استسلام لا سلام عبر القوة

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:09 (توقيت القدس)
مستوطنون إرهابيون يشعلون النار في إحدى منازل قرية تل، نابلس 2026/7/18 (ناصر اشتية/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يكرر ترامب ونتنياهو شروطهما لوقف الانتهاكات، مطالبين باستسلام غير مشروط، مما يعكس نهج "قانون الغاب" وتجاهل مفهوم السلام الحقيقي.
- رغم وعي الشعوب بالكذبة الأمريكية الإسرائيلية، إلا أن هناك تماهياً دولياً وإقليمياً، حيث تُحمل فصائل المقاومة مسؤولية جرائم الاحتلال وتُعتبر مطالبها تعجيزية.
- تبرز الحاجة إلى تصعيد الصوت الشعبي المقاوم، مؤكداً على شرعية المقاومة ورفض المشاريع الصهيوأمريكية، والدعوة لانسحاب كامل لقوى الاحتلال لتحقيق السلام.

كرر كلّ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو، شروطهما لوقف انتهاكاتهما المتكررة للقانونين الدولي والإنساني في عدوانيهما على كلٍّ من إيران في حالة الأول، وقطاع غزّة (إلى جانب باقي الاعتداءات الصهيونية على كلٍّ من لبنان وسورية) في حالة الثاني، إذ لم يخف كلاهما بحثهما عن استسلامٍ غير مشروط للأطراف الّتي يعتدون عليها، ويعتدون على حاضنتها الاجتماعية من المدنيين العزل، من دون أي اكتراث لمدى تناقض هذا الشرط مع القانون الدولي، وعدم شرعية مطالبهما من الأساس، كما كرّرا أنهما يؤمنان بنهج فرض السلام عبر القوة، في محاولةٍ مكشوفة لإضافة مستحضرات تجميل على جرائهما، عبر ادّعائهما سعيهما للسلام عبر القوة!

هنا لا بدّ من التأكيد بدايةً أن استسلام المعتدَى عليه لم ولن يقود في أي ظرف ومكان إلى السلام، لأن مفهوم السلام ذاته لا يعبر عن وقف الأعمال العسكرية فقط (مع تضمنه ذلك طبعاً)، بل هو تعبير عن إزالة أسس العداء والصراع أينما وجدت، وعليه فهو يستند إلى حل أسس الصراع لا تجاهلها، أو سحق الطرف الأضعف فيه، ويستند إلى أسس الحق والشرعية، وفق مبادئ القانون الدولي والقانون الإنساني، وهو ما يعيدنا إلى تناقض مفهوم العدوان والاحتلال مع مفهوم السلام من حيث المبدأ والمضمون والشكل، فهو تناقض صارخ وشامل بكل تأكيد. أما مفهوم الاستسلام فهو يعني رضوخ الطرف الأضعف رضوخاً كاملاً وشاملاً للطرف الأقوى، بغض النظر عن الموقفين القانوني والأخلاقي، أي أنّه تعبيرٌ صريحٌ عما يعرف بـ"قانون الغاب" فقط لا غير.

من الغريب هنا ملاحظة مدى وعي شعوب العالم للكذبة الأميركية الصهيونية، في مقابل تماهٍ مخجل معها دولياً، على الصعيدين الغربي والإقليمي، إذ يبدو أنّ نسبةً كبيرةً من شعوب العالم؛ بما فيهم شعوب دول المعسكر الغربي، يعون جيداً أن مطالب ترامب ونتنياهو باستسلام قوى المقاومة الفلسطينية والإقليمية تنتهك القانونين الدولي والإنساني، ويعبران عن أهداف استعمارية فقط، وما ادعاء السلام؛ اللاحق على خطابيهما، إلا محض هراء.

بل وصول الأمر إلى اعتبار تمسّك فصائل المقاومة بأولوية انهاء الاحتلال شرطاً تعجيزياً بدلاً من العكس

في مقابل ذلك يتماهى النظام الدولي، بما يشمل الإقليمي منه، مع الكذبة الأميركية والصهيونية، وكأنهما حمامتا سلام، وهو ما تمثّل في ضغوط إقليمية كبيرة على فصائل المقاومة الفلسطينية والإقليمية، بدأت بضغوط إعلامية تحملها مسؤولية جرائم الاحتلال، وكأن الاحتلال ردة فعلٍ؛ لا العكس، بدأ بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، في تجاهلٍ مخزٍ لتاريخ الاحتلال الطويل منذ نكبة 1948 (بل منذ الاحتلال البريطاني)، وفي تجاهلٍ لشرعية العمل المقاوم بكل أنماطه فردياً وجماعياً.

ليس ذلك فحسب، بل وصول الأمر إلى اعتبار تمسّك فصائل المقاومة بأولوية انهاء الاحتلال شرطاً تعجيزياً بدلاً من العكس. الأمر ذاته يتكرّر اليوم في الاعتداءَين على لبنان وإيران، من خلال تحميل الأخيرَين مسؤولية الاعتداءات وتداعياتها بدلاً من العكس، بل تماهت بعض وسائل الإعلام الإقليمية مع الخطاب المضلل الأميركي رفقة نظيره الصهيوني، محملةً إيران مسؤولية استمرار العدوان الأميركي، وإغلاق مضيق هرمز، الذي مس دول العالم أجمع، بدلاً من تحميلها للطرف المعتدي، على اعتبار العدوان الأميركي- الصهيوني هو الانتهاك الأخطر للقانون الدولي، وفي تجاهلٍ لإمكانية حلّ مشكلة المضيق بعد إنهاء العدوان الصهيوأميركي غير الشرعي لا قبله.

طبعاً إنّ استراتيجية الاستسلام عبر القوة هي استراتيجية قديمة جديدة، إذ استخدمتها جلّ قوة الاستعمار القديمة في مواجهة الشعوب المستعمَرة وقواها المقاومة، وحلمت بتطويع الشعوب واستغلالها من دون أي تكلفة تذكر، وعملت على معاقبة الشعوب المستعمَرة على مقاومتها، في محاولة لتقويض المقاومة وحصارها وخنقها في حاضنتها الشعبية الصلبة، مرتكبةً إبادةً جماعية، وعقاباً جماعياً، وتطهيراً عرقياً وحصاراً غير قانوني، أي مارست الجرائم ذاتها وسعت إلى الأهداف نفسها متمثّلةً في "الاستسلام الكامل غير المشروط".

الآن وفي ظل كلٍّ من شراسة الحملة الصهيوأميركية على قوّة المقاومة كلّها، وشبه التماهي الإقليمي المطلق مع المساعي الصهيوأميركية، لا بدّ من تصعيد الصوت الشعبي الإقليمي المقاوم، عبر تأكيد على شرعية المقاومة بكل أنماطها أولاً، وعبر رفض كل المشاريع الصهيوأميركية ثانياً، وثالثاً؛ عبر التأكيد أنّ مسار السلام واضح وبسيط، ولا يتطلّب سوى انسحابٍ كامل لقوى الاحتلال والاعتداء فقط لا غير.