استمع إلى الملخص
- تم تعديل قانون الطفل المصري لتشديد العقوبات على جرائم الاعتداء الجنسي، مع إلزام المؤسسات التعليمية بتطبيق معايير أمان صارمة، وتوسيع صلاحيات المجلس القومي للطفولة والأمومة كآلية رقابية.
- تعبر الأسر عن مخاوفها من تزايد الحوادث، مما يدفعها لتوعية الأطفال بحقوقهم وأهمية الإبلاغ عن المضايقات، مع التأكيد على دور الدراما في تعزيز الوعي المجتمعي.
يسلّط تكرار جرائم التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال داخل المدارس في مصر الضوء على تحوّل المدرسة من مساحة آمنة للتلاميذ إلى مساحة خطرة يتعرضون داخلها للعنف والأخطار.
شهدت إحدى المدارس الدولية الخاصة في مصر، خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقائع صادمة تمثلت في اعتداء جنسي على عدد من التلاميذ، ليتقدم أهالي 5 أطفال ببلاغات إلى النيابة العامة، قبل أن يرتفع عدد الضحايا إلى 14 تلميذاً.
وأحالت محكمة جنايات الإسكندرية، الثلاثاء الماضي، أوراق العامل المتهم بالاعتداء جنسياً على تلاميذ مرحلة رياض الأطفال، إلى مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه بعدما أثارت الواقعة موجة واسعة من الغضب والقلق بين أولياء التلاميذ، خصوصاً أنها وقعت بعد أشهر قليلة من الحكم على مسؤول في مدرسة بمحافظة البحيرة (شمال)، بالسجن لمدة 10 سنوات، لاعتدائه جنسياً على تلميذ بالمرحلة الابتدائية.
ودفعت الحادثة أسباب كثيرين إلى طرح تساؤلات حول دور المدرسة، ومسؤولية الإدارة، وآليات الرقابة، وكيفية حماية الأطفال نفسياً وسلوكياً من أي اعتداء قد يهدّد طفولتهم، أو يترك آثاراً سلبية يصعب محوها، كما أعادت تأكيد أهمية أن يتحول الحديث عن حماية الطفل من مجرد ردة فعل في أوقات الأزمات، إلى منظومة وقاية شاملة، تشارك فيها المدرسة والأسرة وبقية الجهات المعنية.
في إبريل/نيسان الماضي، شهد قانون الطفل المصري تعديلات جوهرية تهدف إلى تعزيز حماية الأطفال من جميع أشكال العنف والاستغلال، ونصت التعديلات على تشديد العقوبات ضد جرائم الاعتداء الجنسي والاتجار بالأطفال، وإلزام المؤسسات التعليمية والصحية بتطبيق معايير صارمة لضمان بيئة آمنة، إضافة إلى توسيع صلاحيات المجلس القومي للطفولة والأمومة ليعمل كآلية وطنية مستقلة للرقابة والتدخل السريع عبر خط نجدة الطفل.
ويؤكد عضو المجلس القومي للطفولة والأمومة (حكومي)، نور أسامة، أن المجلس يعمل على حماية الأطفال، ويتحرك فور تقديم بلاغات للحفاظ على حقوقهم، ومن ثم تقديم الدعم النفسي لهم، ويوضح في تصريحات صحافية، أنه "لا يمكن التهاون في اتخاذ الإجراءات والقرارات اللازمة لضمان أمن وسلامة الأطفال، ويمكن للكافة التواصل مع خط نجدة الطفل في أي وقت، للإبلاغ عن أي انتهاك أو اشتباه في تعرّض أي طفل للخطر".
طفل من بين كل ثمانية أطفال حول العالم يتعرض لاعتداء جنسي، وتساؤلات حول أدوار آليات الرقابة في حماية أطفال مصر نفسياً وسلوكياً
من جانبها، تعرب منال عز الدين، وهي معلمة وأم لطفلتين، عن مخاوفها إزاء تزايد حوادث الاعتداء على الأطفال، ما يدفعها إلى اصطحاب ابنتيها إلى المدرسة لضمان حمايتهما، موضحة لـ"العربي الجديد"، أنها لا تسمح لهما بالبقاء مع أي شخص باستثناء جدتيهما، كما تحرص على توعيتهما بعدم السماح لأحد بلمسهما أو الاقتراب منهما بشكل غير مناسب، وأنها تحدّثت مع ابنتها الكبرى عن الحوادث الأخيرة لتعزيز وعيها، مطالبة بفرض عقوبات رادعة تصل إلى الإعدام لكبح هذه الجرائم.
وتؤكد رقية عبد الحميد، وهي صيدلانية وأم لثلاثة أطفال، أنها تتعامل مع جميع أسئلة أبنائها، وتحرص على الإجابة من دون ربط الفضول بالذنب، مشددة على ضرورة خلق مساحة يومية للحوار مع الأطفال، وتعليمهم حق الرفض من دون الحاجة إلى تبرير، وتوضيح أن أجسادهم ملك لهم، وعرض فيديوهات تعليمية عليهم، وإقناعهم بأهمية الإبلاغ عن أي إزعاج يتعرضون له.
وتوضح عبد الحميد لـ"العربي الجديد": "أراقب المؤشرات الخطرة، مثل الخوف غير الطبيعي، وتغيّر السلوك، كما أعلمهم السلوك الآمن، مثل الاستحمام المنفصل، وغلق الأبواب، وعدم خلع الملابس أمام الآخرين. أي اعتداء على طفل هو جريمة كبرى، وينبغي تشديد العقوبات لردع المعتدين".
بدوره، يؤكد محمد سليم، وهو موظف وأب لطفلين، أنه يعيش حالة قلق مستمرة، ويرافق طفليه إلى الدروس، وإلى النادي، حيث يمارسان رياضة الكاراتيه وسيلةً إضافية للحماية، ويستمع يومياً إلى تفاصيل يومهما بعد العودة إلى المنزل، ويطلب من والدتهما تفتيش ملابس المدرسة والحقائب للاطمئنان، ويضيف: "الجرائم المتكررة تعكس غياب القيم، وإذا تعرض أحد طفلَيَّ للتحرش، فلن أنتظر الإجراءات القانونية بل سأتصرف بنفسي".
ويشير المهندس إيهاب عز الدين، إلى أن "علاج قضية التحرش بالأطفال يحتاج إلى رقابة وتوعية مستمرة من الأسرة، ولا شكّ أن تقليص دور المساجد وتهميش المدارس أسهما في انتشار سلوكيات منحرفة، فالمعتدي يسعى إلى السيطرة على الشخص الأضعف، وليس مجرد مريض نفسي كما يروج البعض، ويجب متابعة الأطفال، ورصد أي مؤثرات خارجية قد تهدد سلوكهم".
وللوقوف على حجم الظاهرة؛ يقول استشاري الطب النفسي، صبحي زردق، إن طفلاً من كل ثمانية أطفال حول العالم يتعرض لاعتداء جنسي بحسب تقارير الأمم المتحدة، وينبه إلى أبرز العلامات التي تشير إلى تعرض الطفل للاعتداء، وأهمها الانعزال، والخوف غير المبرر، بينما تشمل الأعراض الجسدية التهابات المسالك البولية، أو إصابات في الأعضاء التناسلية، بينما يشمل التأثير النفسي القلق، أو الاكتئاب، أو فقدان الثقة بالآخرين، أو الشعور بالذنب، أو أفكار إيذاء النفس.
ويوضح زردق لـ"العربي الجديد": "المعتدي غالباً شخص موثوق به، وربما يكون من العائلة أو الأصدقاء، والطفل الضحية لن يصبح بالضرورة معتدياً، وكلا الطرفين يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي، وعلينا زيادة وعي الوالدين والطفل، ومراقبة الأشخاص المحيطين، وتعليم الطفل مبادئ الخصوصية منذ الصغر، وتشجيعه على الإفصاح، واللجوء إلى المتخصّصين عند الحاجة. يميل المجتمع إلى إنكار جرائم الاستغلال الجنسي، أو التقليل من خطورتها، بينما العلاج يحتاج إلى تضافر جهود جهات إنفاذ القانون مع المتخصّصين في الصحة النفسية، مع التركيز على العلاج النفسي السلوكي لمعالجة آثار الاعتداء على الطفل، وضمان التعافي".
من جانبه، يشير أستاذ الفلسفة وعلم النفس التربوي، طارق عبد المجيد، إلى الفارق الكبير بين الاعتداء والتحرش، فالأول غالباً جسدي، أما الثاني فقد يكون لفظياً أو معنوياً، لكن كليهما يؤثر على الطفل نفسياً، لأنه غالباً ما يأتي من أشخاص موثوق بهم. ويضيف: "إنّ هناك خطأين متكرّرَين في التعامل مع الطفل المتعرض للاعتداء أو التحرش، هما الصمت والمقاومة، فالصمت ينجم عن ضعف البنية المؤسسية، وغياب وحدات متخصصة للتعامل، ونقص تدريب الكوادر على الإبلاغ والتوثيق، ما يؤدي إلى استجابة غير فعّالة، واستمرار الإهمال المؤسسي. أما المقاومة، فهي تفتقر إلى الأساليب المناسبة، ما يضر بالطفل نفسياً، ويجعله يخجل من المجتمع لفترة طويلة".
ويتابع عبد المجيد: "تبدأ الوقاية عبر توعية الطفل بطرق حماية نفسه، وغرس مفهوم الحدود الاجتماعية الآمنة، واتخاذ إجراءات حاسمة ضد أيّ مضايقات، ويجب مراقبة مؤسسات التعليم باستخدام الكاميرات، خاصة في المدارس الخاصة، مع تحذير الطلاب من التمادي الزائد في العلاقات، وتأكيد أهمية الإبلاغ عن أي محاولة للإيذاء مهما كانت صغيرة، مع وجود قوانين صارمة وعقاب رادع للإيذاء الجنسي، وتخصيص جهات رقابية وعقابية لمتابعة تنفيذ القوانين، كما هو معمول به في جرائم المخدرات والأمن العام".
بدوره، يقول الحقوقي صلاح حسب الله لـ"العربي الجديد"، إن "القانون المصري الحالي يوفر حماية للأطفال من التحرش والاعتداء الجنسي، لكن هناك بعض أوجه القصور التي تؤثر على فعاليته؛ إذ يعرف القانون التحرش الجنسي بأنه أي فعل أو إشارة أو تعليق جنسي غير مرغوب فيه، وتتراوح العقوبات بين السجن لمدة عامين والغرامة المالية، لكن القانون يوفر حماية خاصة للأطفال، إذ تصل العقوبات إلى السجن لمدة 5 سنوات".
ويوضح حسب الله، أن "القانون المصري يضم أوجه قصور شديدة، من أهمها عدم وجود تعريف واضح للتحرش الجنسي، كما أن العقوبات المحدّدة في القانون لا تزال غير رادعة، إضافة إلى الضعف في تطبيق القانون، خاصة في المناطق الريفية، بسبب نقص الوعي المجتمعي بأهمية حماية الأطفال من التحرش والاعتداء الجنسي. طالبنا بتشديد عقوبات الاعتداء الجنسي على الأطفال، وأن تصل العقوبة إلى الإعدام إن كان الاعتداء مصحوباً بتهديد أو ترويع أو إكراه، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية حماية الأطفال، وتعزيز آليات تطبيق القانون ومحاسبة المخالفين".
على صعيد متصل، يتحدث الناقد الفني جمال عبد القادر، عن دور مهم للدراما في معالجة هذه الظاهرة، ويقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "المعايير الفنية لصانع الدراما عند تناول قضية مجتمعية مهمة مثل التحرش، تقتضي التعامل معها بجدية أكبر، ودراستها من منظور اجتماعي، مع تحليل أسبابها ودوافعها، وليس استغلالها تجارياً كما حدث مع ظواهر سابقة جرى تناولها على نحوٍ سطحيّ".
ويوضح عبد القادر أن "المطلوب هو اختيار زاوية محدّدة، ومعالجتها بمنهجية درامية عميقة كي تقدم للمجتمع فائدة حقيقية، لا أن تكون سطحية أو هزيلة، حتى يكون للفن دور إيجابي في المواجهة. الفن بطبيعته له تأثير تراكمي، إذ لا يمكن لعمل واحد أن يحل مشكلة، بل يحتاج الأمر إلى سلسلة من الأعمال المتتابعة، وتناول هذا النوع من القضايا يجب أن يكون منهجياً، لا أن يُطرح بصورة تجاريّة عابرة".