ليبيا... مناشدات للحدّ من مخاطر الكلاب الشاردة عقب وفاة طفلة
استمع إلى الملخص
- أطلقت السلطات في بنغازي حملة لمكافحة الكلاب الشاردة، تضمنت دوريات ميدانية، لكن الناشطين انتقدوا هذه الجهود كحلول مؤقتة. وزارة الحكم المحلي في طرابلس أعلنت عن خطة استراتيجية وطنية لمكافحة الكلاب.
- يعاني أهالي بنغازي من ضغوط نفسية واقتصادية، مما يؤثر على حماية الأطفال. يشير الأكاديمي خليل العيادي إلى أن الأمان مسؤولية تشاركية، مؤكداً الحاجة إلى رؤية شاملة وشفافية أكبر في معالجة القضايا الأمنية.
أثارت حادثة وفاة طفلة نتيجة تعرّضها لهجوم من الكلاب الشاردة بمدينة بنغازي، غضباً بين الأهالي والناشطين في ليبيا، وسط مطالبات بحلول جذرية تعيد الاعتبار لمفهوم الحيّ الآمن من أجل حماية الطفولة واستقرار المجتمع.
ساد سخط شعبي واسع في مدينة بنغازي شرقي ليبيا، عقب وفاة الطفلة مكة المجبري نتيجة تعرّضها لهجوم من الكلاب الشاردة (السائبة). وكان عُثر على جثمان ابنة السنوات الثلاث بعد ساعات من الإبلاغ عن فقدانها، ما فاقم مخاوف الأهالي بشأن سلامة أطفالهم في الأحياء السكنية، وجدّد التساؤلات حول دور السلطات في توفير الأمن والأمان.
وبحسب شهادة حاتم المسماري، أحد سكان حي القوارشة غربي بنغازي، فإنّ الطفلة اعتادت الخروج للّعب مع أطفال الحيّ، غير أن غيابها لوقت طويل دفع أسرتها إلى البحث عنها، ونشر بلاغ بفقدانها عبر صفحات التواصل الاجتماعي. ويقول المسماري لـ"العربي الجديد": "عندما عثرت العائلة على جثمان الطفلة كانت آثار عضّات الكلاب واضحة على جسدها".
وأثارت حادثة الطفلة مكة موجة استياء عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ ناشد أهالي بنغازي السلطات بضرورة معالجة مشكلة الكلاب الشاردة التي تعجّ بها الأحياء السكنية، مؤكدين أن إشكالية عضّ الكلاب للأطفال تكررت أكثر من مرة، من دون أي حلول جذرية واضحة من قبل الأجهزة الأمنية وبلدية بنغازي.
وعلى خلفية الحادثة، أعلن كلّ من جهاز الأمن الداخلي وجهاز الحرس البلدي، السبت الماضي، إطلاق حملة لمكافحة الكلاب الشاردة داخل نطاق المدينة، عبر عشرين دورية ميدانية، واتخاذ إجراءات عاجلة للحد من انتشارها، وذلك عقب اجتماع رسمي ضمّ مسؤولين في وزارة الحكم المحلي وجهاز الحرس البلدي. وأكد بيان صادر عن جهاز الحرس البلدي أنّ الخطوة جاءت استجابة لمخاوف المواطنين، وتهدف إلى تعزيز السلامة العامة.
وفي الوقت نفسه، انتقد ناشطون إجراءات السلطات المحلية في بنغازي، معتبرين أنها "ردات فعل"، و"إجراءات وقتية تنتهي بعد مرور يوم أو يومين"، وطالبوا بأن تكون هذه الإجراءات جزءاً من خطة وقائية مستدامة.
بدورها، أعلنت وزارة الحكم المحلي في حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، اتخاذ خطوات مماثلة لمعالجة إشكالية الكلاب الشاردة من خلال إعداد "الخطة الاستراتيجية الوطنية للوقاية من داء الكلب ومكافحة الكلاب الشاردة"، إضافة إلى اعتماد نهج "الصحة الواحدة" بوصفه إطار عمل استراتيجي لكل الإجراءات المستقبلية، من أجل ضمان شمولية النتائج وحماية المنظومة البيئية والصحية. وأشارت الوزارة إلى أهمية التنسيق بين الجهات البيئية والصحية والبلدية، والعمل وفق مقاربة وقائية تهدف إلى حماية المواطنين، في ظل تكرار الحوادث المرتبطة بالكلاب الشاردة في عدد من المدن.
وعبّر عدد من أهالي أحياء بنغازي عن مخاوفهم تجاه سلامة أطفالهم، إذ حذّرت ربّة المنزل منى بوشاله، الأمهات والآباء من ترك أطفالهم خارج المنزل من دون رقابة ومتابعة، وذكرت أن طفلاً من معارفها تعرّض لعضة كلب، وبذل أهله جهداً للعثور على الأمصال اللازمة. وأكدت بوشاله لـ"العربي الجديد" أن بقاء الأطفال في المنازل صار ضرورياً على الرغم من ضيق المنازل وقلة البدائل، خصوصاً في الأحياء الجانبية التي لا تتوفر فيها الحدائق والفضاءات العامة، إذ إن مخاطر الكلاب باتت جزءاً من الحياة اليومية، وليست استثناءً".
ويرى الأكاديمي وأستاذ علم الاجتماع، خليل العيادي، أن الأسر في بنغازي تعيش سياقاً اجتماعياً مختلفاً منذ سنوات. ويضيف لـ"العربي الجديد": "يُعدّ لعب الأطفال في محيط المنزل سلوكاً اجتماعياً طبيعياً وصحياً، لكن عندما تغيب البيئة الحاضنة يفقد الطفل أمانه، وهنا يجب التنبيه إلى أن الأسرة هي خط الدفاع الأول عن الطفل، قبل أن نوجه اللوم كاملاً إلى أي جهة حكومية. لكن ممّا لا شك فيه أن قدرة الأسر على الحماية تضعف عندما يكون الحيّ غير آمن، بالإضافة إلى ما تعانيه من ضغوط نفسية واقتصادية". ويتابع: "عندها، يصبح من الظلم تحميل الأسرة وحدها مسؤولية حماية الأطفال، لأن مفهوم الحيّ الآمن مسؤولية تشاركية، تتحمّل فيها السلطات العبء الأكبر عبر التنظيم والرقابة وتوفير الخدمات الأساسية".
ويشير العيادي إلى أن أهالي بنغازي مرّوا خلال السنوات الأخيرة بمخاطر متعاقبة، بدأت بعد انتهاء العمليات العسكرية، حين اضطرت عائلات كثيرة إلى العودة لمنازلها وسط مخلّفات الحرب، وما شكّلته من تهديد مباشر للأطفال. ويشير إلى أن شعور الخوف ساد حينها بين الأهالي، وتفاقم مع الضغوط المعيشية الحادة، ما أثّر على استقرارهم النفسي".
ويستشهد العيادي بحوادث عمّقت الإحساس بعدم الأمان، من بينها العثور على المواطن حسن الزوي مقتولاً رفقة أطفاله في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وهي واقعة لا تزال ملابساتها غامضة، معتبراً أن غياب الشفافية في مثل هذه القضايا لا يهدد الأمن فقط، بل يضرب الطمأنينة النفسية للأسر. ويخلص إلى أن تراكم عوامل عدّة يخلق بيئة ضاغطة تهدد الصحة النفسية للأطفال والأسر، مشدداً على أن معالجة إشكاليات المجتمع لا تقتصر على حلول جزئية أو حملات مؤقتة، بل تتطلب رؤية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الحيّ الآمن، بوصفه شرطاً أساسياً لحماية الطفولة واستقرار المجتمع.