- تغييب "أونروا" يُهدد الهوية السياسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين، ويُعتبر محاولة للالتفاف على قرارات دولية، مما يُفكك القضية الفلسطينية ويحولها إلى قضية مساعدات إنسانية.
- تُعتبر "أونروا" الشاهد الدولي على النكبة وحق العودة، وإلغاؤها يُهدد الأمن الغذائي والتعليمي والصحي للفلسطينيين، حيث أن حق العودة لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم.
في المأثور "أول الرقص حنجلة"؛ وهذا عين ما فعله "مجلس السلام"؛ فبينما تواصل إسرائيل جرائم الإبادة من نسف وقصف واغتيال منذ أكثر من ألف يوم؛ وبدلاً من وقف المجلس لهذه المقتلة لكونها أحد أهم المهام المنوطة به؛ تَحنجل المجلس بإعلان في الثاني من يوليو/ تموز 2026 على منصة إكس قال فيه: "لا مكان لـ"أونروا" في غزّة الجديدة"، مؤكّداً أنه يسعى إلى إنهاء ما وصفه بـ "الاعتماد المستمر على المساعدات"، وأن "سكان غزّة يستحقون أكثر من ذلك".
وقد جاء توقيت الإعلان بالتزامن مع الحديث عن إعادة ترتيب واقع قطاع غزّة السياسي والاجتماعي والديموغرافي، وعلى وقع حرب الإبادة؛ ما فتح الباب أمام مخاوف خطيرة وتساؤلات مشروعة، فما الذي يعنيه إعلان مجلس السلام بأنه لا مكان لـ"أونروا" في غزّة الجديدة؟ ما دلالاته وتبعاته وتداعياته السياسية والقانونية والإنسانية، وهل قرر مجلس السلام اغتيال الشاهد الأخير على النكبة؟
إعلان مجلس السلام بأنه لا مكان لـ"أونروا" في غزّة الجديدة ليس بالون اختبار، ولا زلة لسان، ولا جس نبض للشارع الفلسطيني بمختلف مكوناته؛ هذا جزء من جريمة مكتملة الأركان تُحاك مع سبق الإصرار؛ ولم يكتف المجلس بالإعلان، بل أرفق معه مقطعاً مصوراً يتضمن جزءاً من كلمة ممثّل الولايات المتّحدة في الأمم المتّحدة؛ جيف بارتوس، الّتي انتقد فيها دعم وتمويل دول العالم لـ"أونروا"؛ ودعا إلى الاختيار بين "تمويل التحريض على الإرهاب أو تمويل مجلس السلام".
يعني تغييب "أونروا" الالتفاف على قرار دولي وإرادة دولية، وشطب قضية إنسانية، ومحو هوية سياسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين
في توصيف مجلس السلام وتعريفه؛ هو أحد مكونات المرحلة الانتقالية، مثل المجلس التنفيذي واللجنة الدولية لإدارة قطاع غزّة وقوّة الاستقرار الدولية؛ وأنشئ المجلس لمهمة محددة بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن؛ أحد مقتضيات خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي طرحها في 29 سبتمبر/أيلول 2025؛ وأهمّ مهامه وضع إطار عمل، وتنسيق التمويل لإعمار قطاع غزّة؛ لا إبداء مواقف سياسية غير محايدة، ولا نسف منظّمة دولية قائمة، ولا صناعة غزّة جديدة.
خضّ الماء لا يصنع اللبن، والعصف الذهني لتفكيك العوار القانوني في إعلان مجلس السلام ضدّ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لا يلغي ولا ينفي المخططات وسوء النيات والانحياز؛ واللاجئ النازح في خيمته على وقع تراجيديا ممتدة منذ ثلاث سنوات أو ألف يوم لا يلتفت للأبعاد القانونية والسياسية، لكنه لا يتجاهلها، لأن أًصل النكبة والواقع الذي نحياه تم بموجب قرار وإرادة دولية.
أنا بصفتي لاجئاً فلسطينياً نشأ في مخيّمات قطاع غزّة؛ تعلمت في مدارس "أونروا" وتعالجت في عياداتها؛ وأكلت من دقيقها وزيتها، ووقفت في طوابير "الطعمة" للحصول على وجباتها منذ أربعة عقود؛ لا أنظر إلى "أونروا" على اعتبارها مجرد منظمة دولية تُقدم خدمات إنسانية، وعندما عرفتها أول مرّة في طفولتي قبل نصف قرن لم أعرفها شعاراً يوضع على أكياس الطحين وأبواب المراكز الصحية، كنت أرى فيها كل شيء.
"أونروا" بالنسبة لي ولأكثر من مليون إنسان هي الحبل السري الذي يربطنا بالحياة؛ هي الدفتر والقلم وكيس الدواء للأمراض المزمنة الذي تأخذه والدتي المُسنة مطلع كل شهر، هي مستقبل أبنائي الستة الذين يتلقون التعليم في مدارسها؛ قد يقول قائل؛ سنوجد منظمة بديلة عن "أونروا" تقوم بذلك كله وأكثر؛ ولكن ماذا عن كون "أونروا" تعني لي حقّ العودة؛ وبأنها الشاهد الدولي الوحيد والأخير على جريمة اقتلاعنا من أرضنا عام 1948.
وبالتالي عندما يخرج مجلس السلام ليُعلن أنه لا مكان لـ"أونروا" في قطاع غزّة؛ فإنه لا يُهدد أمننا الغذائي والتعليمي والعلاج فقط، ولا يمكن اختصار الأمر بأنه جزءٌ من مخطط التجويع والتجهيل وكيّ الوعي الذي يمارسه الاحتلال؛ بل هذا نسفٌ يطمس قضيتنا ويُلغي حقّ العودة، وفصلٌ جديد من فصول التهجير الذي أخذت حكومة نتنياهو على عاتقها تنفيذه. هذا يعني أن مجلس السلام الذي يُفترض به الحيادية "وسيط دولي"؛ والبدء في إعمار قطاع غزّة، ومتابعة تنفيذ مراحل اتّفاق شرم الشيخ، بات أداةً وذراعاً مُعلنة للاحتلال، يُنفذ ويُمرر ما لم يفلح به الاحتلال منذ بدء النكبة.
"أونروا" التي يُريد مجلس السلام شطبها؛ لم تُؤسَّس جمعيةً خيريةً مؤقتةً لامتصاص غضب اللاجئين وتسكين معاناتهم؛ بل تأسست بموجب القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتّحدة عام 1949؛ وارتبط وجودها بالقرار الأممي رقم 194 القاضي بحقّ العودة والتعويض للاجئين؛ وعليه فإن الجهة الوحيدة قانونياً التي تملك تعديل تفويض الوكالة أو تمديده أو إنهاءه هي الجمعية العامة للأمم المتّحدة عبر التصويت بأغلبية أعضائها.
إعلان مجلس السلام بأنه لا مكان لـ"أونروا" في غزّة الجديدة ليس بالون اختبار، ولا زلة لسان، ولا جس نبض للشارع الفلسطيني بمختلف مكوناته؛ هذا جزء من جريمة مكتملة الأركان تُحاك مع سبق الإصرار
وبالتالي يعني تغييب "أونروا" الالتفاف على قرار دولي وإرادة دولية، وشطب قضية إنسانية، ومحو هوية سياسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وتحويلهم من أصحاب حق سياسي وشرعي إلى متلقين للمساعدات التنموية الخاضعة لشروط المانحين. إعلان المجلس يعني تفكيك القضية الفلسطينية، وتحويلها من قضية حقّ في تقرير المصير إلى قضية مساعدات إنسانية وإغاثية تخضع للابتزاز.
وما بين الإنساني "الصحة والتعليم"، ودلالات السياسي "حقّ العودة"، فإن البعد القانوني يؤكّد بأن مجلس السلام لا يملك سلطة تقرير ما إذا كان لـ"أونروا" دور في قطاع غزّة أم لا؛ لأنه لا يمكن تعديل ولاية الوكالة أو إنهاؤها إلا من قبل "الجمعية العامة للأمم المتّحدة"، وقد صوتت الدول بأغلبية ساحقة على تجديد ولايتها في ديسمبر/كانون الأول 2025.
إن غزّة الجديدة التي يُبشر بها مجلس السلام، من خلال تجويع أطفالها، وإغلاق مدارسهم ومنع علاجهم، وتصفية حقوقهم التاريخية والسياسية، وإسقاط حقّ العودة لأرضهم، ليست سوى وهم لن يمر؛ وقد جُربت مشاريع ومخططات عدّة على مدار عمر النكبة ولم تمر، مثل مشروع إريك جونستون (1953-1955)، الذي سعت الإدارة الأميركية من خلاله في البدايات إلى دمج اللاجئين في مشاريع تنموية إقليمية (مشروع مياه نهر الأردن) بهدف توطينهم في الدول العربية المضيفة، وإلغاء الحاجة إلى وجود الوكالة؛ ومشروع التوطين في سيناء.
إن حقي/ حقنا في العودة ليس موضع ابتزاز ولا مقايضة ولا استبدال، ولا يمكن لمجلس السلام؛ بجرة قلم أو إعلان على منصة إكس؛ أن ينفي أو يلغي أو يغتال الشاهد الأخير على النكبة مقابل وعود تنموية وإعمار؛ انتهاء "أونروا" لن يكون إلا بزوال سبب وجودها.