مينيابوليس | مهاجرون يختبئون في منازلهم خشية فصلهم عن أولادهم

02 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 16:59 (توقيت القدس)
تنديد بانتهاكات وكالة الهجرة في مينيابوليس، 1 فبراير 2026 (تشارلي تريبالو/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعيش المهاجرون في مينيابوليس في خوف من عمليات الاعتقال التي تنفذها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية، مما يدفعهم للاختباء في منازلهم لحماية أسرهم من التشتت.

- يعمل دانيال هيرنانديز على مساعدة المهاجرين بتجهيز وثائق تفويض مسبقاً لتأمين وصاية قانونية لأطفالهم في حال اعتقالهم، وقد ساعد في حماية أكثر من ألف طفل، بينما ينتظر 500 قاصر آخرين.

- تعاني عائلات مهاجرة مثل عائلة كارلوس وآنا من العزلة والخوف والضغوط النفسية والمالية، حيث لا تضمن لهم رخص العمل الأمان من الاعتقال أو الترحيل.

كثر هم المهاجرون الذين يعيشون اليوم مختبئين في مدينة مينيابوليس الأميركية، في ظلّ الانتهاكات الأخيرة التي ترتكبها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية في إدارة الرئيس دونالد ترامب، في سياق خطة الأخير "أميركا أولاً" التي تصوّب على "الأجانب"، مع العلم أنّها لا توفّر حتى المواطنين أحياناً. ويختبئ هؤلاء، خصوصاً، خشية من أن تفصلهم وكالة الهجرة عن أولادهم، في إطار الحملات المتواصلة في المدينة الواقعة جنوب شرقي ولاية مينيسوتا بالوسط الغربي من الولايات المتحدة الأميركية.

نينا وزوجها، طالبا لجوء من الإكوادور، من بين آلاف المهاجرين الذين يختبئون في منازلهم بمدينة مينيابوليس، ويعيشان في خوف متواصل إزاء احتمال أن يفصلهما عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية، المشهورة باسم "آيس" اختصاراً، عن طفلتهما أيادانا البالغة من العمر أربعة أعوام.

وتأمل نينا أن يغفل عنها آلاف العملاء الفيدراليين الذين ينشرهم ترامب منذ شهرَين في المدينة، وأن تُحوَّل مهامهم في نهاية المطاف إلى مكان آخر. لكنّها تدرك أنّ الخطر لن يزول كلياً، حتى بعد تخفيض أعداد هؤلاء. وتتساءل المرأة الشابة البالغة من العمر 25 عاماً، التي لم تشأ الكشف عن هويتها كاملة: "ماذا يمكنني أن أفعل في حال خرجنا إلى العمل وأوقفونا، فيما ابنتي في المدرسة؟"، مضيفةً لوكالة فرانس برس "لن يكون بوسعي القيام بأيّ شيء، لأنّهم لن يسمحوا لي بالخروج من أجل ابنتي، وسوف تبقى وحيدة".

وتفادياً لوضع صغيرتها في عهدة الخدمات الاجتماعية، في حال أُلقي القبض عليها وعلى زوجها، أرادت نينا توقيع تفويض لصديقة لها تحمل بطاقة الإقامة الدائمة "غرين كارد"، أي "البطاقة الخضراء"، حتى تكون وصية قانونية على ابنتها. لكنّها سرعان ما وجدت نفسها في وضع "يائس"، معزولة في شقتها حيث يختبئ ستّة أشخاص. وتؤكد لوكالة "فرانس برس": "لم أتمكّن من الخروج لتوقيع التفويض عند كاتب العدل". ولا تخفي نينا أنّها تتابع، بصورة متواصلة، التنبيهات التي تحذّر من عمليات دهم ينفّذها عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك في حيّها، ولا تغادر منزلها سوى مرّة في الأسبوع خلسة في الليل.

الصورة
نينا وابنتها أيادانا من الإكوادور في مينيابوليس - الولايات المتحدة الأميركية - 31 يناير 2026 (أوكتافيو جونز/ فرانس برس)
طالبة اللجوء من الإكوادور نينا وابنتها أيادانا في مينيابوليس الأميركية، 31 يناير 2026 (أوكتافيو جونز/ فرانس برس)

نقل السلطة الأبوية

وإزاء هذا الوضع الذي يبدو مستحيلاً، قرّر دانيال هيرنانديز التحرّك من أجل تقديم المساعدة للمهاجرين. ويعمد رائد الأعمال الأميركي، البالغ من العمر 41 عاماً، منذ أسابيع، إلى تجهيز وثائق تفويض مسبقاً يختمها لدى كاتب عدل، قبل أن يتنقّل بين منازل المهاجرين، ولا سيّما الذين لا يملكون أوراقاً قانونية، في مينيابوليس لجمع تواقيع الذين يحتاجون إليها.

ويقول هيرنانديز، لوكالة فرانس برس، إنّ كثيرين من هؤلاء أساؤوا تقدير حجم الحملة ضدّ المهاجرين في الولايات المتحدة الأميركية، والتي كانت من أبرز وعود ترامب الانتخابية. يضيف: "عندما بدأت عمليات الدهم، أدرك الناس أنّ الأمر حقيقي... بدأتُ أتلقّى اتصالات من كثيرين يخبرونني بأنّهم في حاجة إلى هذه الورقة". وقد تمكّن من تأمين الحماية لـ"أكثر من ألف طفل" منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بفضل هذا التفويض، في حين أنّ 500 قاصر ما زالوا على قائمة الانتظار، فيما يتلقّى "سيلاً" من الرسائل التي يوجّهها أهل قلقون على أولادهم، مع العلم أنّ جمعيات عدّة تقوم بحملات مماثلة في مينيابوليس.

وشهدت مدينة مينيابوليس مقتل مواطنين أميركيّين معارضين لأساليب وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك برصاص عناصرها، كذلك سُجّلت صدمة في يناير/كانون الثاني المنصرم بعد توقيف طفل إكوادوري يبلغ من العمر خمسة أعوام، يُدعى ليام كونيخو راموس. وعند رؤية صور الطفل وقد حاوطه عناصر وكالة الهجرة، وهو يعتمر قبّعة زرقاء مع أذنَي أرنب، ازدادت نينا تصميماً على حماية طفلتها التي تبلغ العمر نفسه تقريباً. وتقول: "حزنت جداً لرؤية هذا الطفل في مثل هذا الوضع".

حدّ أدنى من الأمان

وتدّعي إدارة ترامب أنّ والد ليام، المستهدف بعملية التوقيف، طلب احتجاز ابنه معه في تكساس جنوبي الولايات المتحدة الأميركية. لكنّ محامي العائلة أفاد بأنّ العملاء الفيدراليين استخدموا الطفل لاستدراج والدته إلى خارج المنزل وتوقيفها، ورفضوا تركه في الموقع. وعلى الرغم من أنّ قاضٍ أمر، أوّل من أمس السبت، بالإفراج عن ليام ووالده اللذَين تمكّنا من العودة أمس الأحد إلى مينيسوتا، فإنّ هذه القضية زادت من حدّة المخاوف في مينيابوليس.

في الإطار نفسه، يقول ريتشارد توريس، طالب لجوء فنزويلي يبلغ من العمر 39 عاماً، لوكالة فرانس برس: "نحن نعول الآن على العناية الإلهية". وكانت زوجته قد أوقفت، مع طفلتهما البالغة من العمر عامَين والمصابة بالتوحّد، في مينيابوليس، قبل أن تُرسلا إلى تكساس لاحتجازهما هناك، وذلك بعد موعد روتيني مع السلطات لمتابعة ملفّ الزوجَين. وفي حين أُعلن أنّ السبب المعلَن لتوقيفهما كان التخلّف عن جلسة، يؤكد توريس أن "هذا كذب".

من جهته، أقرّ قاضٍ بوجود خطأ وأمر بإطلاق سراح زوجة توريس وابنتهما، لكنّ هذه المسألة تركته، هو العامل في القطاع الفندقي، محطّماً كلياً. ويرى أنّ تفويض السلطة الأبوية لوصيّ هو "الوسيلة الوحيدة لضمان حدّ أدنى من الأمان لعائلاتنا وأولادنا". ففي حال ساءت الأمور، يشعر بالاطمئنان لتوقيعه وثيقة تعهد بطفلته إلى قريبة زوجته. ويضيف: "هي ليست أميركية، لكنّها الشخص الوحيد الذي نثق به تماماً".
الصورة
ريتشارد توريس من فينزويلا في مينيابوليس - الولايات المتحدة الأميركية - 31 يناير 2026 (أوكتافيو جونز/ فرانس برس)
طالب اللجوء ريتشارد توريس من فينزويلا في مينيابوليس الأميركية، 31 يناير 2026 (أوكتافيو جونز/ فرانس برس)

عائلة مكسيكية تعزل نفسها في منزلها منذ شهرَين في مينيابوليس

في سياق متصل، تحبس عائلة مكسيكية نفسها في منزلها بمدينة مينيابوليس منذ شهرَين، من دون فتح الستائر حتّى، بعدما انتشر آلاف من العملاء الفيدراليين بمينيابوليس في إطار حملة لاحتواء الهجرة غير النظامية. وتوصد العائلة باب المنزل بقطعة من الحديد، في محاولة لمنع خلعه. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولاية رئاسية ثانية في يناير/كانون الثاني 2025، تحوّل الحلم الأميركي إلى كابوس بالنسبة إلى هذه العائلة التي تعيش منذ عقد من الزمن في المدينة التي قتل فيها عناصر من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك شخصَين في يناير/كانون الثاني الماضي.

تقول آنا، التي اختارت لنفسها اسماً مستعاراً كما زوجها وابنها، في حديثهم إلى وكالة فرانس برس، إنّ "من غير الإنساني أن نعيش في حال مماثلة؛ سجناء في منزلنا الخاص". وآنا، البالغة من العمر 47 عاماً أمّ لأربعة أولاد، علماً بأنّ لويس يبقى معزولاً معها في المنزل لأنّه وُلد في المكسيك. ويستولي عليها الخوف كلّما خرج أولادها الثلاثة الآخرون الذين وُلدوا على الأراضي الأميركية.

وتضيف المهاجرة المكسيكية: "أخشى دوماً ألا يُعامَلوا باحترام على الرغم من أنّهم مواطنون، وأن يُقتادوا بسبب لون بشرتهم". وقبل العودة إلى المنزل، ينبغي على الأولاد بعث رسالة نصية إلى من في الداخل، وإلا لا يُفتَح الباب لهم. ويراقب لويس، البالغ من العمر 15 عاماً، بحسرة شقيقَيه وشقيقته وهم يخرجون من المنزل ويعودون إليه. ولا يخفي الفتى حلمه بالذهاب إلى "مطعم الوجبات السريعة في الشارع، عندما يتحسّن الوضع"، لكنّه في الوقت الراهن "قريب وبعيد في آن واحد".
الصورة
كارلوس رب العائلة المكسيكية المعزولة في منزلها منذ شهرين - مينيابوليس - 31 يماير 2026 (تشارلي تريبالو/ فرانس برس)
كارلوس ربّ العائلة المكسيكية المعزولة في منزلها منذ شهرين، مينيابوليس، 31 يماير 2026 (تشارلي تريبالو/ فرانس برس)

"ترامب يبتزّنا"

وبعد انتهاء الحصص التعليمية التي يُتابعها عن بُعد، ينكبّ لويس على لعبة الفيديو "هاف-لايف"، مشيراً إلى أنّ هذا "هو الأمر الوحيد الذي ينسيني ما يحدث". ولا يخفي الوالد كارلوس استياءه إزاء ما تقاسيه العائلة. فقد أنفق الرجل البالغ من العمر 43 عاماً، الذي يعمل في مجال تركيب صناديق الدفع، 11 ألف دولار أميركي للمحامي من أجل إنجاز معاملات تأشيرات الدخول، فيما يراوح المسار مكانه منذ نحو ثلاثة أعوام.

ويحظى كارلوس وزوجته آنا برخصة عمل، لكنّ إدارة ترامب لم تعد تأبه بهذا المستند الرسمي الذي لم يعد يجنّب صاحبه الاعتقال ولا الترحيل. ويقول كارلوس: "يعطونكم إذناً بالعمل، لكنّ ذلك لا يسمح بالبقاء في البلد بصورة قانونية"، متسائلاً "كيف يعقل ذلك؟". ويردف: "يبدو أنّ ترامب يبتزّنا"، مضيفاً "لا أظنّ أننا نستحقّ أمراً مماثلاً. فنحن لم نقترف سوءاً ونحن لسنا مجرمين".

ويقرّ كارلوس بأنّه يشعر بحزن كبير عند رؤية الأساليب التي يلجأ إليها العناصر المكلّفون بالحملة على المهاجرين. ففي مينيابوليس، كما في لوس أنجليس وشيكاغو، يكثّف عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية الملثّمون عمليات الاعتقال في الشارع في وضح النهار، ولا سيّما في محطّات توقّف الحافلات ومحيط متاجر المستلزمات المنزلية.

وخلال الولاية الأولى لترامب بين عامي 2017 و2021، لم يشعر كارلوس بالحاجة إلى الانعزال في منزله، في ظلّ عمليات كانت أكثر استهدافاً وأصغر نطاقاً. ولم يُعتقَل سوى اثنَين من معارفه، "الأوّل كان منخرطاً في الاتجار بالمخدرات، والثاني كانت يضرب (يعنّف) زوجته".

لم تنتهِ بعد عملية "ميترو سورج" التي شنّتها إدارة ترامب في مينيابوليس. لكنّ إحصاءات ذات صلة أظهرت أنّ أكثر من نصف المهاجرين الموقوفين لم تكن لهم أيّ سوابق مع القضاء، خلال الحملة التي نُفّذت في لوس أنجليس الصيف الماضي.

وبين عمل كارلوس الثابت والأعمال الصغيرة التي تزاولها آنا في مجال الطهي أو المبيعات، تكسب عائلتهما في العادة نحو ستة آلاف دولار شهرياً. لكنّها لم تعد تأتي بأيّ دخل منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي. ولدفع إيجار الشقّة البالغ 2.200 دولار، اضطرّا إلى اقتراض 1.500 دولار من صديقة أخيراً. لكنّهما يتساءلان "ما العمل في الشهر المقبل؟".

وتدعو عائلة كارلوس وآنا أن يُرسل العدد الأكبر من العملاء الفيدراليين إلى منطقة أخرى في الولايات المتحدة الأميركية، غير أنّ الشكّ يسيطر هنا. ويتساءل كارلوس: "ماذا لو لم يتوقّفوا أبداً؟ فالرئيس سوف يبقى ثلاثة أعوام بعد، وهي فترة طويلة". وتحاول آنا تهدئة روع العائلة، لكن عندما تسرح بأفكارها بعيداً، تتخيّل عودتها إلى المكسيك. وتقول: "الأمر الوحيد الذي يبقيني هنا هو أحلام أولادي".

(فرانس برس، العربي الجديد)