهيز المستشفيات ودور المسنّين والمؤسسات الصحية لمواجهة موجات القيظ. وتشمل المخصّصات تنفيذ إصلاحات في المباني وتركيب وسائل لحجب الشمس ومعدات للتبريد، إلى جانب خطة لتوفير 30 ألف مكيّف محمول. ورغم حاجة المستشفيات العاجلة، لم يتجاوز عدد الأجهزة التي وفّرتها السلطات حتى الآن 7500 جهاز، فيما وعدت بمضاعفة العدد خلال أيام وبإتمام الخطة قبل نهاية يوليو/تموز الجاري. غير أنّ الرقم المعلَن لم يكن يمثل مكيّفات جاهزة للتوزيع، إذ طُلب من المؤسسات نفسها البحث عمّا تجده لدى المورّدين، على أن تعوّضها الدولة لاحقاً عمّا دفعته، ما جعل حصول المستشفيات ودور المسنّين على الأجهزة مرتبطاً بتوافرها في سوقٍ تعاني أصلاً نقصاً حادّاً.

وفي هذا السياق، تحوّل وصول دفعات محدودة من المكيفات إلى المؤسسات الصحية والعامة إلى أخبارٍ تتابعها الصحافة المحلية كما لو كانت أحداثاً استثنائية. فبعد واقعة الرضيعة، تابعت صحف إقليم بروتاني (شمال غرب) تسلّم مستشفى فان 28 مكيّفاً، في حين قال مسؤولوه إنّهم ما زالوا ينتظرون 80 جهازاً إضافياً. وفي مستشفى لانغر شرقي البلاد، أثار وصول 20 جهازاً فقط انتقادات العاملين، لأنّ الكمية غير قادرة على تغطية احتياجات مؤسّستهم وتبريد صالاتها الواسعة. كما خصّصت صحيفة محلية في إقليم أوت سون (شرق) تقريراً حول تركيب أربعة مكيّفات محمولة في دارٍ تضمّ 30 مسنّاً. وفي ظلّ محدودية هذه الدفعات، طرح مركز الشراء الخاص بالمؤسسات الصحية (ريزاه) مناقصة منفصلة لشراء ما يصل إلى 100 ألف مكيّف محمول، لكنّ تسليمها لن يبدأ قبل أسابيع، وقد لا يصل كثير منها قبل الخريف المقبل.

كما منح النقص الشديد في المكيفات بعض السياسيين فرصة لجعل تجهيز المؤسسات العامة بالمكيفات مناسبة للدعاية. فقد نظّم لوران فوكييه، الرئيس السابق لمنطقة أوفيرني رون ألب، وأحد وجوه حزب "الجمهوريون" اليميني، زيارة إلى مستشفى مدينة فيين (جنوب شرق) لتسليم ثلاثة مكيّفات فقط إلى قسم الطوارئ، أمام عدسات الكاميرات. وفي المقابل، كشف النائب اليميني ورئيس قسم الطوارئ في مستشفى جورج بومبيدو في باريس، فيليب جوفان، عن تدخله شخصياً للمساعدة في العثور على 300 مكيّف استطاعت هيئة مستشفيات باريس اقتناءها من إحدى الشركات لتوزيعها بين مستشفياتها وفق الحاجة.

وفيما كانت المؤسسات العامة تبحث عمّا تحتاج إليه، ارتفع طلب عموم الفرنسيين على المكيفات إلى مستوى لم تكن متاجر الأجهزة المنزلية مستعدة له. ففي الفترة ما بين 15 و28 يونيو وحدها، بِيع نحو 160 ألف مكيّف في فرنسا، وفق بيانات شركة "نيلسن آي كيو". وبحلول 26 يونيو، كانت سلسلة "دارتي" قد باعت كلّ المكيفات التي طلبتها لموسم الصيف، معلنةً تواصلها مع مصنّعين ومورّدين لتوفير كميات إضافية خلال الأسابيع المقبلة. وبلغ الأمر ذروته في مطلع يوليو الجاري، عندما طرحت سلسلة "ليدل" الألمانية 200 ألف مكيّف ومروحة وجهاز تبريد في متاجرها الفرنسية. إذ اصطفّ الزبائن قبل فتح الأبواب بساعات، ووقعت مشادّات وحالات تدافع في فروع عدّة، فيما تدخلت الشرطة في نانتير غربي باريس، بعد تضرّر مدخل المتجر، في مشاهد انتشرت مقاطعها على نطاقٍ واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

غير أن التزوّد بالمكيفات، رغم اتّساع الإقبال عليها، يظلّ بعيداً عن متناول كثير من الأسر، ولا سيّما تلك التي تعيش في المساكن الأشدّ تعرضاً للقيظ. ففي دراسة نشرتها "مؤسسة الإسكان للفئات الأقل حظاً" منتصف يونيو الماضي، أظهرت البيانات أنّ 48% من المساكن الفرنسية لا توفّر حماية كافية من الحر. وترتفع المعاناة في الأحياء الشعبية، إذ يقول نحو 60% من سكانها إنّهم يعانون ارتفاع درجات الحرارة في بيوتهم. وتفتقر مساكن كثيرة في هذه الأحياء إلى العزل الجيد وإمكانية التهوية، فضلاً عن وقوعها وسط مناطق كثيفة البناء وقليلة الأشجار، فيما لا يستطيع المستأجرون إلزام مالكي البيوت بتنفيذ أعمال عزل أو توفير مكيّفات ثابتة ووسائل للحماية من الشمس.

وبذلك، تخرج مسألة التأقلم مع الحر من نطاق الخيارات الشخصية لتصبح قضيةً تتّصل بقواعد الإعمار وحقوق المستأجرين، وبمسؤولية المالكين والسلطات من أجل تهيئة المساكن لمواجهة الحر، وعدم ترك الأمر امتيازاً يقتصر على مَن يستطيعون شراء مكيّف.