إعلام لمستقبل سورية... الصحافة في الساحل ليست فلولاً
استمع إلى الملخص
- الإعلام المحلي يُعد ركيزة أساسية للحياة المجتمعية، موفرًا منصة للحوار بين الفئات المختلفة، رغم التحديات مثل القيود الأمنية وصعوبة الحصول على المعلومات، مما يبرز الحاجة لدعم بيئة مهنية تحترم حقوق الإنسان.
- يبرز دور المجتمع المدني الإعلامي في تعزيز الشفافية والمساءلة، حيث تسعى الصحافة لرفع المسافة بين الصمت والألم، وتعمل كحارس للحرية وشاهد على كرامة الإنسان.
في حنجرة الساحل السوري، حيث تختلط تحدّيات الواقع السوري بصمود المجتمع المحلي، يواجه الصحافي/ة مهمّة أكثر تعقيداً مما قد تبدو عليه من الخارج. فالصحافي/ة هنا، بعيداً عن أن يكون مجرّد أداة بيد السلطة أو مجرّد صدى لأصوات النظام، هو صوت المجتمع الحقيقي، ومرآة همومه وآماله، وهو، في الوقت نفسه، الحلقة التي تربط بين الماضي والمستقبل. إلّا أنّ هذا الدور لا يحظى دائماً بالتقدير، إذ يُختزل أحياناً إلى تصنيفٍ ظالمٍ يصفه بأنه "فلول" النظام، في رؤية عمومية شمولية تبسط الواقع وتعطيه صورة أحادية ومغلوطة.
الصحافي في الساحل السوري سوريّ قبل كل شيء، والولاء الحقيقي لديه يكون للناس في بلده وأرضه، وليس لأيّ سلطة. فالتاريخ يعلمنا أنّ الأنظمة تتغيّر وتتبدّل، ولكن المجتمعات تبقى، تحمل بين طياتها ذاكرة الشعوب وهويتها الراسخة. لذلك على الصحافي أن يتحلّى بقيم النزاهة والحياد التي تنبني عليها مهنته.
في الساحل السوري، يُعد الإعلام المحلي أحد أركان الحياة المجتمعية، فهو ليس مجرّد ناقل للأخبار، بل منصّة للحوار والتفاهم بين مختلف الفئات
تستلهم الصحافة مسؤوليتها من مبادئ راسخة، تحثّ على تجنّب خطاب الكراهية والتمييز، والسعي المستمر نحو الحقيقة، مع تغليب المصلحة الوطنية العليا. ليست هذه المبادئ مجرّد شعارات، بل هي إطار أخلاقي ومهني يضع على عاتق الصحافي التزاماً اجتماعياً عميقاً يحمي الكرامة الإنسانية ويحترم خصوصيات الأفراد، ويدافع عن حقوق الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
لذا القول إنّ الصحافيين في الساحل السوري هم مجرّد بقايا للنظام السابق تعميم خاطئ، يعكس غياب فهمٍ دقيق للتعقيدات الحقيقية التي تواجههم. فمن جهةٍ، يواجه هؤلاء الصحافيون ضغوطاً متعدّدة من جهات السلطة التي تسعى أحياناً إلى توظيف الإعلام لخدمة أجندتها. ومن جهةٍ أخرى، هم ملتزمون تجاه مجتمعاتهم في نقل واقعهم والتعبير عن همومهم. تصنع هذه الثنائية واقعاً معقداً يتطلب من الصحافيين قدرة عالية على التوازن بين مهنية إعلامية ومسؤولية اجتماعية.
في الساحل السوري، يُعد الإعلام المحلي أحد أركان الحياة المجتمعية، فهو ليس مجرّد ناقل للأخبار، بل منصّة للحوار والتفاهم بين مختلف الفئات، خصوصاً من الشباب والنساء الذين غالباً ما يُهمشون في الخطاب العام. ومع ذلك، تواجه حرية الصحافة تحدّيات حقيقية، منها القيود الأمنية، وضيق المساحات المتاحة للتعبير المستقل، وصعوبة الحصول على المعلومات الدقيقة.
ولعل ما وثقته منظمات حقوقية في السنوات الأخيرة يكشف عمق هذه التحدّيات، فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن السلطات فرضت، في مارس/ آذار 2025، قيوداً على دخول الصحافيين ووسائل الإعلام الأجنبية إلى الساحل، في محاولة لـ"طمس أدلة". كما سجل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير وقوع أكثر من 1060 حالة إعدام خارج نطاق القانون واعتقالات تعسّفية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، وهي مناطق حاولَ الصحافيون تغطيتها رغم المخاطر. وفي السياق نفسه، وثّق الاتحاد الدولي للصحافيين 74 انتهاكاً بحق الإعلاميين عام 2023 وحده.
ليست هذه الأرقام مجرّد إحصاءات بل وجوه وحكايات: باسل السيد، الذي فقد حياته وهو يوثق الحقيقة في حمص، وعلي محمود عثمان، الذي ظلّ صامتاً خلف عدسته حتى آخر يوم في بابا عمرو، يذكّراننا بأن الصحافة هنا ليست مجرّد مهنة.
في ظل هذا الواقع المعقد، يبرز دور المجتمع المدني الإعلامي قوة فاعلة لا تكتفي بالإعلام التقليدي، بل تسعى إلى بناء فضاءات حرّة تتيح لكل الأصوات التعبير عن نفسها، وتعمل على تعزيز الشفافية والمساءلة. تعدّ هذه الفضاءات ضرورية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والإعلامي، خصوصاً بعد سنواتٍ من الانقسامات السياسية والصراعات التي أثرت على النسيج الاجتماعي.
لذا نجد أنّ دعم الصحافيين في الساحل السوري لا يجب أن يقتصر على توفير الحماية الأمنية، بل يشمل توفير بيئة مهنية تحترم حقوق الإنسان، وتكفل حرّية التعبير، وتعزّز القيم المهنية التي يقوم عليها الإعلام المسؤول. ويساهم هذا الدعم في تعزيز دور الصحافة رافداً حيويّاً في بناء مجتمع ديمقراطي مستدام، يقوم على أساس العدالة والمساواة والاحترام المتبادل.
يمشي الصحافيون في الساحل على صراط مستقيم بين الحقيقة وظلها، يواجهون الخطر ويُصغون إلى خفايا الشوارع وحكايات الناس العاديين
في الساحل السوري، يمشي الصحافيون على صراط مستقيم بين الحقيقة وظلها، يواجهون الخطر ويُصغون إلى خفايا الشوارع وحكايات الناس العاديين. قلوبهم مثقلة بالهموم، لكن أقلامهم تحمل بينَ سطورها صرخات من فقدوا، وآمال من صمدوا، وصور من بابا عمرو إلى أحياء اللاذقية وطرطوس وغاباتهما. الذين فقدوا حياتهم وهم يوثقون الحقيقة يذكروننا بأنّ الصحافة هنا ليست مجرد مهنة، بل شهادة ناطقة على وجود الإنسان وكرامته.
كل كلمة يكتبونها محاولة لرفع المسافة بين الصمت والألم، وكل صورة يلتقطونها جسر معلّق بين الماضي والحاضر، بين الخوف والأمل. وكما قال محمد الماغوط: "الوطن هو حيث يكون الإنسان حرّاً في أن يكون إنساناً". وهكذا، يصبح الصحافي/ة في سورية عموماً حارساً للحرية، صانعاً ومخلداً للذاكرة، وشاهداً على وطنٍ ينبض بأصوات الناس الذين يرفضون أن تُمحى شهادتهم.