ليبيا تنطلق في عمليات التخلّص الآمن من النفايات الطبية
استمع إلى الملخص
- في بنغازي، تعمل الحكومة على تحسين إدارة النفايات الطبية بالتعاون مع شركات استشارية، مستفيدة من تجارب دول مجاورة لتطوير برامج تدريبية وتعزيز جاهزية المنشآت الصحية.
- التحدي الأكبر هو غياب نظام معالجة متكامل، حيث تعتمد الطرق الحالية على الحرق غير الفعال. يشدد الخبراء على تحسين عمليات الفرز والتخزين وتدريب الطواقم الطبية.
لطالما صُنّفت النفايات الطبية قضيّة شائكة في الدول التي تشهد أزمات، من بينها ليبيا. فتراكم هذه النفايات وعدم التخلّص منها بالطرق الآمنة يمثّلان مخاطر كبرى ليس على الصحة العامة فحسب إنّما كذلك على البيئة.
تشهد ليبيا حراكاً حكومياً حثيثاً للتعامل مع قضية النفايات الطبية في البلاد، التي تُعَدّ واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً على الصعيدَين الصحي والبيئي، وذلك من خلال التخلّص الآمن منها، بعدما تراكمت لسنوات في ظلّ ضعف كبير في المنظومة الصحية. وتتزايد المخاطر الناجمة عن الأساليب العشوائية في التعامل مع هذه النفايات، ولا سيّما الأدوات الملوّثة والأدوية منتهية الصلاحية والمعدّات المعطّلة التي صارت تمثّل تهديداً مباشراً للبيئة والصحة العامة على حدّ سواء.
وأعلنت وزارة الصحة في حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا أنّها بدأت بتنفيذ خطة وطنية للتخلّص الآمن من الأدوية والمستلزمات والمعدّات الطبية منتهية الصلاحية، بالعاصمة طرابلس. وأشارت إلى أنّ العملية انطلقت، بالفعل، من مستشفى الهضبة الخضراء العام، وذلك تحت إشراف لجنة مكلفة من الوزارة وبالتعاون مع الشركة الليبية للاستثمار وتشغيل المرافق الصحية. وذكرت الوزارة، في بيان أصدرته في هذا الخصوص، أنّه في إطار المرحلة الأولى، نُقلت تسع حاويات ضخمة تضمّ أدوية منتهية ومستلزمات ومعدّات معطّلة تراكمت منذ عام 2014 نُقلت إلى مخازن الشركة، تمهيداً لمعالجتها وفقاً للمعايير الدولية والاشتراطات البيئية والصحية المعتمدة. أضافت أنّ عمليات النقل والمعالجة سوف تتواصل بطريقة منظّمة في خلال الفترة المقبلة، وأنّ الخطة تشمل كلّ المرافق الصحية والمستشفيات في مختلف أنحاء البلاد.
وفي بنغازي شرقي ليبيا، تسير الحكومة المكلّفة من مجلس النواب في الاتّجاه نفسه، فقد عقدت وزارة الصحة في منتصف أغسطس/ آب الماضي اجتماعاً موسّعاً بحثت في خلاله آفاق التعاون مع شركة استشارية متخصّصة في إدارة النفايات الطبية، بحضور القائمين على قسم النفايات الطبية لدى الوزارة وممثّلين عن شركات دولية. ووفقاً لما أفادت به الوزارة، فقد استُعرضت في خلال الاجتماع تجارب الشركات في الدول المجاورة، إلى جانب إعلان استعدادها لنقل خبراتها وتقنياتها إلى ليبيا من خلال حلول متكاملة لتطوير البنية التحتية الصحية، بالإضافة إلى دعم برامج التدريب والتأهيل للكوادر الطبية والفنية بما يعزّز جاهزية المنشآت الصحية وقدرتها على إدارة النفايات الخطرة بطريقة أكثر أمناً وكفاءة.
وتأتي هذه التحرّكات في وقت تتزايد فيه التحذيرات من خطورة الوضع القائم، وتتزايد شكاوى المواطنين من انتشار مكبّات عشوائية للنفايات الطبية في ضواحي المدن، عدد منها يحتوي على أدوات جراحية ملوّثة وضمادات ودماء وأكياس سوائل طبية وأدوية تالفة، الأمر الذي يجعل البيئة عرضة للتلوّث ويحوّل مناطق سكنية إلى بؤر محتملة لانتشار العدوى.
ووفقاً لتقارير حكومية من طرابلس، فإنّ كمية النفايات الطبية في ليبيا قد تصل إلى خمسة آلاف طنّ سنوياً، إلا أنّ المسؤول في الهيئة العامة للبيئة عيسى غريبي لا يرى أنّ الكميات لا تُعَدّ مهمّة "في حال توفّر نظام معالجة سليم. لكنّ المشكلة هي عندما تغيب المنظومة القادرة على التعامل مع هذه الكميات". ويوضح غريبي لـ"العربي الجديد" أنّ "محارق النفايات الطبية المتوفّرة في المرافق الصحية لا تعمل بالمواصفات المطلوبة تقنياً، من قبيل درجات الحرارة الضرورية للتخلّص الكامل من الملوّثات الخطرة. بالتالي ينتج عن ذلك انبعاث مركّبات شديدة السمية إلى الهواء المحيط". يضيف أنّ "هذا القصور التقني" يجعل كلّ طرق التخلّص "تعتمد على الحرق وحده، الأمر الذي يستوجب توفّر منظومة متكاملة تبدأ منذ لحظة خروج النفايات من مواقعها، مروراً بفرزها وتغليفها وفقاً للمعايير الدولية، وصولاً إلى نقلها في مركبات مخصّصة، ومعالجتها بتقنيات متطوّرة وبحلول معتمدة عالمياً".
ويفيد المسؤول في الهيئة العامة للبيئة بأنّ عدم توفّر معلومات دقيقة حول حجم النفايات الطبية وأنواعها "يزيد من تعقيد الصورة، لأنّ الجهات المنفّذة لا تستطيع التخطيط لمعالجة مشكلة مجهولة الحجم، خصوصاً مع التوسّع العشوائي في عدد من المراكز والعيادات الصحية الخاصة، التي لا تلزمها أيّ جهة رقابية راهناً بإجراءات الإدارة السليمة للنفايات، الأمر الذي يجعل الضغط أكبر على المؤسسات الرسمية". ويلفت غريبي إلى أنّ أحد أسباب تفاقم الأزمة في السنوات الماضية هو "توقّف الصيانة الدورية عن مرافق كثيرة وغياب الدعم المالي لتجديد المعدّات، الأمر الذي جعل النفايات الطبية تتراكم بصورة تفوق قدرة الأنظمة المعطّلة على التعامل معها". وعلى الرغم من إشادته بالخطوات الحكومية الأخيرة، يشدّد غريبي على "أهمية الاستمرار بها وتوسيعها لتشمل المراكز الصحية الخاصة كذلك".
من جهته، يتحدّث الأستاذ في علم الأمراض فتح الله أبو عزة إلى "العربي الجديد" عن جانب آخر من أزمة النفايات الطبية في ليبيا، يتعلّق بتأثيراتها على صحة الإنسان والبيئة المحيطة. ويوضح أنّ "طرق طمر النفايات الطبية عشوائياً في الأراضي المفتوحة أو المكبّات غير المؤهّلة تؤدّي إلى تسرّب السوائل والمواد الكيميائية إلى التربة وبالتالي إلى المياه الجوفية التي يستخدمها الانسان في الشرب والزراعة". ويرى أبو عزة أنّ "تبرير المراكز الطبية اللجوء إلى عمليات الطمر العشوائي في غياب الإمكانات أو نقصها "غير مقبول نهائياً". بالنسبة إليه، "في إمكان تلك المراكز، حتى مع ضعف الإمكانات، التقليل من المخاطر عبر فرز النفايات من المصدر، وتخزينها مؤقتاً بصورة آمنة، ثمّ نقلها إلى مرفق صحي يمتلك وسائل معالجة مناسبة"، مؤكداً بقوله "غير صحيح أنّ المراكز كلّها لا تملك الإمكانات للتخلّص من النفايات الطبية الصغيرة، مثل الحقن والضمادات أو الكمامات".
ويتابع أبو عزة أنّ نقل النفايات الطبية الى المكبّات العامة "طريقة أخرى غير آمنة، إذ من شأن ذلك أن يُفتح بابٌ خطر كبير على الصحة في حال دخلت هذه النفايات في عمليات التدوير"، مشدّداً على أنّ "المواد الطبية شديدة التلويث تطلق سلسلة جديدة من المخاطر الصحية". ويبيّن الأستاذ في علم الأمراض أنّ "ثمّة ضرورة لموازاة خطط الحكومات، وإطلاق دورات تدريب للطواقم الطبية والفنية في التعامل مع النفايات الطبية الخطرة، إذ لا بدّ من أن تكون عمليات التدريب جزءاً أساسياً من أيّ خطة حكومية للحدّ من تفشي الأمراض بين المواطنين نتيجة أيّ إهمال أو خطأ ينتج عن عدم دراسة وخبرة".