استمع إلى الملخص
- رغم جهود وزارة الإسكان والتعمير لتشكيل لجنة مشتركة لحصر الأسر المتضررة، يشعر السكان بالإحباط بسبب عدم تنفيذ الحلول، واتهام الحكومة بالمماطلة وتفضيل مشاريع استثمارية أخرى.
- يعاني السكان من مخاطر صحية بسبب التصدعات وتسرب المياه، ويطالبون بحلول تضمن نقلهم إلى مناطق مجاورة للحفاظ على النسيج الاجتماعي.
لا يزال سكان أحياء وسط العاصمة الليبية طرابلس يواجهون أزمة مساكنهم الآيلة للسقوط، في مشهد يتكرر فيه القلق مع كل موسم أمطار، بينما تكررت الشكاوى من دون حلول جذرية تضع حداً لمعاناة تمتد على مدار أكثر من عقد.
وبحسب بيانات بلدية طرابلس المركز، فإن نحو 125 منزلاً في أحياء بلخير والمسيرة الكبرى وشارع شوقي مهددة بالانهيار، ويحتاج بعضها إلى إخلاء فوري وإزالة كاملة، ثم إعادة بناء من جديد. وتؤكد البلدية أن فرقها الفنية أجرت عمليات تقييم ميدانية للمباني القديمة، وتوصلت إلى أن عدداً منها غير صالح للسكن، ويشكل خطراً مباشراً على قاطنيها وعلى المارة، وأنها طالبت وزارة الإسكان والتعمير في حكومة الوحدة الوطنية بتوفير سكن بديل للأسر المتضررة، تجنباً لوقوع أية كوارث.
بدورها، كثفت وزارة الإسكان والتعمير اجتماعاتها حول هذا الملف خلال الأشهر الماضية، ففي 20 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت الوزارة تشكيل لجنة مشتركة مع جهاز تطوير مدينة طرابلس وشركة الأشغال العامة، تتولى حصر الأسر المقيمة في المباني الآيلة للسقوط، وإعداد تقرير فني نهائي يُرفع إلى الوزارة لاعتماده، قبل إحالته إلى رئاسة مجلس الوزراء، بهدف الوصول إلى حلول تضمن سلامة المواطنين.
وفي 11 أغسطس/آب الماضي، قالت الوزارة إن مسؤوليها عقدوا اجتماعات مع جهاز تطوير مدينة طرابلس لمناقشة أحدث تقارير الحصر والتقييم، واستعراض الخطط المقترحة لمعالجة أوضاع المباني المتهالكة وفق معايير السلامة العامة.
غير أن هذه التحركات الرسمية لم تبدد مخاوف السكان، بل زادت من إحباط كثيرين منهم. ويرى صلاح طريش، وهو أحد سكان حي بلخير، أن الإعلان المتكرر عن لجان واجتماعات من دون تنفيذ فعلي على الأرض يعكس استمرار المماطلة الحكومية.
ويقول طريش لـ"العربي الجديد": "معاناة الأهالي تعود إلى عام 2012، عندما صدر أول تقرير رسمي من بلدية طرابلس يؤكد عدم صلاحية عدد من هذه المساكن للعيش، لكن شيئاً لم يتغير منذ ذلك الوقت، سوى ازدياد التشققات واتساع رقعة الخطر. المباني المهددة بالسقوط لا تقتصر على الأحياء التي ذكرتها البلدية، بل تشمل أيضاً أحياء الظهرة وعمر المختار وميدان الشهداء، حيث يعيش السكان في منازل متصدعة وسط غياب أية بدائل حقيقية".
ويتساءل بمرارة: "أين نذهب؟"، مشيراً إلى ما يعتبره "ازدواجية في تعامل الحكومة مع الملف، فالسلطات سارعت قبل عامين إلى تعويض سكان حي قرقاش قبل إخلائهم عندما أتيحت فرصة استثمارية وسياحية في المنطقة، وبدأت فوراً أعمال الإعمار، بينما تُترك أحياء وسط العاصمة، وهي أحياء قديمة ومكتظة، لمصيرها كونها لا تمثل فرصة استثمارية مغرية".
الشعور نفسه تتقاسمه ليلى سلطان، وهي أحد سكان حي الظهرة، والتي تؤكد أن التصدعات في بعض المباني واضحة وخطيرة، ووصلت في حالات عدة إلى الأساسات نتيجة استمرار تسرب المياه من خزانات الأسطح، أو من أنابيب الصرف الصحي المتهالكة.
وتوضح سلطان لـ"العربي الجديد"، أن "الخطر لا يكمن فقط في احتمالات الانهيار المفاجئ، بل أيضاً في الأضرار الصحية التي تلحق بالسكان، خصوصا الأطفال وكبار السن، والناتجة عن الرطوبة داخل تلك المنازل".
من زاوية فنية، يوضح المهندس السابق بمكتب الإسكان في بلدية طرابلس، مجدي الأمين، أن استمرار إهمال هذه المباني يضاعف احتمالات الانهيار، ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "التسرب المستمر للمياه يؤدي إلى تآكل الخرسانة وحديد التسليح، ما يفقد المباني القدرة على التحمل، وأن تعامل وزارة الإسكان ببطء قد يعود أحياناً إلى أسباب فنية وقانونية معقدة، من بينها تشابك الملكيات العقارية، وغياب مستندات رسمية لبعض المباني القديمة، إضافة إلى الحاجة لإعداد دراسات تفصيلية قبل أي تدخل تفادياً لاتخاذ قرارات قد تخلق نزاعات قانونية جديدة".
ويلفت الأمين إلى أن هذه الأسباب لا تقنع الكثير من السكان، مشيراً إلى أنهم "لا يرفضون الحلول، لكنهم يرفضون الانتقال إلى مناطق أخرى بعيدة، ويطلبون نقلهم إلى المناطق المجاورة، وأن يتم ذلك بعدل يحفظ النسيج والروابط الاجتماعية".