أين تقع فلسطين, وما هي القضية الفلسطينية؟

31 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:57 (توقيت القدس)
لافتة "فلسطين الحرة" في تظاهرة مؤيدة لفلسطين، برلين 2026/7/18 (فاسيلي كريستيانينوف/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في القرن الثامن عشر، ظهرت الدولة الوطنية الحديثة في أوروبا، مما أثر على الفلسطينيين الذين سعوا للاعتراف بدولتهم وحدودها، لكنهم واجهوا تحديات بسبب تعقيدات الاعتراف الدولي والسياسات الاستعمارية.

- الفلسطينيون لم يحققوا الاعتراف الدولي الكامل بدولتهم، مما جعلهم عرضة للابتزاز السياسي وأدى إلى انقسامات داخلية، بينما استمر الاحتلال في استغلال هذه الانقسامات لتعزيز سيطرته.

- السرديات الدينية والتاريخية لعبت دوراً في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث استخدمت الصهيونية السردية الدينية لتبرير إقامة إسرائيل، بينما يركز الفلسطينيون على حقوقهم في العودة والعيش بكرامة.

في القرن الثامن عشر، وضعت أوروبا نموذج الدولة الوطنية الحديثة، وتلتها الولايات المتّحدة، وصار الفرد ملزماً بالمواطنة. حدث ما سماه فوكو عملية "الترقيم المتسلسل والتوزيع المكاني" للأفراد، وصارت الجنسية أو بطاقة الهوية دليل انتماء الفرد؛ أو صار الانتماء بحاجةٍ لورقةٍ ثبوتية تمر عبر ما اخترعناه، وهو الدولة الوطنية والمواطنة. وهذا موضوعٌ تناولته أعمالٌ كثيرة، من النظرية الويستفالية والواقعية السياسية، وصولاً إلى مقارباتٍ نقدية كما عند حنا آردنت وميشال فوكو وبندكت أندرسون وجورجيو أغامبين وغيرهم.

إثر سقوط الإمبراطورية العثمانية وتشكُّل ما يسمى بالدولة الوطنية الحديثة، عبر اتّفاقياتٍ بين القوى الاستعمارية الأوروبية وبالعمل مع متعاونين محليين في معظم الأحيان، كان جلّ ما يسعى إليه شعبٌ ليكون مواطناً في دولةٍ، هو حدودٌ جغرافية واعترافٌ بدولتهم ثمّ “استقلالهم".

تناول البروفيسور نزيه أيوبي في كتابه الهام Over-Stating the Arab State أو "تضخيم الدولة العربية" هذه المرحلة، مجادلاً بأنّ العرب اتّجهوا، في محاكاة نموذج الدولة الوطنية الأوروبية، نحو الهياكل لا نحو الدولة بمفهومها الحيّ. إذ أفرطوا في بناء المؤسسات والبيروقراطية حتّى تضخّمت الدولة مؤسساتٍ وضعفت بناءً. وكذا فعل الفلسطينيون، لكن من دون دولة.

كان الفلسطينيون شعباً ولغةً وأرضاً وبلداً وامتداداً طبيعياً لنسيجٍ ثقافي واجتماعي في محيطٍ إقليمي، لكن لم يكونوا مواطنين، ولا كانت فلسطين دولةً بالمفهوم الأوروبيّ الحديث؛ إلّا في مرحلةٍ قصيرة. كانت العقدة إذاً هي الاعتراف، وليس الوجود، أي الاعتراف بالوجود. وصدّق أو لا تصدّق، أنّ الفلسطينيين مضوا لأجل نيل الاعتراف وناضلوا وضحّوا وتنازلوا، حتّى انحسر وجودهم، ولم يعد أحدنا يعرف من يجب أن يوجد أولا، فلسطين أم الفلسطينيون، وبالتالي أين صارت تقع فلسطين؟

بقيت فلسطين نتيجةً طبيعية ينتجها ويعيد إنتاجها سكّانها ومحيطها الذي عرفها ويُعرّفها "فلسطين"، حضارةً ولغةً وثقافةً وأدياناً وروابط تاريخية مع المحيط تجعل منها امتداداً طبيعياً له، لا مصطنعاً محمياً بسلاحٍ وجدار وقبّة ومناطق عازلة

إذا كان الاعتراف هو ما ينقص الفلسطينيين، فقد استولت فكرة الدولة الوطنية بمفهومها الحديث -أرضاً وحدوداً وعلماً ونشيداً وطنياً وجيشاً وزعيماً- على بوصلة النضال الفلسطيني. إذ صارت حدود فلسطين هي حدود ما يُعترف به بأنه فلسطين، وصار النضال موجَّهاً للاعتراف أكثر من أي شيءٍ آخر. وخضع الفلسطينيون لأجله لأساليب ابتزازٍ سياسي مارسها الغرب، ممثلاً أساساً في الولايات المتّحدة وأوروبا الغربية والمؤسسات الواقعة تحت تأثيرهما. تنازع الفلسطينيون على أنماط النضال واستراتيجياته، أملاً في الاعتراف، وتقسّموا؛ ويعكس تقسيم ما تبقى من الأرض الانقسام واختلاف المُعاش، الذي استثمر فيه الاحتلال أيّما استثمار.

في متاهة الاعتراف وطريق آلامه، واجهت فلسطين وواجه الفلسطينيون أنماط ابتزازٍ ومغالطاتٍ، وقدراً من الأخطاء الذاتية؛ حتّى نكون منصفين، تمثّل في سردياتٍ أو مسارات عبثية لمنح فلسطين الدولة شرعيةً وحقاً في الوجود. يستعرض المقال تالياً بضعة أمثلة على تلك المسارات، ويبيّن عبثية المضي فيها من حيث الجدوى.

السردية الدينية والأرض الموعودة

جُرّت فلسطين إلى نزاعٍ ديني خُلط فيه التاريخي بالميثيولوجيّ بالديموغرافي خلطاً متعمّداً. استندت الصهيونية إلى واحدةٍ من أشد مظالم العصر الحديث؛ الهولوكوست. لكنها لم تكن كافيةً لحشد اليهود من بقاع الأرض كافةً، بحكم اختلاف تجاربهم، فعمدت إلى الرواية التوراتية. في الصهيونية، لم يكن الأمر تعاقباً تاريخياً لحكمٍ على حكم، إنّما استبدال شعبٍ بشعب: شعبٍ موعود وشعبٍ غير موعود.

انخرط طيفٌ من المثقفين والمؤرخين في هذا النزاع، كما انخرط باحثون في علم الآثار ينقبون عن آثار "الوعد". رغم أنّ الذي مضى بالوعد ليصير مشروعاً سياسياً لم يكن ليزيد عزمه؛ أو يثنيه، فالمشروع كان الدولة اليهودية والباقي مغذّيات. وقد زاد الانخراط العربي، الإسلامي، الفلسطيني في هذه "اللعبة" استدعاء سرديةٍ دينية مقابلة تقول بأن هذه الأرض أورثها الله للمسلمين، وحضور الفلسطينيين من المسيحيين واليهود "أقليّة" يؤكّد سردية التعاقب الديني وشرعيته.

عبر الانخراط في هذه المعركة، أصبح الفلسطيني الساكن بيته، العامل في بيارته في مواجهة صراع الأسطورة/القصص الدينية الّتي يقول بعضها "غادر"، والأخرى "الله أورثك الأرض". في حين أن الفاصل في القضية كلّها هو أناسٌ أُخرجوا من ديارهم، وانتُزعوا بالدم من بيئتهم، ونُثروا هم وأبناؤهم نثر التراب في مخيّماتٍ هنا وهناك وتُركوا حتّى تحلّ المشكلة نفسها بنفسها. لكنّ هذا لم يحدث. ولأنّ الناس بقوا، بقيت فلسطين؛ واقعاً وفكرةً وسؤالاً.

هل يعني هذا أنّ العقائد ليست عاملاً هاماً في النضال؟ بلى، هي هامّةٌ لأنّها معتقدات السكان الأصليين، ودالّةٌ على الرابط الثقافي والتاريخي والاجتماعي المشترك. الدين يحضر في الصراع لاعتقاد الناس به، لكن ليس هو ما يحدد جوهر الصراع، ولا يمنح أحد طرفيه أفضليةً على الآخر. الأفضلية الدينية/التفوّق اليهودي هو جوهر الصهيونية وعلّة عللها، وقد يكون سبب تفككها ذاتياً.

السردية التاريخية

ينصف التاريخ فلسطين حضوراً وتعاقباً، إذ تحضر باسمها في النقوش المصرية القديمة، وفي مصادر آشورية ويونانية ورومانية وبيزنطية، ثمّ فلسطين العثمانية فالانتداب فالاحتلال. والجدل حول تعاقب هذه الأسماء ليس عديم الفائدة، بل مهمٌّ خصوصاً من حيث تفكيك الصلة المدّعاة بين اليهودية والصهيونية، لكنّه مرّةً أخرى ليس جوهر القضية.

بالتأمّل، فإنّ الثابت في المعادلة كان البشر (من دون نفي الهجرة من البلاد وإليها) مع تحولٍ ومرونة في الحدود تمدداً وانكماشاً كما كان الحال قبل تشكل الدولة الوطنية الحديثة، وتحوّلٍ في القوى الّتي بسطت نفوذها على المنطقة. إنّ الثابت إذاً هو البشر بالأساس، فهم الضامن الأهم لحضور فلسطين بالنظر إلى حركة التاريخ.

إذا كان الاعتراف هو ما ينقص الفلسطينيين، فقد استولت فكرة الدولة الوطنية بمفهومها الحديث -أرضاً وحدوداً وعلماً ونشيداً وطنياً وجيشاً وزعيماً- على بوصلة النضال الفلسطيني

إن كان ثمّة ما يمكن استخلاصه، فهو أنّ فلسطين الإطار لم تفقد حضورها، لأنّ تعاقب الإدارات والحضارات لم يعنِ استبدال الشعب. فبقيت فلسطين نتيجةً طبيعية ينتجها ويعيد إنتاجها سكّانها ومحيطها الذي عرفها ويُعرّفها "فلسطين"، حضارةً ولغةً وثقافةً وأدياناً وروابط تاريخية مع المحيط تجعل منها امتداداً طبيعياً له، لا مصطنعاً محمياً بسلاحٍ وجدار وقبّة ومناطق عازلة. لذلك فإنّ الانشغال بمطاردة الإطار مع إغفال الصورة عبث محض.

إنّ انقطاع هذا الحضور المتواصل أو مقاطعته عبر التطهير العرقي والإبادة وتغيير الواقع الديموغرافي على الأرض خلق "حاجةً" لابتكار إطارٍ جديد أُعلن على إثره قيام الدولة العبرية. ولم يكن الإطار العام المتمثّل في قرارات الأمم المتّحدة والاعترافات الّتي تلتها كافياً لوقف التطهير العرقي وتغيير الواقع المستمر، لأنّ الإطار لا يحمي الوجود بالضرورة. العكس، مرّةً أخرى، هو الصحيح.

المظالم التاريخية / السردية الإنسانية

رغم اتّكاء السردية الصهيونية في قيام دولتها على المحرقة 1933-1945م، إلّا أنها لم تكن المحرك الأول لفكرة قيام الدولة اليهودية، إنّما "المسألة اليهودية" المتعلقة باندماجهم مواطنين في أوروبا وتصاعد العداء نحوهم، مع صعود خطابٍ قومي عنصري. لذلك فالمسألة أقدم وأعقد من الهولوكوست الّتي جاءت نتيجةً فظيعةً لمشكلةٍ أكبر. وقد اعتقد الأوروبيون؛ وجمعٌ من النخب اليهودية الأوروبية، أنّ حلّها سيكون من خلال قيام دولةٍ يهودية في فلسطين، عبر ما سمي بوعد بلفور 1917.

أيا كان جوهر النية، فإن السرديّة الّتي زُرعت إسرائيل في أرضيتها وبنت عليها استقبال المزاج العام الغربي لها؛ وتمرير جرائمها، كانت جملة المظالم تلك، متبوعةً بشعورٍ أوروبي عميق بالذنب والعار.

فالوعي الجمعي في أميركا وأوروبا الغربية كان البئر الذي تقع فيه الجرائم المرتكبة بحقّ الشعب الفلسطيني، مهما وُثّقت وأُثبتت، لا يرجع لها صدى على صعيد الوعي العام أو القرارات السياسية. كانت عقدة الذنب ثقلاً يميل بكفّة الميزان دائماً نحو إسرائيل.

هنا ارتد خطاب "نخبٍ" من نخبنا نحو إنكار المظلمة اليهودية، كأنما إنكارها ينفي حقّ اليهود في فلسطين، وبإثباتها تصبح فلسطين جائزةً مستحقّة. مسارٌ عبثي آخر.

من هنا فإنّ التحام أجيالٍ شابة من اليهود مع النضال الفلسطيني كان من منطلق فهم ما لحق باليهود. وتحرك جنوب إفريقيا، والتحام جيلٍ شاب رافض لهيمنة رأس المال والفساد السياسي مع القضية الفلسطينية، هو أيضاً رفضٌ للظلم. إنكار المظالم غباءٌ محض، وإقرارها والالتحام بها يحرّر القضية من عقدها ويمنحها بعدها العالمي ويعيدها إلى جوهرها الإنساني.

لماذا علينا إعادة فهم فلسطين؟

لأنني لا أعتقد أنه بإمكاننا أن نجد شيئاً قبل أن نحدد بصدقٍ ما الذي نبحث عنه. هذا ليس حديثاً عن الطريق، إنما عن الوجهة والأولوية. كيف نفهم فلسطين يحدد المسار ويجنب البدد والمسارات العبثية وربما المزيد من الخسارات. فلسطين، كلها عَودَة.

ينصف التاريخ فلسطين حضوراً وتعاقباً، إذ تحضر باسمها في النقوش المصرية القديمة، وفي مصادر آشورية ويونانية ورومانية وبيزنطية، ثمّ فلسطين العثمانية فالانتداب فالاحتلال

إن عودة الناس، كلّهم، بكرامةٍ، وبقاءهم اختياراً لا حصاراً، أهم من قيام الدولة، وأهم ممن يحكم الدولة، وأهم من ألوان علمها. الفلسطينيون في أرضهم هم فلسطين، ولا شيء آخر. الاستثمار الاقتصادي في الاقتصاد الفلسطيني، من قبل فلسطينيي الشتات أنفسهم قبل الاتكاء على العرب والمسلمين، هو عين المقاومة، إلى جانب أشكال المقاومة الأخرى، لا ننفيها ولا نتنكر لدمائها. تثبيت الحضور وتجذيره بكل وسائله المباشرة وغير المباشرة في كامل تراب فلسطين التاريخية هو التحرير. أما استعادة الإطار المسمى بدولة فلسطين حسب الظاهرة الحديثة المسماة بالدولة الوطنية، فلن يحدث عبر مفاوضاتٍ على بضعة كيلومترات هنا وهناك وخطوطٍ صفر وخضر. فلسطين موجودةٌ لأن من يعتقدون بأنها فلسطين موجودون، وستوجد وتمتد بقدر ما يمتد هؤلاء على امتداد ترابها، بالتالي فهي كلها قضية عودة.