استمع إلى الملخص
- تتكرر المجازر في المنطقة، حيث تستهدف عمليات القصف خيام الإيواء والمركبات، مثل مجزرة العطار التي راح ضحيتها أطفال، مما يكشف عن التضليل بشأن أمان المنطقة.
- يعيش النازحون في ظروف صعبة في خيام تفتقر للأمان، مع نقص في المساعدات وغياب مصادر الدخل، ويدعو الحقوقيون إلى تدخل دولي عاجل.
يزعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن منطقة مواصي خانيونس "آمنة"، ويدعو سكان مدينة غزة إلى النزوح إليها، بينما يؤكد الواقع أن المواصي شديدة الاكتظاظ، ويكرر الاحتلال استهداف النازحين فيها.
كرّر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أمس السبت، دعوة سكان مدينة غزة (شمال) لمغادرتها باتجاه منطقة مواصي خانيونس (جنوب)، زاعماً أنها آمنة، وتوجد فيها مقومات حياة. ورغم محاولة كثير من العائلات النزوح إلى منطقة المواصي عبر شارع الرشيد الساحلي، كرّر الاحتلال استهداف المركبات والحافلات قبل أن تصل إلى وجهتها، في إمعان في الإبادة الجماعية.
والثلاثاء الماضي، بدأ جيش الاحتلال مطالبة سكان المدينة بالتوجه إلى المواصي "الآمنة"، لكنه أتبع مطالبته تلك بمجزرة دامية في المواصي، راح ضحيتها عشرة فلسطينيين، من بينهم ثمانية أطفال كانوا ينتظرون تعبئة المياه.
قبل مجزرة الثلاثاء، عاد الطفل آدم عويضة إلى خيمة عائلته مرتجفاً، بعدما شاهد بعينيه استهداف مركبة قرب مفرق العطار، كاد يصاب فيه، لكنه نجا بأعجوبة، ليعود كي يقصّ على أمه ما شاهده من دماء وشهداء ومصابين، ويرمي نفسه في حضنها محاولاً استعادة بعض الأمان المفقود. حاول والده مسح جبينه وطمأنته، ثم قرر اصطحابه لشراء حاجيات له، لكن الطفل طلب من والده أن يذهب بنفسه للشراء من البقالة القريبة من الخيمة. ركض مسرعاً تحت أنظار والديه، وعلى مقربة من البقالة، كان أطفال يتجمعون أمام شاحنة لتعبئة مياه، ثم دوى صوت انفجار هز قلب أمه.
تحكي الأم لـ"العربي الجديد": "عندما خرج لشراء الحاجيات كان خائفاً، ووالده طلب أن يرافقه، لكنّه كان خائفاً من المشي البطيء، فذهب ركضاً معتقداً أن ذلك أكثر أمناً، وعندما وصل حدث الاستهداف قرب شاحنة المياه، وكان هناك صغار يعبئون المياه وآخرون يشترون الحاجيات، وأطفال يلعبون وأشخاص يعيدون شحن هواتفهم".
تضيف: "آدم طفلي البكر، ولدي طفلان آخران (عوني وإيلا)، وكان آدم الحفيد الأول في العائلة، والجميع يحبه، وهو متفوق وذكي، ويحب مساعدة الجميع، وكان دائماً يناديني باسمي وكأني صديقته. كان طموحاً يحب السفر، ويتمنى أن يصبح مهندساً مثل خاله. في لحظة القصف شاهدت الصاروخ، وبعد الانفجار شعرت باستشهاده قبل أن أراه مضرجاً بدمائه، كانت إصابته خطيرة، ولفظ أنفاسه الأخيرة بالمشفى".
ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ارتكب جيش الاحتلال أكثر من 105 عمليات قصف استهدفت خيام الإيواء في منطقة مواصي خانيونس والتي يدّعي أنها "آمنة"، وخلفت هذه الجرائم آلاف الشهداء والجرحى، غالبيتهم من النساء والأطفال. وخلال شهر أغسطس/ آب الماضي، استشهد في مدينة خانيونس 952 فلسطينياً، وفي شهر يوليو/ تموز استشهد 1324 فلسطينياً بالمدينة، وفي يونيو/ حزيران بلغت أعداد الشهداء 1019 شهيداً، ويقدر مدير دائرة نظم المعلومات بوزارة الصحة زاهر الوحيدي أن 70% على الأقل من شهداء خانيونس هم من بين النازحين إلى منطقة المواصي.
وفي شهر أغسطس، نفذت طواقم الدفاع المدني بمدينة خانيونس أكثر من عشر مهمات إنقاذ وإخلاء في منطقة المواصي، شملت انتشال أكثر من أربعين شهيداً، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى ما يزيد عن 130 إصابة. ويقول مدير عمليات الدفاع المدني الرائد محمد صيام لـ "العربي الجديد": "أعداد الشهداء والمصابين تكشف بوضوح حجم التضليل الذي يمارسه الاحتلال، فمن جهة يدعي أن منطقة المواصي آمنة، ويدعو الأهالي للنزوح إليها، ومن جهة أخرى لا يتوقف عن استهدافها بالقصف الجوي والمدفعي، ما يجعلها مسرحاً للمجازر والانتهاكات".
ويؤكد صيام أن "ما يجري هو استباحة كاملة لأي مكان يوجد فيه مدنيون، ولا توجد منطقة آمنة ما دامت آلة الحرب تستهدف كل ما هو متحرك. عملنا في تلك المنطقة يتم في ظروف شديدة التعقيد نتيجة وعورة التضاريس، وضعف الإمكانات، واستمرار القصف، لكننا نواصل تقديم واجبنا الإنساني بكل ما نملك من مقومات". ورغم كل المخاطر في منطقة المواصي، لا تتوقف موجات النزوح إليها، رغم أنه لا توجد مساحات فارغة لاستيعاب نازحين جدد. لكن العشرات يتوافدون يومياً هرباً من المخاطر المحدقة بمدينة غزة وشمالي القطاع منذ إعلان جيش الاحتلال تنفيذ عملية احتلال شاملة.
تعيش الفلسطينية تسنيم دحلان بمنطقة مواصي خانيونس منذ إبريل/ نيسان 2024، وطوال تلك المدة لم تشعر أنها في منطقة "آمنة"، إذ تتكرر المجازر التي تستهدف الخيام. وتقول لـ "العربي الجديد": "وقعت الكثير من الاستهدافات في المواصي، كان آخرها مجزرة منطقة العطار التي استشهد فيها أطفال كانوا يصطفون لتعبئة المياه، وقبلها استهداف أطفال من عائلة القدرة خلف الكلية الجامعية، وغيرها من الاستهدافات في منطقة يفترض أنها آمنة".
وتضيف دحلان: "نزحنا عدة مرات نتيجة العملية العسكرية في خانيونس، ولا يوجد أي شعور بالأمان، على العكس، الخوف مضاعف، فإذا لم تمت في الاستهداف المباشر، يمكن أن تموت من الإصابة بالشظايا لأنك تعيش في خيمة، وليس في بيت تمنع حجارته عنك الشظايا، وسواء كان القصف قريباً أو بعيداً فإن الشظايا ستصل إليك. في منطقة المسلخ القريبة، خلف مجمع ناصر الطبي، دخلت الدبابات قبل فترة، وجرفت الخيام، وهي امتداد لمنطقة العطار التي حدثت فيها المجزرة الأخيرة، كما أن الطائرات المروحية لا تفارق السماء، في الليل وفي النهار، في روتين دامي. فضلاً عن المسيرات التي باتت الاستهدافات تجرى عن طريقها".
استيقظ يحيى المنسي فزعاً على وقع صراخ أطفاله ليلة الأربعاء الماضي، إذ كانت الشظايا تتساقط على خيمتهم، وقد نجو من الموت بعد استهداف خيمة قريبة، ما أدى إلى وقوع شهداء. لم يكن هذا المشهد الدامي الوحيد الذي عايشه، فقبلها بيوم واحد وقعت مجزرة العطار التي باتت تعرف بين الأهالي باسم "مجزرة الأطفال"، وبعدها كان قريبه معاذ يوسف أبو عنزة، يحاول نقل المصابين والشهداء إلى المشفى، وتعرضت سيارته للاستهداف من قبل طائرات جيش الاحتلال.
يحكي المنسي لـ "العربي الجديد" عن تفاصيل الحياة في المواصي، قائلاً: "الأوضاع المعيشية صعبة للغاية، فنحن نعيش في خيام، ولا توجد مصادر للدخل، والمساعدات منعدمة أو محدودة، وإضافة إلى كل ذلك، تتكرر الاستهدافات يومياً. لا يوجد أمان ولا استقرار، ونعيش في قلق دائم، وتحلق الطائرات بكافة أنواعها ليل نهار، وهذا وحده يكفي لتعيش في خوف على نفسك وأطفالك".
نزح الفلسطيني محمد الزبن من حي تل السلطان بمدينة رفح في مارس/ آذار الماضي، بعد استئناف الاحتلال عدوانه على المدينة، وقد غادر بلا أمتعة أو مقتنيات، واستقر في "سجن أصداء" الذي تحول إلى مركز إيواء يضم نحو 1200 عائلة، ثم كان على موعد مع نزوح جديد في مطلع أغسطس الماضي، بعد إصدار الاحتلال أوامر بإخلاء السجن، واقتراب الدبابات من المكان، ليغادر إلى منطقة شاطئ البحر.
قبل نزوحه الأخير، عاش الزبن ليلة عصيبة مع إلقاء مسيرات "كواد كابتر" قنابل على المكان، واستمرار القصف المدفعي حتى الصباح، وهي نفس المشاهد التي عاشها في حي تل السلطان سابقاً. يقول لـ "العربي الجديد": "لم يكن لدي خيمة، فتوجهت مع عائلتي إلى شاطئ البحر حيث يسكن أخي في خيمة إيواء. لا توجد منطقة آمنة في قطاع غزة، لا في الجنوب ولا في الشمال، وهناك عائلات نزحت من الشمال جنوباً، وقام الاحتلال باستهدافها، وها نحن على شاطئ بحر المواصي في ظروف صعبة، حيث لا يوجد متسع لنا، فأين سيذهب من يدعوهم الاحتلال للنزوح من مدينة غزة".
بدوره، يقول الحقوقي الفلسطيني صلاح عبد العاطي، لـ"العربي الجديد"، إنه "لا وجود لأي منطقة آمنة في قطاع غزة، والمناطق التي تؤوي الناس حالياً باتت مساحتها أقل من 12% من مساحة القطاع، والناس يتركزون في غربي مدينة غزة، وفي المحافظة الوسطى، وفي محافظة خانيونس، لكن الاحتلال يكرر استهداف خيام النازحين في هذه المناطق".
ويضيف عبد العاطي: "دعوة سكان مدينة غزة للنزوح إلى المواصي جزء من خديعة يمارسها الاحتلال، إذ لا توجد أماكن تكفي لاستيعاب مليون شخص في المواصي، لكنّ الاحتلال يواصل خداع الرأي العام العالمي، كما لا يسمح بدخول الخيام وباقي احتياجات المدنيين الذين يعيشون ظروفاً كارثية وسط مجاعة وغلاء أسعار وعدم توفر المواصلات، عدا عن التجويع والتعطيش، ما يستلزم تدخلاً دولياً حاسماً لضمان دخول المساعدات، ومنع مخططات إفراغ قطاع غزة من سكانه".