لبنان: غارات "الظلام الأبدي" بلسان ناجين

10 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 02:06 (توقيت القدس)
صدمة لا توصف في بيروت، 9 إبريل 2026 (محمد سلمان)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شنت إسرائيل غارات مكثفة على بيروت وضواحيها تحت اسم "الظلام الأبدي"، مما أدى إلى مقتل 203 أشخاص وإصابة ألف آخرين، وتسبب في حالة من الذعر والفوضى بين السكان.
- تروي نور نصر تجربتها خلال الغارات، حيث كانت ترافق أطفالاً في متحف بيت بيروت، مشيرة إلى أهمية التماسك والتضامن رغم الخوف والصدمة.
- يعبر سكان بيروت عن صدمتهم وقلقهم من الغارات، مثل فاطمة إبراهيم وسهى حبش، ويتمنون انتهاء الكابوس وعودة السلام إلى لبنان.

يعجز سكان بيروت وضواحيها عن وصف هول الغارات الإسرائيلية التي نُفّذت الأربعاء تحت اسم "الظلام الأبدي"، وكأنّ مشاعرهم تجمّدت، فيما بقيت ذاكرتهم عالقة وسط الرعب والضياع.

أحدثت الغارات الإسرائيلية التي طاولت العاصمة اللبنانية وضواحيها ومحافظات البقاع والجنوب وجبل لبنان يوم الأربعاء، وأودت بحياة أكثر من 203 أشخاص وتسببت بجرح ألف آخرين وفق وزارة الصحة اللبنانية، حالة من الذعر والفوضى بين صفوف اللبنانيين، أشبه بوقوع زلزالٍ مدوٍّ أطاح بالأبنية والمنازل ودمّر الأسقف فوق رؤوسهم في وقت قياسي. وخلال عشر دقائق فقط، غطّى الدخان الأسود سماء بيروت، أول من أمس الأربعاء، بفعل أكثر من 100 غارة إسرائيلية، فيما عجز كثيرون عن التمييز بين ما إذا كانت هذه غارات أم جدار صوت أم عصف انفجار جديد.

وفيما تتواصل أعمال رفع الأنقاض في مختلف المناطق اللبنانية التي استهدفها الطيران الحربي الإسرائيلي بشكل متزامن، والتي أودت بحياة 203 شهداء وسجّلت أكثر من ألف جريح حتى أمس الخميس، ما زال المواطنون تحت وقع الصدمة، بينما رفض كثيرون منهم التعليق، مكتفين بالقول لـ"العربي الجديد": "لا كلام يُذكر فيما جثث أحبائنا وجيراننا تحت الأنقاض".

حين اجتاحت الغارات الإسرائيلية أرجاء العاصمة تحت اسم عملية "الظلام الأبدي"، كانت الشابة نور نصر ترافق مجموعة من الأطفال في جولة على متحف بيت بيروت بمنطقة السوديكو، وهي التي تعمل في معرض "ألو بيروت" ضمن المتحف. وتقول لـ"العربي الجديد": "في تلك اللحظة، لم يكن من السهل وصف ذلك الشعور، كان مزيجاً من الصدمة والخوف، يترافق مع إحساس عالٍ بالمسؤولية، كوني كنتُ أرافق مجموعة من ستة أطفال، خمسة منهم نازحون يقيمون في مركز إيواء قريب".

الصورة
بحثاً عن مكان آمن بعد الغارات العنيفة على بيروت، 9 إبريل 2026 (محمد سلمان)
بحثاً عن مكان آمن بعد الغارات العنيفة على بيروت، 9 إبريل 2026 (محمد سلمان)

وتشير إلى أنهم كانوا في جولة داخل غرفة "مفاتيح بلا بيوت"، قبل أن تقصد المكتب لإحضار بعض المحارم الورقية، فكان أن دوّى صوت الانفجار الأول فور فتح الباب. وتضيف نور: "في البداية، ظننتُ أنه جدار صوت عابر، لكنه سرعان ما تكرّر واشتدّ. في غضون لحظاتٍ، تصاعد صراخ الأطفال في الطبقة الأرضية، وبدأ بعضهم بالبكاء. لم يكن هناك متّسع للخوف، بل لردّة الفعل. عدتُ مسرعةً إليهم، ونزلنا جميعاً إلى الطبقة السفلى، حيث تجمّعنا في مكان اعتبرناه أكثر أماناً. هناك حاولتُ رفقة المتخصّصين الاجتماعيين تهدئة الأطفال، وتقديم الماء إليهم، ريثما تتضح الصورة".

وتشير نور "إلى أن الخوف كان حاضراً بلا شك، لكن الشعور بضرورة التماسك وبقائنا بعضنا إلى جانب بعضنا الآخر كان هو الطاغي. هذا الإحساس تعزّز أكثر مع بدء مغادرة بعض الأشخاص، إذ بدا وكأن نظرات الجميع تختزن ما يعجزون عن قوله". وتختم نور بالقول: "غير أن الصورة التي علقت في ذاكرتي كانت لطفلةٍ لا يتجاوز عمرها ثلاثة أعوام. اعتدنا أن نراها كثيرة الحركة، مليئة بالحيوية، لكنها في تلك اللحظة لم تبكِ ولم تصرخ، بل اكتفت بإغلاق أذنَيها بيديها، في مشهدٍ صامت اختصر حجم الخوف، هذه الصورة ما تزال تلازمني".

تقول فاطمة إبراهيم، المقيمة في منطقة الرحاب في الضاحية الجنوبية لبيروت، إن وقع الضربات المحاذية كان صادماً، وتضيف لـ"العربي الجديد" أنها للوهلة الأولى ظنّتْ أنه جدار صوت، ثم توالت الغارات الإسرائيلية، بينما كانت تحضّر الطعام في المطبخ، فتوجّهتْ مباشرةً إلى غرفة الجلوس لتفقّد طفلَيها. وتتابع: "لم أستطع التفكير بما إذا كان علينا الخروج من المنزل أو البقاء فيه. لم يعد هناك مكان نشعر فيه بالأمان، لا تحت سقف المنزل ولا خارجه". وكانت إبراهيم قد نزحت سابقاً مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى منطقة تلة الخياط في بيروت، قبل أن تعود إلى منزلها قبل نحو أسبوع. وتقول: "النزوح صعب جداً، ولا يمكن الاعتياد عليه. لذلك، لن أغادر منزلي رغم المخاطر الأمنية".

أما الشابة سهى حبش التي تعمل في مجال المحاسبة بمنطقة كورنيش المزرعة في بيروت، فقد عاشت لحظات من الرعب، إذ كانت على بُعد أمتار قليلة من موقع الغارة، فيما كان والدها في منزل العائلة في وطى المصيطبة (بيروت)، أيضاً على مقربة من الغارة الإسرائيلية. وتروي حبش لـ"العربي الجديد": "كنا نظن أننا بمأمن، لكن البقاء في بيروت بات خطراً. سننتقل موقتاً إلى منزلنا في بلدة زرعون (جبل لبنان)، ريثما تتضح الأمور، علماً أن مغادرة والدي للمنزل لم تكن سهلة، ولا سيّما مع اقتراب الاحتفال بعيد الفصح على التقويم الشرقي، الذي اعتدنا أن نقضيه في بيروت"، مشيرةً إلى أن "البيت بالنسبة إليه، يُعادل الروح".

خسرت أسمهان صفي الدين، الأربعاء، منزلها في حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، والذي كانت قد شيّدته فوق منزل أهل زوجها، وتعرّض كذلك لأضرار خلال الحرب الإسرائيلية السابقة على لبنان عام 2024. وتقول لـ"العربي الجديد": "جسدياً أنا بخير، لقد نجونا. لم يكن هناك أحد في المنزل لحظة الاستهداف. أما الشعور الذي أعيشه فهو أشبه بالتجمّد. منذ وقوع الغارات الإسرائيلية أجلس وأراقب، لا أقوى على تناول الطعام، ولا على فعل أي شيء. لكن الأهم أن أطفالي بخير". تقيم صفي الدين حالياً في منزل أحد أقاربها، فيما تواصل البحث عن منزل في مكان أكثر أماناً، قبل أن تضيف ساخرةً: "هل بات هناك مكان آمن؟".

يعيش الشاب جاد اللبّان في منزل عائلته بمنطقة المصيطبة في العاصمة، حيث طاولت الغارات محيط المنطقة. كان حينها أثناء دوام عمله بمطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، فسارع إلى المنزل خوفاً على والدَيه. ويقول لـ"العربي الجديد": "إنّ تنفيذ الضربات الإسرائيلية من دون إنذار مسبق يُعدّ تطوراً خطيراً في منطقة كانت تُعتبر آمنة. يمكن في أيّ لحظة أن نكون في عداد الشهداء أو الجرحى، فهؤلاء المصابون هم من أبناء المنطقة والجيران". ويكشف أنه يفكّر بالانتقال مع والدَيه إلى أي مكان خارج بيروت، خشية تكرار الغارات بهذا الجنون، على حدّ تعبيره، متابعاً: "صحيح أن الأوضاع الاقتصادية صعبة، لكن لا خيار لنا سوى محاولة حماية أنفسنا من الإجرام الإسرائيلي". 

وتقول جمال أبو عمو، المقيمة في منطقة كورنيش المزرعة مع والدتها المسنّة، إنها كانت في عملها الإداري في مستشفى المقاصد، القريب أيضاً من موقع الغارات في بيروت. وتضيف لـ"العربي الجديد": "لم أستوعب حجم الجرحى الذين وصلوا إلى المستشفى، فيما كان القلق الأكبر على والدتي التي عاشت حروباً عدة في لبنان ولا تستطيع الحركة بسبب وضعها الصحي".

وترى أبو عمو أن "الغارات الإسرائيلية أول من أمس كانت الأقوى والأشد عنفاً"، مشيرةً إلى أن "الخطر بات يحيط بنا، ولا سيّما مع تنفيذ الضربات من دون إنذارات مسبقة، ما يعني أنه لم يعد هناك مكان آمن. لذلك، من الأفضل أن نبقى في منزلنا، إذ لا يمكن لوالدتي الخروج في مثل هذه الظروف، ومن الصعب نقل مسنّة في وضع مماثل". وتتمنى أبو عمو أن يزول الخطر عن الجميع، وأن يكون وقف إطلاق النار قريباً. وتختم بالقول: "مشهد الأربعاء لا يمكن تصديقه، كان مرعباً جداً. لا أعرف كيف يمكننا حماية صحتنا النفسية في حربٍ كهذه، لا حدود لإجرامها".