مسلمو الصين... طقوس خاصة في عيد الفطر
علي أبو مريحيل
استمع إلى الملخص
- يُعتبر العيد فرصة لترتيب الزيجات، حيث تُقام جلسات تعارف بين العائلات وتُحيى حفلات غناء ورقص وفلكلور شعبي.
- يُختتم العيد بصلاة العيد وإخراج زكاة الفطر، مع رفع الدعاء للسلام العالمي، ويُقدر عدد المسلمين في الصين بحوالي 100 مليون نسمة.
مع حلول عيد الفطر أخيراً واختتام شهر رمضان، احتفل مسلمو الصين به كما فعل جميع المسلمين حول العالم، كلّ بحسب عاداته وتقاليده، في حين يبقى جوهر العيد واحداً
عيد الفطر واحد من الأعياد الثلاثة التي يحتفل بها مسلمو الصين، إلى جانب عيد الأضحى وعيد المولد النبوي، ويطلقون عليه اسم "المهرجان الصغير" أو "العيد الأصغر". وتوصف هذه المناسبة التي حلّت أخيراً بأنّها استثنائيّة، نظراً إلى الرمزية الدينية الخاصة التي يمثّلها العيد بالنسبة إلى الأقليات العشر المسلمة في البلاد. فهذه الأقليات تحاول الاستفادة من المناسبات الدينية المماثلة لإبراز هويتها الثقافية وعاداتها وتقاليدها الخاصة. والاحتفاء بعيد الفطر، كما بالعيدَين الإسلاميَّين الآخرين، يشتمل على فعاليات وأنشطة عديدة، من قبيل الصلاة في المساجد أو الساحات العامة وزيارة المقابر والأضرحة، وصولاً إلى جلسات التعارف وتدبير الزيجات.
الحاج موسى تشين إمام مسجد في مدينة شينزن جنوبي البلاد، يتحدّر من قومية هُوِي الصينية المسلمة. يقول لـ"العربي الجديد": "بالنسبة إلينا، فإنّ عيد الفطر مناسبة دينية ووطنية على حدّ سواء لأنّها توحّدنا نحن الأقليات العرقية في الصين التي تؤمن بالإسلام وتجمعنا لأداء الشعائر الدينية والتعبير عن هويتنا العرقية". ويخبر أنّ "يوم العيد يبدأ بالاستحمام وارتداء الأزياء الخاصة بكلّ عرقية مسلمة، مثل القبّعة البيضاء والملابس الفضفاضة، ثمّ نتوجّه إلى المسجد لحضور صلاة العيد والتعبّد معاً. بعد ذلك ننصرف إلى المقابر لقراءة القرآن والدعاء والصلاة على أرواح الموتى من الأقارب، قبل أن يزور الجميع الأهل والأصدقاء ليتمنّوا لهم عيداً سعيداً، ثم تبادل الهدايا والتهاني".
يضيف الحاج موسى أنّ "من عادات هذا اليوم، تحضير مستلزمات استقبال الضيوف في المنازل، من قبيل اللوز والمكسّرات الأخرى والمشمش المجفّف والكعك المقلي والفواكه مثل البطيخ وغيرها من الأطعمة ذات الصلة بالمناسبة. كذلك تعدّ عائلات عديدة الشاي بالحليب الذي تضاف إليه بهارات خاصة، وذلك لتسلية الأقارب والأصدقاء والضيوف".
ترتيب الزيجات وحفلات الزفاف
يلفت الحاج موسى إلى أنّ "عيد الفطر مناسبة لترتيب الزيجات وحفلات الزفاف، إذ إنّ كثيرين هم الشبّان المسلمون الذين يرغبون في ربط مواعيد زفافهم بمناسبة دينية، إذ يستبشرون خيراً بذلك. بالنسبة إليهم، يعتقدون أنّ حياتهم الزوجية سوف تكون مستقرّة ومحصّنة نظراً إلى ارتباطها برمزية دينية"، مؤكداً أنّ "معدّلات حفلات الزفاف ترتفع في فترة عيد الفطر من كلّ عام".
ويوضح، في الإطار نفسه، أنّ جلسات تعارف تُقام بين العائلات المسلمة لإتاحة المجال، أمام تلك الراغبة في تزويج أبنائها وبناتها، لاختيار شريك مناسب، خصوصاً أنّ الشبّان بمعظمهم يكونون منشغلين طيلة أيام العام فلا يجتمعون مع بقيّة أفراد أسرهم إلا في شهر رمضان وعيد الفطر، قبل أن يعودوا إلى أعمالهم ومصالحهم".
ويتابع الحاج موسى أنّ خلال عيد الفطر، تُقام كذلك "حفلات غناء ورقص مع إحياء للفلكلور الشعبي الخاص بالقومية، مثل المقامات الإيغورية الاثني عشر الخاصة بقومية الإيغور المسلمة".
الدعاء للسلام في العالم
في سياق متصل، يشير الإمام يوسف يونغ، أحد أعضاء الجمعية الإسلامية الصينية (مؤسسة تموّلها الحكومة الصينية) لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "عيد الفطر مناسبة يحتفل فيها المسلمون بإتمام واجبات الصيام بنجاح، وهي فرصة لشكر الله على نعمه". وعن أبرز العادات في هذا العيد، يقول إنّ "المسلمين يتناولون كمية قليلة من الطعام بعد صلاة الفجر للإظهار بأنّهم أتمّوا صيامهم على أكمل وجه، ويشكرون الله على ذلك". يضيف الإمام يوسف أنّ "بعد ذلك، يرتدي المحتفلون الملابس الجديدة ويتعطّرون لإظهار المزاج الاحتفالي والفرح، لافتاً إلى أنّ "إخراج زكاة الفطر التي تُدفَع حصراً لصندوق المسجد في كلّ منطقة تسبق الاحتفالات". ويشرح أنّ "الإمام يكون مسؤولاً عن توزيع الصدقات وأموال الزكاة على العائلات المستورة بحسب الحاجة والأولوية، بما يجسّد روح الأخوّة الإسلامية. أمّا المتبقّي من الأموال فيُخصَّص لترميم وتزيين المساجد والمؤسسات الدينية".
ويتابع الإمام يوسف أنّ "صلاة العيد تُقام في المساجد، في العادة، وإذا كان عدد الحضور كبيراً جداً فيُمكن حينها نقل الصلاة إلى ساحة كبيرة أو ميدان عام في المدينة أو المنطقة. وبعد صلاة الجماعة يتصافح المسلمون ويتمنّى بعضهم لبعض عيداً سعيداً. إلى جانب ذلك، يحتفل المسلمون من كلّ المجموعات العرقية، بحسب العادات والتقاليد المحلية، مثل دعوة الأصدقاء والأقارب إلى وليمة وتبادل الأطعمة وإشعال أعواد البخور ودعوة الأئمّة لتلاوة الآيات القرآنية والثناء على النبي محمد في المساجد أو حتى الحلقات الخاصة. كذلك يُصار إلى شكر الله على نعمه وتُرفَع الأدعية للسلام في العالم"، ويأتي ذلك إلى جانب زيارة المقابر حيث يُستذكَر الموتى. ويُكمل أنّ "في نهاية يوم العيد، تُنظَّم حفلات وفعاليات أخرى لإضفاء أجواء احتفالية على هذه المناسبة".
100 مليون مسلم
تجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة عشر قوميات مسلمة في الصين، أكبرها قومية هُوِي التي يتمركز أبناؤها بمعظمهم في مقاطعة نينغشيا شمال غربي البلاد. وهي تُعَدّ ثالث أكبر مجموعة عرقية في الصين، وتضمّ صينيين تحوّلوا إلى الإسلام أو آخرين تزوّجوا مهاجرين مسلمين. أمّا الأقليات المسلمة الأخرى فتتحدّر من دول آسيا الوسطى، من قبيل أوزبكستان وقرغيزستان وكازاخستان وطاجكستان وتركمانستان.
وتفيد بيانات غير رسمية بأنّ عدد المسلمين في الصين يصل إلى 100 مليون نسمة، في حين تشير تقارير حكومية إلى أنّ عددهم لا يتجاوز 23 مليوناً. وعلى الرغم من أنّ دخول الإسلام إلى الصين يعود إلى أكثر من 1350 عاماً، فإنّ ما زال معظم الصينيين، الذين يتحدّر أكثر من 91% منهم من قومية هان، يجهلون الإسلام. يُذكر أنّ الصين التي توصَف بأنّها دولة ملحدة في ظلّ نظام الحكم الشيوعي، يتّبع نحو 18% من مواطنيها البوذية، في حين أنّ نحو 5% منهم مسيحيون.