نور أبو شنب... طفلة غزّية أصابها فوسفور الاحتلال بالشلل الدماغي

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:39 (توقيت القدس)
علاج نور أبو شنب مرهون بالخروج من قطاع غزة (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وُلدت نور أبو شنب في غزة قبل يوم من عملية طوفان الأقصى، وتعرضت لاستنشاق غاز الفوسفور الأبيض بسبب القصف الإسرائيلي، مما أدى إلى اختناقها ونقلها للعناية المركزة.
- تعاني نور من الشلل الدماغي وتحتاج إلى تقنيات طبية غير متوفرة في غزة، مما يستوجب خروجها لاستكمال العلاج. تعيش الأسرة في ظروف صعبة وتحتاج الطفلة إلى كرسي متحرك وأدوات مساعدة.
- استخدمت قوات الاحتلال القنابل الفوسفورية، مما أدى إلى إصابات عديدة. تبقى حياة نور مرهونة بتأشيرة خروج، وتظل تبتسم عند سماع صوت والدتها.

وُلدت الطفلة الفلسطينية نور أبو شنب في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قبل يومٍ من عملية طوفان الأقصى التي شنّتها حركة حماس في قطاع غزة، وأعقبتها حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. جاءت نور إلى الحياة وكانت بمثابة وميضٍ هادئ يبعث الأمل والفرح. بدت بملامحها البريئة وكأنّها تستعير سلاماً قصير العمر، قبل أن يتكدّر كل شيء حولها.

في ساعاتها الأولى، لم تكن العائلة تفكّر إلا بأشياء بسيطة، مثل لون الغطاء الذي ستُلفّ به الطفلة، واسم الأغنية التي ستغنّيها والدتها على مسامعها لتهدئة صراخها وبكائها، وموعد الزيارة الأولى للجدّة. لكن فجر اليوم التالي حمل دخاناً اكتسح الأجواء وبهت معه الضوء، وترافق مع ضجيجٍ ثقيلٍ تلبّدت معه فرحة العائلة.

بدأت أصوات القصف الإسرائيلي تتردّد من بعيد، وامتلأ الحيّ الذي تقيم فيه العائلة بحركة لا تُشبه حركة الأيام العادية. لم يمرّ وقت طويل حتى بدأ الدخان الأبيض يزحف فوق المنازل، يحمل معه رائحة حادّة تلسع الحلق قبل الأنف.

حاولت عائلة أبو شنب إغلاق النوافذ، لكن الهواء كان قد دخل بالفعل. وبين ذراعَي والدتها، بدأت الطفلة التي لم يتجاوز عمرها حينها 48 ساعة تسعل سعالاً مكتوماً، ثم تبدّل لون شفتَيها وأصبح أزرق. حملتها والدتها سمر حماد بسرعة إلى الخارج، علّها تتنفّس هواءً عليلاً، لكن المشهد كان أسوأ.

وتقول حماد (38 عاماً)، إنّ طفلتها نور استنشقت غاز الفوسفور الأبيض، وهو ما تسبّب بحالة اختناق شديد وأدّى إلى ازرقاق وجهها، وتُبيّن في حديث لـ"العربي الجديد" أنّه جرى نقل الطفلة على وجه السرعة إلى مستشفى النصر للأطفال في مدينة غزة، حيث بقيت مدّة شهر في غرفة العناية المركزة، إلى أن حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي المستشفى، فخرجت الطفلة من دون إكمال علاجها، ما تسبّب بنقصٍ في الأوكسجين، فضلاً عن مضاعفات أخرى فاقمت وضعها الصحي.

وتكشف الوالدة أنّ الأطباء أبلغوها بعد التشخيص والفحوص بأنّ طفلتها تعاني من الشلل الدماغي وعدم القدرة على الحركة جراء نقص الأوكسجين، وأنّها تحتاج إلى التصوير بالرنين المغناطيسي وعملية في الأوتار، وهي تقنيات طبية غير متاحة في غزة بفعل الانهيار التام في المنظومة الصحية، ما يستوجب خروجها من القطاع لإجراء العمليات الجراحية واستكمال العلاج المناسب لإنقاذ طفلتها.

وعلى الرغم من الوضع الصحي الصعب، تعيش الأسرة داخل خيمة إيواء صغيرة في مخيم الصابرين، وسط مدينة غزة، الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من المقوّمات المعيشية نتيجة غياب الدعم، فيما تضطر الوالدة لنقل الطفلة إلى مستشفى خاص لاستكمال جلسات العلاج الطبيعي على نفقتها الخاصة، على الرغم من وضعها الاقتصادي المتردّي.

الصورة
دفعت نور ثمن الإجرام الإسرائيلي (العربي الجديد)
دفعت نور ثمن الإجرام الإسرائيلي (العربي الجديد)

وتتابع حماد: "تحتاج طفلتي إلى كرسيّ متحرك لنقلها نحو المستشفى، ومع مرور الوقت يزداد وزنها، ما يزيد من صعوبة حملها، خصوصاً أنّني أعاني من إصابات في العمود الفقري نتيجة سقوط جدار خرساني على ظهري بسبب القصف الإسرائيلي، ما يجعلني غير قادرة على حمل نور لمسافات طويلة".

وتوضح أنّ طفلتها تحتاج أيضاً إلى فَرشةٍ طبيّة خاصة غير متوفرة، حيث تضطرّ نور إلى افتراش أرض الخيمة القاسية، أسوةً بإخوتها، فضلاً عن حاجتها إلى حذاء طبي خاص وجهاز مساعد على الحركة والتدرّج في المشي (ووكر)، إلى جانب الحاجات البديهية الأخرى مثل الطعام والشراب واللعب والأمان، و"هي حاجات حرم الاحتلال الإسرائيلي كل أطفال القطاع منها"، وفق ما تضيف حماد.

كانت عائلة أبو شنب تقطن في حيّ الزيتون، جنوبي مدينة غزة، قبل اضطرارها للنزوح أكثر من مرّة، واللجوء إلى المدارس والملاجئ، وصولاً إلى العيش داخل مخيم بلا مقوّمات حياة أو خدمات طبية أو مصدر دخل ثابت، باستثناء بعض المساعدات الإنسانية غير المنتظمة.

ويبقى علاج نور مرهوناً بتأشيرة خروج من مدينة غزة المحاصرة إنسانيّاً واقتصاديّاً وطبيّاً. وعلى الرغم من إصابتها، كانت الطفلة تبتسم عند سماع صوت والدتها، كأن شيئاً في داخلها يعرف أنّ الحياة ما زالت تستحق التمسك بها. كانت أصابعها الصغيرة تتحرك ببطء، تبحث عن يد والدتها، عن شيءٍ ثابتٍ وسط عالمٍ مضطربٍ.

يُذكر أنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي خرقت كلّ الأعراف والاتفاقيات الدولية، من بينها تلك التي تُحرّم استخدام القنابل الفوسفورية نظراً لخطورتها صحياً وبيئياً. وكشفت وزارة الخارجية الفلسطينية في 20 أكتوبر 2023 عن استخدام القوات الإسرائيلية قنابل فوسفورية لقصف مناطق مختلفة من قطاع غزة. وبحسب مصادر طبية فلسطينية حينها، أطلقت إسرائيل العديد من القنابل الفوسفورية على منطقة الميناء، غربي القطاع، ما أدى إلى إصابة المئات بحالات اختناق، كما نقل عدد كبير منهم إلى المستشفيات، ولوحظت معظم الإصابات بين الأطفال وكبار السن، وخصوصاً المصابين بأمراض تنفسية.

والقنابل الفوسفورية مُحرّمة دولياً بموجب اتفاقية جنيف لعام 1980، التي نصّت على تحريم استخدام الفوسفور الأبيض سلاحاً حارقاً ضد البشر والبيئة، إلا أن لإسرائيل تجارب عديدة مع استخدام هذا السلاح.