استراتيجية الوجود في الإجماع الإسرائيلي

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:21 (توقيت القدس)
طفل فلسطيني نازح في إحدى مدارس أونروا، شمال قطاع غزة 2026/7/20 (فايز قريقع/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- منذ تأسيسها، اعتمدت إسرائيل استراتيجية "السلام عبر القوّة"، التي تركز على الردع والحسم السريع، واستمرت مع نتنياهو عبر اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية لتعزيز التفوق الاقتصادي والتكنولوجي.

- بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، تحولت إسرائيل إلى استراتيجية هجومية استباقية لتفكيك قدرات الخصوم، مما أدى إلى تغييرات جغرافية وأمنية جديدة، مع قناعة بأن القوة العارية هي السبيل الوحيد للبقاء.

- رغم الإجماع على أهمية القوة، ظهرت أصوات تشير إلى أن الاعتماد على القوة وحدها لا يحقق سلاماً مستداماً، مما يستدعي إعادة النظر في الاستراتيجية الحالية.

تثبت وقائع الماضي أن إسرائيل تبنّت استراتيجية السلام عبر القوّة، الّتي مثّلت ركيزةً أساسيةً في عقيدتها الأمنية منذ إقامتها عام 1948، عملاً بمبدأ "الجدار الحديدي" الذي صاغه زعيم اليمين الصهيوني زئيف جابوتنسكي، وتمثلت فكرته في أن العرب لن يقبلوا بوجود إسرائيل إلا عندما يدركون عجزهم عن هزيمتها عسكرياً. حينها فقط، ومن خلال "الجدار الحديدي" للقوّة العسكرية، سيتخلون عن خيار الحرب، ويتجهون إلى التفاوض من موقع الاضطرار. وهو المبدأ الذي ترجمه ديفيد بن غوريون إلى ركائز عملية لعقيدة أمنية إسرائيلية رسمية. وهذه الركائز هي الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع داخل أراضي العدو، وأضيفت إليها ركيزة الدفاع.

كما أن هذه الاستراتيجية كانت ديدن رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي بنيامين نتنياهو، ولا سيّما من خلال اتّفاقيات التطبيع الإبراهيمية، الّتي تتبنى في العمق استراتيجية السلام من خلال القوّة من جهة، والتفوّق الاقتصادي والتكنولوجي من جهة أخرى، والّتي كان شعارها في الظاهر هو "السلام مقابل السلام" والذي جاء لكي يضع حدّاً لصيغة "الأرض مقابل السلام". ويُطرح سؤال: هل ثمّة تحوّل في هذا الواقع بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؟

ما هو جليّ حتّى الآن هو أن إسرائيل انتقلت من سياسة "الاحتواء" أو الردع السلبي إلى استراتيجية هجومية استباقية، تسعى إلى تفكيك قدرات الخصوم بالكامل، وإعادة صوغ الواقع الأمني بالقوّة المباشرة، على غرار الحروب والعمليات العسكرية الممتدة في قطاع غزّة ولبنان، فضلاً عن استهداف إيران مباشرةً. 

وليس مبالغة القول إن القناعة الراسخة لدى معظم الأطياف السياسية الإسرائيلية هي أن القوّة العارية هي السبيل الوحيد للبقاء، وهي الاستراتيجية المفضلة للسلام والدفاع عن الوجود.

ومثلما خلصت دراسات وتحليلات إسرائيلية كثيرة؛ فقبل هجوم السابع من أكتوبر اعتمد المفهوم الإسرائيلي للسلام عبر القوّة على صيغة فحواها أن إسرائيل قوية تكنولوجياً وعسكرياً، وتحصّن حدودها بجدران عازلة، وتستعين بمنظومات دفاع جوي متطورة لإدارة الصراع، ولما يوصف بأنه جزّ العشب من وقت لآخر، ما يجعل جبهتها الداخلية تنعم بسلام نسبي. وهذه الصيغة جعلت نتنياهو يهجس بإمكانية القفز فوق القضية الفلسطينية، وعقد "اتّفاقيات سلام" وتطبيع مع العالم العربي؛ "اتّفاقيات أبراهام"، اعتماداً على تفوّق إسرائيل الأمني والتكنولوجي والاقتصادي.

لكن أدّى هجوم السابع من أكتوبر إلى انهيار هذا المفهوم، إذ تبيّن أن حركة حماس لم تردعها القوّة التكنولوجية ولا الجدران العازلة. وما يمكن استنتاجه حتّى الآن أن إسرائيل ما عادت تعوّل على الردع غير المباشر، وذهبت نحو منع بناء القوّة ومحاولة استئصالها عسكرياً.

في واقع الأمر فإن الرؤية التي توصلت إلى الاستنتاج بأن هجوم السابع من أكتوبر هو بمثابة دليل قاطع على أن "العرب لا يفهمون إلا لغة القوّة المطلقة"، وأن أي تسوية سياسية أو أي أمل في سلام هما أضغاث أحلام، لا تقتصر على اليمين الإسرائيلي الحاكم المتطرّف، بل تنسحب إلى أغلب أطياف الحلبة السياسية والحزبية الإسرائيلية، باستثناءات قليلة لا تؤثر جوهرياً. بيد أن اليمين الحاكم، مدعوماً من المؤسسة الأمنية، ماضٍ قدماً في الإصرار على فرض وقائع جغرافية صلبة جديدة: اقتطاع مناطق عازلة في شمال قطاع غزّة وجنوبه، والتواجد العسكري المباشر في الممرات الحيوية (محور صلاح الدين)، والسيطرة الأمنية المطلقة على الضفّة الغربية، والتدخل العسكري المباشر والمستمر في جنوب لبنان وسورية مع محاولة إنشاء "مناطق أمنية عازلة" لتأمين الحدود بالقوّة، ومن خلال التدمير والتهجير.

وليس مبالغة القول إن القناعة الراسخة لدى معظم الأطياف السياسية الإسرائيلية هي أن القوّة العارية هي السبيل الوحيد للبقاء، وهي الاستراتيجية المفضلة للسلام والدفاع عن الوجود.

داخل هذا الإجماع، لا تُخفى أصوات؛ رغم قلتها، داخل الحلبة السياسية الإسرائيلية، تشدّد على أن ما حدث في السابع من أكتوبر تسبّب بفضح وهْم أن القوّة بمفردها قادرة على هندسة سلام مستقر ومستدام من دون أثمان سياسية أو جغرافية. ودليل هذه الأصوات أن إسرائيل لا تعيش حالياً "سلاماً عبر القوّة"، بل حالة حرب واستنزاف مستمرين من دون تثبيت القوّة.