- تتباين الرؤى الإسرائيلية بين فصل السكان مع الإبقاء على السيطرة الأمنية وتعزيز المستوطنات وربطها جغرافيًا، مما يعزز السيطرة الإسرائيلية ويعيد تنظيم العلاقة بين المناطق الفلسطينية.
- يُعتبر التهجير جزءًا من الاستراتيجية الإسرائيلية لإعادة ترتيب العلاقة بين السكان والأرض، حيث تتزايد الضغوط على الفلسطينيين عبر التهجير القسري والعمليات العسكرية، مما يؤدي إلى تفريغ المساحات الفلسطينية.
تحتلّ الضفّة الغربية موقعًا مركزيًا في التفكير الإسرائيلي، لأنها تجمع بين السعي إلى السيطرة على الأرض وبين معضلة الوجود الفلسطيني. ومع تراجع فرص التسوية السياسية واستمرار التوحش الاستيطاني، انتقل الاهتمام إلى كيفية ضبط السكان وحصر العمران، والتحكم بشبكات الحركة، وترسيخ البنية الاستيطانية باعتبارها أدواتٍ لإعادة ترتيب الحيز الجغرافي.
لا تتفق الرؤى الإسرائيلية على صيغةٍ نهائية واحدة لهذا المسار؛ فبعضها يدعو إلى فصل السكان مع الإبقاء على السيطرة الأمنية، وبعضها يركز على ربط المستوطنات والكتل الاستيطانية وتعزيز امتدادها الجغرافي، فيما يطرح تيارٌ أكثر تشددًا إنهاء الوجود الفلسطيني عبر "تشجيع الهجرة". ويعكس هذا التباين خلافًا حول شكل السيطرة أكثر ما يعكس خلافًا حول ضرورتها.
تنطلق هذه المقالة من القول إن إسرائيل تسعى اليوم إلى تحقيق هذه المسارات الثلاثة، من دون أن يعني ذلك تحققها بالتوالي، أو انسحابها على الضفّة برمتها. فقد نجد أماكن تحقق فيها الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين على نحو شبه تام، وأخرى وقع فيها عزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها، وثالثة شهدت تهجيرًا داخليًا لسكانها، تمهيدًا لخلق الظروف الّتي تجعل البقاء أكثر صعوبة في بعض مناطق الضفّة الغربية.
يختلف العزل عن الفصل في وظيفته المكانية؛ فبينما يسعى الفصل إلى تقليل التداخل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يعيد العزل تنظيم العلاقة بين المناطق الفلسطينية نفسها، وبينها وبين محيطها
نحن هنا وهم هناك
لا تمثّل فكرة الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين طرحًا جديدًا، إذ تعود جذورها إلى تسعينيات القرن المنصرم مع توقيع اتّفاقيات أوسلو، حين بدأ إنشاء فصلٍ سياسي وإداري جزئي، من خلال نقل إدارة أجزاء من الحياة المدنية الفلسطينية إلى السلطة الفلسطينية، مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأمن والأرض والحركة. ثمّ أخذت الفكرة صيغةً أكثر وضوحًا في شعار إيهود باراك "نحن هنا وهم هناك"، وامتدت لاحقًا إلى بناء جدار الفصل، ومنظومة الحواجز، وصولًا إلى الانسحاب من قطاع غزّة عام 2005، الذي قدم نموذجًا للفصل مع إبقاء السيطرة الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة.
لكن عادت هذه الرؤية إلى النقاش الإسرائيلي خلال عام 2026. ففي مؤتمر هرتسيليا السنوي حذر رئيس حزب الديموقراطيين؛ يائير غولان، من أن ضمّ ملايين الفلسطينيين سيقود إسرائيل إلى واقع الدولة الواحدة، ودعا إلى الانفصال عن الفلسطينيين، وترسيم المجال الذي تريد إسرائيل الحفاظ فيه على أغلبيةٍ يهودية. وكرر الفكرة في مؤتمر الأمن القومي، حيث ربط الفصل بإزالة بعض البؤر الاستيطانية، والبدء بتحديد حدودٍ واضحة بين المجالين السكانيين. وينطلق هذا الاتجاه أساسًا من الاعتبار الديمغرافي، أي منع إدخال ملايين الفلسطينيين إلى الجسم السياسي الإسرائيلي، مع الاحتفاظ بالمصالح الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية.
كما قدّم الباحث في معهد دراسات الأمن القومي؛ أودي ديكل، في مؤتمر الأمن القومي 2026 صيغةً أكثر تحديدًا، حين دعا إلى "فصل سياسي وإقليمي وديمغرافي" عن الفلسطينيين. ويقترح تصوره منح الفلسطينيين إدارةً ذاتية في جزءٍ من الضفّة مع احتفاظ إسرائيل بحرية العمل العسكري، والسيطرة على الأرض، والترتيبات الأمنية. وهنا يتضح المقصود بالفصل في صيغته الإسرائيلية الحالية، فهو لا يعني قيام سيادتين كاملتين تفصل بينهما حدودٌ نهائية، إنّما فصل السكان، والإدارة المدنية والسياسية، مع بقاء المجال الأمني خاضعًا لإسرائيل.
هنا تكمن أهمّية هذا التصور؛ إذ أنه يعيد تعريف الفصل بوصفه أداةً لإدارة السكان والحيز الجغرافي، لا مشروعًا لإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الضفّة الغربية. فكلما تقلص الاحتكاك المدني المباشر ازدادت الحاجة إلى ترتيباتٍ مكانية تضبط حركة الفلسطينيين، وحدود توسعهم وصلاتهم بين مناطقهم. من هنا ينتقل النقاش من الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى سؤالٍ آخر، يتعلق بكيفية تنظيم التواصل الفلسطيني الداخلي ضمن فضاء تواصل إسرائيل السيطرة عليه.
ممرٌّ بلا أرض
يختلف العزل عن الفصل في وظيفته المكانية؛ فبينما يسعى الفصل إلى تقليل التداخل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يعيد العزل تنظيم العلاقة بين المناطق الفلسطينية نفسها، وبينها وبين محيطها. ولا يتطلب هذا قطع الطرق أو إغلاق المدن، إذ يستطيع الفلسطيني التنقل بين شمال الضفّة الغربية وجنوبها، في الوقت الذي تفقد فيه هذه المناطق تواصلها الجغرافي المباشر؛ أي أن الحركة تبقى متاحةً، فيما تنتقل السيطرة على المجال المحيط بها إلى الاستعمار الإسرائيلي.
يتكرر هذا المنطق في أكثر من موقعٍ في الضفّة الغربية، إذ تُستبدل مساراتٌ منفصلة تربط التجمعات ببعضها من دون أن تمنحها سيطرةً على الأرض المحيطة بها بشبكة الطرق والممرات الفلسطينية الداخلية المتصلة. ومن أبرز تجليات هذا التوجه ما جرى الإعلان عنه مطلع 2026 حول ما يُعرف بـ"طريق السيادة"، الذي يحوّل حركة الفلسطينيين إلى مسارٍ منفصل، بما يتيح إغلاق مساحاتٍ واسعة أمام حركة مركباتهم مع الإبقاء على ممرٍ خاص بالفلسطينيين. وهنا يتغير مفهوم التواصل ذاته، فلم يعد اتصال التجمعات مرهونًا بوجود مجالٍ فلسطيني متصل، وبات ممكنًا ربطها عبر ممراتٍ تمر داخل مساحةٍ تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. بهذا تتحول هذه الطرق إلى أداةٍ لإعادة توزيع المجال، تمنح الفلسطيني إمكانية العبور، وتعزز في الوقت ذاته التواصل الاستيطاني والسيطرة الإسرائيلية على الأرض المحيطة.
تكشف هذه التحولات أنّ مستقبل الضفّة الغربية يُحسم ويتكون على الأرض عبر سلسلةٍ من الوقائع الّتي تفرضها إسرائيل بيروقراطيًا وميدانيًا. ومع تراكم هذه الإجراءات، تتضاءل فرص قيام كيانٍ فلسطيني متصل وقابل للحياة
يتّسع هذا المنطق عند ربطه برؤية بتسلئيل سموتريتش للمزارع الاستيطانية والبؤر الاستيطانية المنتشرة بين التجمعات الفلسطينية، ففي مؤتمر الأمن القومي 2026 وصف المستوطنين وهذه المزارع الاستيطانية بأنهم "حزام إسرائيل الأمني"، رابطًا وجودهم بمنع وصول سيناريو شبيهٍ بأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول إلى المدن المحتلة عام 1948 مثل كفار سابا.
بذلك يتكون العزل من شبكةٍ متراكمة من المستوطنات والمزارع والطرق والممرات الاستيطانية، قد لا تمنع الفلسطيني من الوصول إلى مدينته المجاورة، لكنها تفصل حركته عن السيطرة على الأرض التي تربط بين المدينتين، فتترسخ الاستمرارية الإسرائيلية على المجال في مقابل تراجع فرص تشكّل حيزٍ فلسطيني متصل.
التهجير وصناعة البيئة الطاردة
يحتل التهجير موقعًا مركزيًا في منطق الاستعمار الاستيطاني، لأنه يتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين السكان والأرض، وتقليص حضور السكان الأصليين في المساحات الّتي يتوسع فيها المشروع الاستيطاني. ولا يتحقق ذلك دائمًا بالطرد المباشر، إذ يمكن أن يتشكل عبر ضغوطٍ متراكمة تجعل استمرار الحياة في المكان أكثر صعوبة.
ظهرت فكرة التهجير في الخطاب الإسرائيلي خلال 2026 بشكل أكثر فجاجة، حين دعا إيتمار بن غفير في مؤتمر الأمن القومي السنوي إلى "تشجيع هجرة" الفلسطينيين من قطاع غزّة والضفّة الغربية، وقدم هذا الخيار باعتباره حلًا لمستقبل الصراع. وسبقه بتسلئيل سموتريتش في فبراير/شباط من العام نفسه، حين طرح أمام أنصار حزبه تصورًا يجمع إلغاء اتّفاقيات أوسلو وفرض السيادة وتوسيع الاستيطان، مع تشجيع الهجرة في قطاع غزّة والضفّة الغربية، معتبرًا أنه لا يرى حلًا آخر على المدى الطويل.
غير أن المسافة بين خطاب الهجرة الطوعية والتهجير على الأرض تضيق عندما تتراجع قدرة الفلسطيني على الاستمرار في مكانه. وتظهر التجمعات البدوية والرعوية المثال الأكثر وضوحًا على ذلك؛ فبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تعرض أكثر من 33 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا للتهجير منذ السابع من أكتوبر 2023. ترتبط هذه العملية، بانتشار البؤر الرعوية الاستيطانية، واعتداءات المستوطنين، والسيطرة على المراعي ومصادر المياه ومنع الرعاة من الوصول إليها، وهي أدواتٌ تضرب الأساس الاقتصادي والاجتماعي الذي يسمح لهذه التجمعات بالبقاء. ويظهر مسارٌ آخر للتهجير في مخيّمات شمال الضفّة، حيث أدت العمليات العسكرية المتواصلة في جنين وطولكرم ونور شمس إلى تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من مساكنهم، وإحداث تغييرات واسعةٍ في بنية المخيّمات العمرانية وشبكات طرقها. ورغم اختلاف هذه الحالة عن تهجير التجمعات البدوية، فإنها تكشف الوجه الآخر لإعادة تشكيل الحيز الفلسطيني، فالإزاحة هنا تجري بقوّة العملية العسكرية وما يرافقها من تدميرٍ للمنازل والبنية التحتية، وإطالة أمد منع السكان من العودة. بذلك، لا يعود التهجير مرتبطًا بوسيلةٍ واحدة إذ يمكن أن يحدث تحت ضغط المستوطنين في المناطق الرعوية، أو بفعل العمليات العسكرية في المخيّمات، في حين تتقاطع النتيجتان في تفريغ مساحاتٍ فلسطينية، وإعادة ترتيب توزيع سكانها.
تزداد دلالة هذا المسار عندما يتزامن ذلك مع الأزمات المتراكمة الّتي تعيشها الضفّة الغربية، من أزمة رواتب موظفي السلطة وتراجع النشاط الاقتصادي، إلى أزمات الوقود والأدوية. لا تعني هذه الأزمات في ذاتها وجود سياسة تهجيرٍ واحدة تقف خلف كل منها، إلّا أن اجتماعها مع القيود على الحركة، وفقدان العمل، والضغط الاستيطاني، والعنف الاستعماري ينتج بيئةً تصبح فيها كلفة البقاء أعلى بكثير.
في مؤتمر هرتسيليا السنوي حذر رئيس حزب الديموقراطيين؛ يائير غولان، من أن ضمّ ملايين الفلسطينيين سيقود إسرائيل إلى واقع الدولة الواحدة، ودعا إلى الانفصال عن الفلسطينيين
من هنا يأخذ مفهوم "الترانسفير الطوعي"، والذي يتجاوز الدعوة المباشرة إلى الرحيل، إذ تتكون الطوعية داخل شروطٍ تحد من البدائل المتاحة للسكان، فيتحول التهجير من لحظة خروجٍ واضحة إلى عمليةٍ طويلة تبدأ بإضعاف القدرة على العيش والاستمرار في المكان.
تكشف هذه التحولات أنّ مستقبل الضفّة الغربية يُحسم ويتكون على الأرض عبر سلسلةٍ من الوقائع الّتي تفرضها إسرائيل بيروقراطيًا وميدانيًا. ومع تراكم هذه الإجراءات، تتضاءل فرص قيام كيانٍ فلسطيني متصل وقابل للحياة. بهذا يسبق الضمّ الفعلي الضمّ القانوني، وقد يجد أي مسارٍ تفاوضي لاحق نفسه أمام واقع مكتمل إلى حد بعيد يضيّق مسبقًا نطاق الخيارات الممكنة.