أطفال المعتقلين... هويات ضائعة وذكريات مسروقة خلف جدران سجون الأسد

23 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:57 (توقيت القدس)
يزور فرج زنزانته التي اعتقل فيها عندما كان يافعاً (عبد الله السعد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عاش محمد الكشك وأخوته تجربة قاسية في ريف دمشق بعد اعتقالهم مع والدتهم بتهمة "الإرهاب"، حيث قضوا سنوات في السجون ودار الأيتام، مما أثر على طفولتهم ونفسيتهم.
- كشفت التحقيقات عن شبكة إخفاء قسري للأطفال في سوريا، حيث تم تغيير هوياتهم وفصلهم عن أسرهم بإشراف الأجهزة الأمنية، مع توثيق حالات اعتداءات وفقدان هوية.
- تعمل لجنة خاصة على كشف الحقائق وضمان حقوق الأطفال المفقودين، مع التركيز على جمع الوثائق ومحاسبة المسؤولين وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.

يحاول، في أحد أزقّة ريف دمشق بمنطقة الرحيبة، محمد الكشك، ابن السادسة عشرة، تعلم ركوب الدراجة لأول مرة في حياته. بالنسبة لأي مراهق، قد تبدو لحظة عادية، لكنها لمحمّد كانت رمزاً للحياة التي حُرم منها نصف عمره، بعدما قضى سنينه متنقلاً بين زنازين السجون ودار الرحمة للأيتام في دمشق.محمد لم يكن وحده. كان معه أخوته الثلاثة ووالدتهم.

اعتُقلوا جميعاً في إحدى الحملات الأمنية قبل سنوات، بتهمة "الإرهاب". كانوا أطفالاً، أكبرهم في العاشرة وأصغرهم لم يتجاوز السابعة، حين وجدوا أنفسهم فجأة خلف القضبان، بلا تفسير، بلا تهمة واضحة، بلا محامٍ، ولا زيارة من قريب.
اليوم، وبعد جهود كبيرة بذلتها العائلة ومنظمات حقوقية محلية ودولية، عاد محمّد وإخوته إلى بيتهم في الرحيبة، لكن طفولتهم لم تعد معهم، بقيت هناك خلف جدران السجون، وأبواب دار الرحمة المغلقة، وحكايات لم تُروَ بعد، قصته لم تكن استثناء، بل جزءاً من ملف معقد عن أطفالٍ وُلدوا بين الجدران أو كبروا خلفها، ليصبحوا لاحقًا "أيتاماً بالقرار الإداري"، حتى لو كان ذووهم أحياء.

تغييب قسري وهويات مسروقة

مع سقوط النظام السوري أواخر العام الماضي، بدأت تتكشف ملفات مخبأة منذ سنوات طويلة، لتكشف حجم الانتهاكات التي طاولت أطفال المعتقلين السياسيين والأمنيين والمجهولين.

"كنا أربعة أطفال مع أمنا. اعتقلونا فجأة، لم نفهم السبب. وضعونا في زنزانة مزدحمة، ثم تنقلنا بين السجون المختلفة، حتى وصلنا إلى دار الرحمة"

تفيد المعلومات الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بأن ما يقارب من أربعة آلاف طفل جرى إخفاؤهم في دور الرعاية بصورة غير شرعية، مع تغيير أسمائهم وقيودهم، وقطع أي صلة بعائلاتهم الأصلية، ما جعل التعرف إلى هوياتهم شبه مستحيل عقوداً.
الأطفال تراوحت أعمارهم بين بضعة أشهر وحتى سنوات البلوغ، ولم يقتصر الأمر على تغيير الأسماء، بل شمل إعادة تشكيل كامل لهويتهم وفصلهم عن ماضيهم.
ووفق إحصاءات أولية جمعتها اللجنة الخاصة لمتابعة الأطفال المفقودين وحصل عليها ملحق سورية الجديدة، هناك أكثر من 12 ألف طفل يعيشون حالياً في دور الأيتام على مستوى سورية، منهم حوالي 3,800 طفل خضعوا لتغيير كامل في هوياتهم الرسمية، بما في ذلك الأسماء والقيود المدنية، بينما أُبقي آلاف آخرون من دون أي وثائق رسمية، ما جعل مصيرهم غير واضح لعائلاتهم وللسلطات لاحقاً.

شهادات من قلب المعاناة

ريلاس الكشك، شقيقة محمد، كانت واحدة من هؤلاء الأطفال. تتحدّث عن السنوات التي قضتها بين السجون ودار الرحمة:
"كنّا أربعة أطفال مع أمنا. اعتقلونا فجأة، لم نفهم السبب. وضعونا في زنزانة مزدحمة، ثم تنقلنا بين السجون المختلفة، حتى وصلنا إلى دار الرحمة، حيث كان التعامل صارماً أحياناً وقاسياً أحياناً أخرى. لم يكن مسموحاً لنا أن نُخبر أحداً عن ماضينا، وكان بعض المشرفين يعاملوننا بعنف. كل شيء كان مخيفاً". وتضيف: "عندما خرجنا في النهاية، عدنا إلى عائلتنا في الرحيبة، لكننا عدنا غرباء. محمد تغير كثيراً، صار صامتاً وحذراً، وكأن جزءاً من طفولته بقي في ذلك المكان المغلق".
تتحدّث ريلاس عن لبانة، أصغر إخوتها، التي خرجت قبل أشهر إلى عائلتها وهي لا تزال تحت صدمة التجربة. "لبانة تغيرت كثيراً... لم تعد تلك الطفلة التي كانت تضحك طوال الوقت. أصبحت صامتة، تنظر حولها بحذر، وكأنها ما زالت في الدار".
لم تكن قصص الأطفال الآخرين أقل قسوة. دخل بعضهم دور الرعاية وهم من دون أي وثائق رسمية، معظمهم من خلفيات معتقلة أو مجهولو النسب، من دون السماح لهم بالاطلاع على أي ملفّات تثبت هويتهم الأصلية. هناك تعرض هؤلاء الأطفال للضرب والإذلال وحرمان من الطعام، وأحياناً اعتداءات جنسية، بينما فقد آخرون هويتهم بالكامل، وتم تغيير أسمائهم رسمياً، حتى صاروا غرباء عن أنفسهم وأسرهم. بعض الأطفال اختفوا تماماً دون معرفة مصيرهم، تاركين أثراً نفسياً عميقاً في من تبقى.

... في ريف دمشق  بالقلمون، كانت سارة وعائشة وزهراء البدوي صغار السن حين دهمت قوات الأمن منزل عائلتهم، وتم اعتقال الأسرة بالكامل. نُقل الأطفال إلى "دار الرحمة"، حيث عاشوا سنوات تحت إشراف أمني صارم، مع تغيير أسماء بعضهم ومنع أي تواصل مع والديهم. اليوم، بعد جهود كبيرة، عادت الأخوات إلى حضن والدتهن وإخوتهن، لكن السنوات الضائعة تركت أثرها. وجرى تزويج الفتاتين سارة وعائشة، في مناسبة تحمل بين فرحها الحزن والذكريات المؤلمة، بينما تواصل زهراء استعادة حياتها الطبيعية بعد الطفولة المسروقة.
تروي والدة الأخوات الثلاث لـ "سورية الجديدة": "لم أستطع أن أرى أطفالي، وكانوا خائفين، صامتين، وكأن جزءاً من طفولتهم اختفى. كانوا يتساءلون دائماً عن المنزل، لكن لم يكن بمقدور أحد إعطاؤهم إجابات واضحة". تكمل الأم: "عندما رأيت أطفالي مجدّدا، شعرتُ بأن جزءاً من حياتنا قد عاد، لكننا نعلم أن سنواتهم الماضية لا يمكن أن تُستعاد. ما حصل لهم لم يكن مجرد فقدان منزل أو حرية، بل فقدان طفولة بأكملها".
بالنسبة للعائلة، يظل الأمل في أن تكون السنوات القادمة مختلفة، وأن تتيح لهم حياة طبيعية، حرة من آثار الماضي المرير، مع استمرار متابعة اللجنة الخاصة لمصير الأطفال المفقودين لضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات مستقبلاً.

دور الرحمة ولحن الحياة: شبكة الإخفاء

كشفت التحقيقات أن الإخفاء لم يكن عشوائياً، بل شبكة محكمة بين الأجهزة الأمنية، وزارة الشؤون الاجتماعية، وإدارات الدور الخيرية، بعض الجمعيات الدولية، وحتى منازل الضباط. الهدف النهائي كان الإخفاء التام ومنح الأطفال هويات جديدة وقطع صلتهم بعائلاتهم.
مصدر رفض ذكر اسمه بحكم عمله السابق في المخابرات الجوية، شرح التسلسل الذي كان يتبعه النظام في التعامل مع الأطفال، مشيراً إلى أربع مراحل متتابعة  في المرحلة الأولى، كان اعتقال الأطفال يتم على يد أحد أفرع الأجهزة الأمنية السابقة، مثل المخابرات الجوية، المخابرات العسكرية، والمخابرات العامة فرع 250، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التحفظ على الأطفال لاستخدامهم في عمليات تبادل، حيث يحيل رؤساء الأفرع الأطفال إلى إدارات محلية، مثل محافظة دمشق وريفها. بعد ذلك، تأتي المرحلة الثالثة التي تشمل توقيع المحافظ على إحالة الأطفال إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والتي بدورها تحيلهم إلى المديريات المختصّة، مثل مديرية السياسات الاجتماعية، ومديرية الخدمات الاجتماعية، ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق. أما المرحلة الرابعة والأخيرة، فتتولى فيها الوزارة البحث عن أماكن للاحتفاظ بالأطفال من خلال التنسيق مع الجمعيات والمنظمات ودور الرعاية، من بينها دار الرحمة للأيتام، مجمع "لحن الحياة" لرعاية الأطفال مجهولي النسب، جمعية "قرى الأطفال – SOS"، وجمعية المبرة النسائية.

ميس عجيب: "كان يتم على صيغة إيداعات أمنية لمصلحة الأفرع الأمنية، وأن أسماء الأسد كانت المشرفة المباشرة على الملف"

وأفاد المصدر بأن هذه الآلية كانت منظّمة وذات تسلسل واضح، لكنها، في الوقت نفسه، كانت تخضع لسرّية شديدة، ما جعل تعقب الأطفال وإعادة لم شملهم لاحقاً مهمة معقدة وصعبة للعائلات والسلطات على حد سواء. وأضاف المصدر الذي رفض ذكر اسمه أن اعتقال الأطفال كان لا يتم إلا في حال كانت الأم معتقلة، بينما إذا كان الأب هو المعتقل، فلم يتم اقتياد الأطفال، تاركين إياهم ضمن أسرهم. وأوضح أن الأطفال كان يتم توزيعهم بحسب أعمارهم، بحيث يُفصل الرضع عن الأطفال الأكبر سناً، فالأطفال دون سن العاشرة يتم التعامل معهم بطريقة مختلفة عن الأطفال الأكبر سناً، سواء في مرحلة الاحتجاز أو النقل إلى دور الرعاية، بما يضمن سير العملية ضمن الآلية المعتمدة من النظام سابقاً.
كانت "دار الرحمة" في حي ركن الدين بدمشق مجرد اسم ضمن عشرات دور الأيتام المنتشرة في سورية، حتى كشفت تقارير حقوقية وإعلامية العام الماضي عن وجود أطفال معتقلين سابقين داخلها، جرى إخفاء هوياتهم بقرارات رسمية صادرة عن وزارات ومحافظات، بعضها حمل توقيعات وزراء ومحافظين وأمنيين. حيث قالت براءة الأيوبي، وهي مسؤولة سابقة في جمعية دار الرحمة لـ"سورية الجديدة" إن حجب المعلومات عن الأطفال كان يهدف إلى حمايتهم من ذويهم، وأن "الأهالي الذين كانوا يبحثون عن أبنائهم كانوا يُنصحون بالذهاب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للاستفسار والتأكد. كنا نمنحهم نوعاً من الطمأنينة، لكن دون تقديم معلومات مثبتة، فالمسؤولية الأساسية كانت على الوزارة في الرد وتحديد مكان وجود الأطفال". وأضافت الأيوبي أن عملية نقل الأطفال إلى الجمعية "كانت تتم بناءً على كتب رسمية صادرة عن الجهات الأمنية، ثم تُحال قضاياهم إلى الوزارة، إلا أن الأهالي لم يحصلوا على معلومات واضحة حول مصير أطفالهم". وأوضحت أن الزيارات كانت مقيدة بشدة، إذ "لم يكن يُسمح للأهالي بزيارة الأطفال إلا بكتاب رسمي صادر عن الوزارة، وذلك حرصاً على أمن الأطفال وسلامتهم". مبينة أنه جرى في يناير/ كانون الثاني الماضي تسليم قرابة مائة طفل إلى ذويهم، بعد سنوات من الإخفاء، بالتنسيق مع جمعيات خيرية ومنظمات حقوقية. لكن أحداً قبل هذا الإعلان لم يكن يعرف عدد الأطفال أو هوياتهم أو حتى مصيرهم، إذ كانت ملفاتهم مُصنّفة "سرية للغاية"، ضمن قرارات رسمية صدرت عن وزارات ومحافظات مختلفة.
وفي سياق متصل، أفادت مديرة دار "لحن الحياة"، ميس عجيب، بأن استقبال الأطفال كان يتم على صيغة إيداعات أمنية لمصلحة الأفرع الأمنية، وأن أسماء الأسد كانت المشرفة المباشرة على الملف. وقالت: "كنّا نتلقّى الأطفال بشكل مفاجئ، من دون معرفة خلفياتهم أو أسباب فصلهم عن أسرهم. كان يتم تسجيلهم بأسماء جديدة، ويتم تغيير هوياتهم بالكامل"، مشيرة إلى أن العملية كانت منظّمة ومنسقة بين الأجهزة الأمنية ووزارة الشؤون الاجتماعية، وتهدف إلى فصل الأطفال عن أسرهم ومنع أي تتبع لهم أو إعادة لم شملهم مستقبلاً. وأشارت إلى أن جمعية "قرى الأطفال – SOS" كانت تستقبل الأطفال من دون وثائق رسمية منذ بداية الحرب وحتى عام 2019، وكانت تحاول خلال تلك الفترة إعادة الأطفال إلى السلطات ومنع استقبال حالات جديدة من دون أوراق، لكنها وجدت نفسها مضطرّة أحيانًا للتعامل مع حالات استثنائية بسبب الأوامر الرسمية. و"كان هدف السلطات في النهاية إنشاء هوية جديدة لكل طفل، بحيث يصبح من الصعب على أي أحد معرفة أصله أو العثور على أسرته"، بحسب ميس.
وقد اتخذت الجمعية في عام 2018 قراراً بوقف استقبال الأطفال من دون وثائق رسمية بعد مراجعة داخلية دقيقة، وأكّدت أنها تعمل اليوم على إعادة تتبع الأطفال الذين تم استقبالهم سابقاً من دون أوراق، والتعاون مع السلطات لإعادة لم شملهم مع أسرهم. وقد دعت ميس عجيب جميع منظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية إلى التعاون مع اللجنة الخاصة لمتابعة مصير الأطفال المفقودين، معتبرة أن الشفافية والمصداقية والعمل الجماعي هما السبيل الوحيد لتحقيق العدالة للأطفال الذين فقدوا سنوات من طفولتهم.

وفق مصادر قضائية مطلعة، تم توجيه استدعاءات وتوقيفات لكبار المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والإدارات التابعة لها

لجنة متابعة

أصدرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات قراراً بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة مصير آلاف الأطفال المفقودين. ضمّت ممثلين عن وزارات الشؤون، الداخلية، العدل، والأوقاف، وقال الناطق الرسمي للجنة متابعة مصير الأطفال المفقودين، سامر القربي: "اللجنة تعمل وفق توجيه مباشر من النائب العام لملاحقة جميع المسؤولين والمتورّطين في ملف إخفاء الأطفال خلال عهد النظام السابق. مهمتنا ليست فقط كشف أسماء الأطفال ومعرفة أماكن وجودهم، بل أيضاً ضمان حقوقهم القانونية وتعويضهم عن سنوات فقدان الطفولة التي عاشوها بعيداً عن أسرهم".
وأضاف: "نعمل على مدار الساعة، وبدأنا بجمع كل الوثائق والمعلومات المتوفرة من الدور الخيرية والجمعيات المحلية والدولية للوصول إلى صورة دقيقة عن مصير كل طفل. ندعو كل من يملك أي معلومة، مهما كانت صغيرة، إلى التعاون معنا فوراً. كل معلومة قد تكون مفتاحاً لإعادة الأطفال إلى عائلاتهم أو لمعرفة الحقيقة كاملة". وتابع القربي:"نحن نعلم أن هذه القضية مؤلمة ومعقدة، وتستغرق وقتاً، لكنها أولوية قصوى بالنسبة لنا. الهدف ليس فقط التحقيق والمحاسبة، بل إعادة الأمان والحياة لهؤلاء الأطفال الذين حُرموا من أبسط حقوقهم في الطفولة والتعليم والأسرة. هذه قضية مسؤولية جماعية، وسنعمل على تصحيح هذا الظلم التاريخي وتأمين مستقبل أفضل لهم".

وزارة الشؤون الاجتماعية: جهود متواصلة

قال مدير المديرية القانونية في وزارة الشؤون الاجتماعية، أحمد القاسم، أن الوزارة "تتابع ملف الأطفال المفقودين من أبناء المعتقلين وتضع جلّ جهدها للوصول إلى مصيرهم، فهم أبناء من شارك في تحرير سورية، وما زال البحث عن الوثائق والأدلة بالتنسيق مع الجهات الأمنية المختصة مستمراً، وسيتم اتخاذ الإجراءات المناسبة من الجهات المختصة". وقال إن "العمل جارٍ للتحقق من العدد الفعلي للأطفال المفقودين وتحديد مصيرهم". ووفق مصادر قضائية مطلعة، جرى توجيه استدعاءات وتوقيفات لكبار المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والإدارات التابعة لها، إضافة إلى بعض الجمعيات الخيرية، ضمن مسعى لكشف كامل شبكة الإخفاء وتحديد مصير الأطفال الذين جرى تغيير هوياتهم. وشملت حملة التوقيف كنده الشماط وريما القادري، وزيرتي الشؤون الاجتماعية والعمل السابقتين، وهما مسؤولتان عن إصدار أوامر الإيداع الأمني للأطفال؛ وكذلك فداء الفندي، هنادي الخيمي، ولمى الصواف، إداريات سابقات في مجمع "لحن الحياة"، زرنا البابا ولمى البابا، مديرتي "جمعية المبرّة لكفالة الأيتام"، اللتين تورّطتا في استقبال الأطفال وفق الأوامر الأمنية من دون أي مستندات رسمية. وجرى استثناء المديرة الحالية لمجمع "لحن الحياة" من التوقيف لعدم وجود شبهات، واُستُعين بها شاهدة رئيسية في التحقيقات.
تفيد المصادر القضائية بأن عدد القضايا المفتوحة حالياً تتعلق بما يزيد عن 500 طفل مفقود، موزّعين على عدّة ملفات قضائية، بعضها مرتبط مباشرة بالاختفاء القسري، وبعضها الآخر بجرائم التزوير وتغيير الهوية. وأضافت المصادر إن التحقيقات تتطلب مراجعة آلاف الملفات القديمة، مقابلة عشرات الأطفال الذين نجوا من الإخفاء، والتأكد من صحة شهاداتهم، إضافة إلى التدقيق في الوثائق المزورة والقيود التي استحدثت للأطفال.
وتتراوح العقوبات المحتملة بين السجن مدداً تصل إلى 15 سنة، والغرامات المالية، إضافة إلى العقوبات الإدارية والفصل من الوظيفة، مع إمكانية تحميل المسؤولين المدنيين أو الإداريين تبعات قانونية إضافية عن كل طفل ثبت تعرّضه للانتهاك أو الإخفاء القسري. كما تشمل الإجراءاتُ جمع الأدلة، استدعاء الشهود، تحرّي ظروف كل حالة بشكل منفصل، وإعادة المطابقة بين أسماء الأطفال الجديدة والقديمة، وإعداد قاعدة بيانات دقيقة لكل طفل مفقود لتكون مرجعاً رسمياً لإعادة الحقوق وتعويض العائلات.

لا يقتصر ما كشفته هذه التحقيقات على مجرد اختفاء الأطفال أو تغيير هوياتهم، بل يرسم صورة صادمة عن طفولة مسروقة وإرث طويل من الانتهاكات النفسية والاجتماعية

إعادة الأطفال ومسؤولية الدولة

مع إعادة الأطفال، بينهم محمّد وإخوته، إلى ذويهم، بدأ فصل جديد من حياتهم، لكنه مليء بالتحديات. فرغم فرحة العودة إلى البيت، تظل آثار السنين الضائعة واضحة على سلوكهم ونظرتهم إلى الحياة. توضح ريلاس الكشك: "عندما عدنا، شعرت أننا غرباء في بيتنا، طفولتنا لم تعد معنا. محمد صمت وكأنه يحمل كل ما مرّ به معنا. لا شيء يمكن أن يعيد السنوات الضائعة، لكن عودتنا أمل جديد". ويؤكّد سامر القربي أن اللجنة لا تتوقف عند إعادة الأطفال، بل تركز على ضمان حقوقهم القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة الحقوق المفقودة خلال سنوات الإخفاء.
ولا تزال ملفات الإخفاء مفتوحة، والتحقيقات جارية على أكثر من صعيد. اللجنة الخاصة تعمل على مراجعة آلاف الوثائق القديمة، التواصل مع الجمعيات ودور الرعاية، ومقابلة الأطفال الذين نجوا من الإخفاء، لتحديد مصير كل طفل بدقة. بعض الأطفال، مثل محمّد الكشك وإخوته، عادوا إلى أسرهم، بينما يواصل آخرون مثل سارة وعائشة وزهراء البدوي إعادة بناء حياتهم بعد سنين ضائعة خلف الجدران، وسط رحلة طويلة نحو العدالة والشفافية.

ولا يقتصر ما كشفته هذه التحقيقات على مجرد اختفاء الأطفال أو تغيير هوياتهم، بل يرسم صورة صادمة عن طفولة مسروقة وإرث طويل من الانتهاكات النفسية والاجتماعية. الأطفال الذين عاشوا بين زنازين السجون ودور الرعاية المحكومة بأوامر أمنية لم يفقدوا فقط سنوات حياتهم، بل فُصلوا عن جذورهم، عن أسرهم، وعن إحساسهم بالهوية والانتماء.
تشير الأرقام الرسمية والإحصاءات الأولية التي جمعتها اللجنة الخاصة إلى آلاف الحالات، لكنها لا تعكس سوى جزء من الواقع المأساوي الذي عاشه أكثر من جيل كامل تحت قبضة أجهزة الدولة والجمعيات الخيرية المهيكلة أمنياً. مع كل شهادة، تتجلى مسؤولية الدولة عن الانتهاكات، سواء من خلال الإجراءات المباشرة للأجهزة الأمنية، أو عبر القصور في الرقابة، أو عبر الغموض الذي أحاط بمصير هؤلاء الأطفال لسنوات طويلة.
اليوم، مع إعادة بعض الأطفال إلى ذويهم، تبرُز التحدّيات الجديدة: إعادة بناء حياة، استعادة الثقة، تقديم الدعم النفسي، وضمان الحقوق القانونية. لكن الطريق نحو العدالة لا يقتصر على إعادة الأطفال فحسب، بل يمتد إلى محاسبة كل من تورّط في عمليات الإخفاء، ووضع آليات تمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.
تمثل القضية اختباراً لمصداقية النظام الجديد في مواجهة إرث الانتهاكات، ولقدرة المجتمع المدني والهيئات الدولية على التعاون لإعادة الحقوق المفقودة وإعادة الأمان إلى جيل ضاع نصفه خلف جدران غير مرئية. فالعدالة هنا ليست مجرّد حكم قضائي، بل عملية استعادة إنسانية شاملة لكل طفل فقد طفولته، ولكل أسرة انتُزعت منها فلذات أكبادها، وللذاكرة الوطنية التي تحتاج إلى تصحيح أخطاء الماضي من أجل مستقبل أكثر أماناً وشفافية.

ليس الأسد وحده

استخدم كل مجرمي التاريخ الأطفال سلاحاً في حروبهم القذرة، ليس فقط بوصفهم ضحايا مباشرين للعمليات العسكرية، بل أيضاً باستهدافهم بشكل مباشر، وبطرق مختلفة، أخطرها انتزاعهم من بيئاتهم الأصلية، وطمس هوياتهم. وقد استخدم نظام الأسد أطفال المعتقلين أداة حرب للضغط على آبائهم، وعلى بيئاتهم بكاملها، فنقلهم إلى مؤسّساتٍ يفترض بها أن تكون إنسانية وتمارس دوراً اجتماعياً برعاية الأيتام، وحوّلها إلى مراكز أشبه ما تكون بمعتقلات وفروع مخابرات، يضيع فيها الطفل وتتغير هويته، لمنعه من المطالبة بحق أهله حين يكبر، باستخدام أسوأ طريقة في العالم: سلبه الحق في معرفة من هو. 

تم توثيق أكثر من 315,000 انتهاك جسيم ضد الأطفال في أكثر من 30 نزاعًاً في العالم بين 2005 و2022

وفي زمن الحروب، تُعدّ حالات الإخفاء الجماعي للأطفال من أكثر الجرائم المروّعة التي تُرتكب بحقّ الفئات الأضعف في المجتمع، وقد تكرّرت هذه الحالات عبر التاريخ في سياقات متعددة. ففي الحرب الأهلية الإسبانية (1936 -1939) تم تهجير آلاف الأطفال من مناطق النزاع، وأُرسل بعضهم إلى دول أخرى مثل الاتحاد السوفييتي وفرنسا. وكثير منهم لم يُعادوا إلى أسرهم، وظلوا مجهولي المصير أو تبنّتهم عائلات أجنبية. وفي الحرب العالمية الثانية، خُطف الأطفال، وأُرسلوا إلى معسكرات الاعتقال أو أُخفوا قسرًا. وفي ألمانيا، نُفذت برامج مثل "ليبنسبورن" التي هدفت إلى اختطاف الأطفال ذوي السمات "الآرية" من الدول المحتلة وضمّهم إلى المجتمع الألماني. في رواندا في أثناء الإبادة الجماعية، انفصل عشرات الآلاف من الأطفال عن أسرهم. وأطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملية ضخمة لتسجيل الأطفال غير المصحوبين، وتم لمّ شمل أكثر من 48 ألف طفل بأسرهم بين عامي 1994 و1998. وفقًا لتقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) والأمم المتحدة نفسها، تم توثيق أكثر من 315,000 انتهاك جسيم ضد الأطفال في أكثر من 30 نزاعًاً في العالم بين عامي 2005 و2022، منها: اختطاف أكثر من 32,000 طفل. تجنيد أكثر من 105,000 طفل قسرياً في جماعات مسلحة. تعرض أكثر من 16 ألف طفل للعنف الجنسي. هجمات على المدارس والمستشفيات تجاوزت 16 ألف حالة.  تغيير هوية الأطفال في زمن الحروب يُعد من أخطر أشكال الانتهاكات، حيث لا يقتصر الأمر على الإخفاء أو التهجير، بل يمتد إلى طمس الهوية الأصلية للطفل لأغراض سياسية أو عرقية، ونزع الطفل من بيئته الأصلية (أسرته، ثقافته، دينه، لغته)، ثم إعادة تشكيل هويته بما يتوافق مع أهداف الطرف المسيطر، سواء كانت دولة أو جماعة مسلحة. يشمل ذلك تغيير الاسم والكنية. تغيير اللغة أو الدين. إدماج الطفل في ثقافة جديدة. محو أي أثر للهوية الأصلية. وبحسب دراسة نفسية متخصّصة، فإن الأطفال الذين يتعرضون لتغيير الهوية يعانون من اضطراباتٍ في الهوية الذاتية. ومشكلات في الانتماء والشعور بالانفصال عن الذات والمجتمع. وصدمات نفسية طويلة الأمد، خصوصاً عند اكتشاف الحقيقة لاحقاً. وصراعات داخلية بين الهوية المفروضة والهوية الأصلية. وتعمل منظمات، مثل يونيسف والصليب الأحمر على توثيق الحالات ومحاولة لمّ شمل الأطفال بأسرهم.  وقد أقرّت بعض الدول قوانين لإعادة الهوية الأصلية للأطفال المختطفين، لكن التنفيذ غالباً ما يكون بطيئاً ومعقّداً.

المساهمون