استمع إلى الملخص
- انتشرت المبادرات إلى مدن أخرى مثل برج الكيفان، بدعم من سيدة أعمال، لتعزيز ثقافة الفن في الفضاء العام وتحسين البيئة البصرية.
- تعزز هذه التحولات الشعور بالانتماء والمشاركة، وتعيد التوازن في الفضاء العام، مما يحسن الحالة النفسية للسكان ويشجع السلوك الإيجابي.
برزت في الجزائر في الآونة الأخيرة مبادرات ملهمة أطلقها شباب من مدينة تيارت غربي البلاد، لتلوين الأحياء بألوان مختلفة تغيّر وجه المدينة وتعيد إليها النسق العمراني الجميل. وقد دفعت هذه الخطوة التي انتشرت عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بالعديد من شباب الأحياء في مدنٍ أخرى إلى إطلاق مبادرات مماثلة تجعل من أحيائهم مرآة تعكس تاريخهم وثقافتهم وتعبّر عن طموحاتهم وأحلامهم.
وتحت شعار "مدينتنا لوحة" أطلق الشاب محمد محوز من ولاية تيارت بالتعاون مع أصدقائه مبادرة تنظيف أحياء مدن عدة في المنطقة وتزيينها، بعدما كانت عبارة عن مناطق عمرانية تعجّ بالمباني السكنية وتفتقر إلى الحياة. بدأت الفكرة من تلوين جدران شارع وسط مدينة تيارت المعروف محليّاً باسم "الطلعة". يقول محوز لـ"العربي الجديد" إنّ "هذه المبادرة تتجاوز حدود الحملة الفنية أو تزيين الجدران وطلائها، حيث إنّها بمثابة دعوة للتغيير تهدف إلى استعادة الجزائريين مُلكية مدنهم وروحيّتها".
وإذ يشيد بجهود شباب ولاية تيارت الذين أثبتوا أن لا حدود للإرادة والهمّة العالية، يدعو محوز شباب الجزائر إلى تحسين مظهر مدنهم ورفع مكانتها، ويؤكد أن "كل مبادرة، مهما كانت صغيرة، يمكن أن تسهم في الوصول إلى تغيير جمالي للمكان الذي يعيش فيه المواطن، فمن الممكن تجديد واجهات المباني بألوان مشرقة تُضفي الحياة على كل مكان، فضلاً عن غرس الأشجار".
وترمي هذه المبادرة إلى تحويل الشوارع والجدران والسلالم في العديد من الأحياء إلى لوحات فنية مفتوحة، بل أكثر من ذلك، إلى متاحف بصرية يمكن للزائر أن يزورها في أي وقت، ومن دون حواجز، على غرار لوحات رسمها الفنان أحمد حمداني، بحيث تعكس الألوان رسائل عديدة يمكن تفسيرها بحسب المكان والمدينة. وغالباً ما تُعطي هذه الألوان الروح للأمكنة وتُحيي قلوب السكان بعدما افتقدوا نكهة الحياة النابضة، خصوصاً الشوارع التي غزاها الإسمنت أو النفايات المنزلية، وتفتقد من ثم الأشجار.
واعتمدت بعض المجموعات الشبابية على مشاركة الفنانين والرسامين في هذه المبادرة، ما عزّز فكرة تغيير الأمكنة من جماد إلى مساحاتٍ تنبض بالفرح والجمال. وتخلّل المبادرة كذلك تنظيم فعاليات للتواصل مع السكان والفنانين والجمعيات على مستوى الأحياء، وحثّهم على المشاركة في تنفيذ الأفكار المبتكرة والخلاقة على أرض الواقع، وفي إطلاق العنان لرسوماتٍ تعكس هوية كل مدينة. وبذلك، خلقت المبادرة روحاً إيجابية لدى السكان المحليين الذين انخرطوا في أنشطتها وفعالياتها.
قبل مدينة تيارت، شهدت بلدة برج الكيفان شرق العاصمة مبادرة مهمّة، حيث تحوّل الشارع الرئيسي الذي يمرّ عبره ترامواي إلى شارع نموذجي، بعدما تبنّت سيدة أعمال تمويل كلّ الأعمال الفنية وطلاء كل جدران الشارع وتزيينها بالرسوم والحروف والورود وغيرها. واللافت أن المبادرة آخذة بالتوسع إلى أكثر من منطقة ومدينة جزائرية، حيث يعتبر عضو "جمعية القراءة والفن" في ولاية ميلة شمال شرقي البلاد، كريم حسيني، أن مثل هذه المبادرات تحتاج إلى الاستمرارية والمتابعة، وتحفيز الأطفال والمواهب الشابة إلى الانخراط في العمل المجتمعي التشاركي.
ويشير لـ"العربي الجديد" إلى أن مثل هذه الحملات تستهدف ترميم الأمكنة، خصوصاً إن كانت في المدن القديمة أو الأحياء السكنية القديمة، فضلاً عن تحسين البيئة بصريّاً. كما تسهم هذه المبادرات، وفق قوله، بترسيخ ثقافة الفن في الفضاء العام وتحسين الأذواق، حيث إنّ الرسم والفن عموماً ليسا أسير المعارض الفنية، بل هو مُلك الجميع، يمكن الوصول إليه في كل مكان.
دبّت الحياة ضمن أحياء عدّة في المدن الجزائرية بعد أن كانت توصف بـ"مدن الآجر الأحمر" نتيجة المباني المتراصّة التي تفتقر إلى التنسيق المعماري، وغالباً ما تكون متلاصقة ومتشابهة، ومن دون أي ألوان، أو حتى طلاء خارجي. لقد ساهمت الألوان وزرع الأشجار وإقامة الحدائق الصغيرة وتنظيم الفضاءات داخل الأحياء السكنية في تحقيق تغييرٍ كاملٍ للمشهد والصورة العامة، حيث تحوّلت بعض الجدران المبنية من الخرسانة والآجر الأحمر إلى لوحات فنية، وهكذا حال السلالم والممرّات المهجورة التي تحوّلت إلى متاحف بصرية تحتفل بأسماءٍ حَمَلتها الشوارع وصارت بطاقة تعريفية عنها، مثلما هي الحال في حي بكور الشعبي وسط الجزائر العاصمة، والذي حمل اسم الشهيد محمد بلوزداد.
وتعزّز مبادرات تزيين المدن والأحياء الجزائرية وتلوينها الشعور بالانتماء والمشاركة المجتمعية بين الأوساط الشبابية والسكان على اختلاف فئاتهم ومستوياتهم الاجتماعية، كما تعيد إليها التوازن والإحساس بالدور الحيوي للفرد في الحفاظ على الفضاء العام، وتحيي نبض الحياة في زوايا المدن والأحياء، وتساهم بتحسين جودة الحياة، فضلاً عن تحفيز الروح الجماعية.
ودفعت هذه التحولات والمبادرات المجتمعية إلى البحث عن تفسيرات اجتماعية لمبادرات تنظيف الأحياء وتلوين الجدران وإعادة تشكيل الواجهات، حيث تؤكد أستاذة علم الاجتماع بجامعة البليدة، وهيبة فنطاس لـ"العربي الجديد"، أن "الأبنية ليست مجرد مواد لتشكيل حيّز ما، إنما تعكس هوية المدن وثقافتها. وينعكس ذلك على الهوية الاجتماعية للمدينة، حيث إن الأحياء والمدن في الجزائر ظلّت تعاني ممّا يُسمّى بالفراغ الجمالي للعمارة والحي السكني، ما رسّخ فكرة أن المدينة مكان للعيش فقط وليس للحياة، وخلق بيئة تفتقر إلى الجمال والألوان، وتؤثر على الحالة النفسية للسكان".
وتتابع: "هذا النوع من المبادرات جاء ليغيّر المفهوم، ويعيد تشجيع السلوك الإيجابي والاعتناء بالمكان الذي يقضي فيه الفرد حياته، ويسهم بالتالي في زيادة منسوب الراحة النفسية والتفاعل الإيجابي مع المحيط، عوض الشعور بالاختناق والضغط الذي يسببه المكان" .