لبنان: إسرائيل رشّت مبيد الأعشاب "غليفوسات" فوق قرى جنوبية وتحرّك على أكثر من مستوى

05 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 16:18 (توقيت القدس)
من دورية لقوات يونيفيل والجيش اللبناني في جنوب لبنان، 8 يناير 2026 (ربيع ضاهر/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قامت الطائرات الإسرائيلية برش مبيد "غليفوسات" فوق قرى جنوب لبنان، مما أضر بالغطاء النباتي والإنتاج الزراعي، وأدانت وزارتا الزراعة والبيئة هذا العمل العدائي.
- تنفذ الفرق اللبنانية مسوحات لتحديد مدى التلوث، وتعمل الدولة على إعداد ملف لتقديمه دولياً لمواجهة الاعتداء البيئي.
- أشارت "يونيفيل" إلى أن النشاط الجوي الإسرائيلي ينتهك قرار مجلس الأمن 1701، وأكدت وزارة الزراعة على أهمية التعاون الدولي لتقييم الأضرار وإعادة تأهيل القطاع الزراعي.

أظهرت تحقيقات لبنانية أنّ المواد الكيميائية التي رشّتها طائرات إسرائيلية فوق عددٍ من قرى جنوبي لبنان الحدودية هي المبيد العشبي "غليفوسات"، الذي يضرّ بالغطاء النباتي في المناطق المستهدفة مع تداعيات مباشرة على الإنتاج الزراعي وخصوبة التربة والتوازن البيئي.

وبيّنت نتائج التحاليل المخبرية التي أجرتها فرق فنية لبنانية مختصة، بعد أعمال كشف ميداني وجمع عيّنات من المواقع المتأثّرة في جنوب لبنان، والتي انتهت أمس الأربعاء وقد أعلنتها وزارتا الزراعة والبيئة اللبنانيّتَين، أنّ ثمّة عيّنات تحوي على نسب من "غليفوسات" يراوح تركّزها ما بين 20 ضعفاً و30 مقارنةً بالنسب المعتادة.

وأفادت وزارتا الزراعة والبيئة بأنّ "رشّ مواد كيميائية من طائرات عسكرية فوق الأراضي اللبنانية يشكّل عملاً عدائياً خطراً يهدّد الأمن الغذائي، ويعرّض الموارد الطبيعية لأضرار جسيمة، ويضرب سبل عيش المزارعين، فضلاً عمّا يحمله من مخاطر صحية وبيئية محتملة قد تطاول المياه والتربة والسلسلة الغذائية". وإذ أدانت الوزارتان "هذا الاعتداء الإجرامي"، حمّلتا "العدو الإسرائيلي كامل المسؤولية عن الأضرار البيئية والزراعية والصحية الناتجة منه".

وتواصل الفرق المختصة في لبنان تنفيذ مسوحات ميدانية موسّعة تشمل التربة والمياه والنبات، بهدف إعداد خريطة دقيقة للمناطق المتضرّرة من رشّ إسرائيل مبيد الأعشاب "غليفوسات"، وتقدير مستويات التلوّث به، تمهيداً لاتّخاذ الإجراءات الوقائية العاجلة ووضع التوصيات اللازمة لحماية السكان والمزارعين.

وبيّنت وزارتا الزراعة والبيئة أنّ "الدولة اللبنانية سوف تواجه هذا الاعتداء البيئي والزراعي بإجراءات دبلوماسية وقانونية دفاعاً عن حقّ اللبنانيين في أرضهم وفي مواجهة الإبادة البيئية التي ينتهجها العدوّ الإسرائيلي".

وأوضحت مصادر في وزارة الزراعة اللبنانية لـ"العربي الجديد" أنّ العمل الخاص بمسألة رشّ إسرائيل مبيد الأعشاب "غليفوسات" فوق قرى جنوبية "لم ينتهِ بعد، وثمّة نتائج سوف تصدر تباعاً". أضافت أنّ "التدقيق سوف يشمل خصوصاً الأراضي والمزروعات التي تضرّرت، مع إرشادات سوف توزَّع على المواطنين والمزارعين لمعرفة كيفية التعاطي مع الموضوع، إلى جانب تحديد المساحات التي أتت عليها المواد (الكيميائية) والأضرار الناجمة عنها".

وأشارت المصادر نفسها إلى أنّه "بموازاة العمل الميداني والتواصل المرتقب مع المزارعين والمواطنين، ثمّة تحرّك دبلوماسي متوقّع بهدف إدانة هذه الجريمة البيئية، دولياً. وسوف يكون تقرير يشمل هذا الاعتداء والاعتداءات الكثيرة التي طاولت الأراضي الزراعية في لبنان، والتي تهدف إلى إحداث إبادة بيئية منذ بدء الحرب الإسرائيلية وتستمرّ حتى اليوم".

من جهته، كان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد أدان، أمس الأربعاء، بـ"أشدّ العبارات"، قيام الطائرات الإسرائيلية برشّ مبيدات سامّة على الأراضي والبساتين في عدد من القرى الجنوبية الحدودية. وطلب عون من وزارة الخارجية والمغتربين في لبنان إعداد ملفّ موثّق، بالتعاون مع وزارات الزراعة والبيئة والصحة العامة، تمهيداً لاتّخاذ كلّ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة لمواجهة هذا العدوان، وتقديم الشكاوى إلى المحافل الدولية ذات الصلة.

وكانت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) المكلفة حفظ السلام في الجنوب قد أعلنت، يوم الاثنين الماضي، أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي أبلغها، يوم الأحد، بأنّه سوف ينفذ نشاطاً جوياً لإسقاط مادة كيميائية غير سامة، وفقاً لمزاعمه، فوق مناطق في حنوب لبنان قريبة من الخط الأزرق، طالباً من قوات حفظ السلام البقاء بعيداً وتحت أمكنة مسقوفة، الأمر الذي أجبرها على إلغاء أكثر من عشرة أنشطة.

وشدّدت "يونيفيل" على أنّ هذا النشاط غير مقبول ومخالف لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، مشيرةً إلى أنّ الإجراءات المتعمدة والمخطّط لها من قبل جيش الاحتلال لم تحدّ من قدرة قوات حفظ السلام على القيام بالأنشطة الموكلة إليها فحسب، بل من المحتمل كذلك أن تعرّض صحتهم وصحة المدنيين للخطر.

يُذكر أنّ وزارة الزراعة اللبنانية كانت قد أحالت على وزارة الخارجية والمغتربين، في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) حول الأضرار الزراعية الناتجة عن العدوان الإسرائيلي على لبنان خلال عامَي 2023 و2024.

وقال وزير الزراعة نزار هاني، في حوار شامل مع "العربي الجديد"، إنّ الاعتداءات الإسرائيلية تُعَدّ من التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي اللبناني، إذ إنّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة كبّدت القطاع خسائر فادحة، تُقدَّر بنحو 172 مليون دولار أميركي للأضرار، وتصل إلى 800 مليون دولار في حال احتساب الخسائر كلها. ولفت هاني إلى خطة أُطلقت لتقييم حجم الأضرار وإعادة تأهيل القطاع الزراعي، وذلك بالتعاون مع منظمة فاو، إلى جانب المجلس الوطني للبحوث العلمية، تمتدّ على ثلاث سنوات.

تجدر الإشارة إلى أنّ مبيد الأعشاب "غليفوسات" الذي ظهر للمرّة الأولى في الولايات المتحدة الأميركية، في عام 1974، يُستخدَم للقضاء على الأعشاب الضارّة، غير أنّ له تأثيرات سلبية على المياه والتربة والمزروعات التي تتعرّض له، خصوصاً في حال تكرّر رشّ هذه المادة الكيميائية في موقع معيّن. كذلك أشارت دراسات إلى أضرار على الإنسان، من بينها أمراض مزمنة واضطرابات في الصحة النفسية. وفي دراسة نشرتها دورية "إنفيرومنتال هيلث بيرسبكتفز" المتخصّصة في الصحة البيئية في عام 2023، على سبيل المثال، تبيّن أنّ في إمكان مبيدات الأعشاب، ولا سيّما "غليفوسات"، أن تؤثّر بالفعل في الأطفال، ولا سيّما المراهقين من بينهم، على صعيد صحتهم النفسية.