- تلعب المؤسسة العسكرية دورًا محوريًا في بناء الهوية الوطنية والدفاع عن السيادة، خاصة في مواجهة التهديدات المستمرة مثل الاعتداءات من "إسرائيل". يجب أن تكون عقيدة الجيش مبنية على الدفاع عن الوطن ووحدة أراضيه.
- يمكن تحويل الخدمة الإلزامية إلى فرصة تنموية من خلال تصميم مسارات تشمل الدفاع المدني والتدريب المهني، مما يعزز من قدرة الدولة على مواجهة الأزمات ويعيد بناء الهوية الوطنية.
لم يتأسّف السوريون على إلغاء الخدمة الإلزامية. كيف لا وقد كانت إلى زمن طويل، وخصوصاً خلال سنوات الحرب، كابوساً يحاصر حياة الشبان السوريين وعوائلهم.أكره هذا الكابوس الشبان على الهرب خارج البلاد، أو حمل السلاح بمواجهة أبناء شعبهم. أفقرت الخدمة الإلزامية العائلات حارمة إياها مصدر رزقها، وأصبح الشباب عبئاً بدل أن يكونوا مصدر رزق وعيش.
أبعدت الخدمة الإلزامية الشباب عن سوق العمل، وميدان الدراسة والتعليم فصارت محطة تفقد الشباب صلتهم بسوق العمل. ليس هذا وحسب، بل تحولت المؤسسة العسكرية إلى محطة إذلال للشباب، بحجة كسر النفسية المدنية. زد على ذلك، أن العقيدة التي حاول النظام البائد تكريسها في بنى الجيش لا تخلق هوية وطنية جامعة، بقدر ما تحاول تكريس هوية قائمة على طاعة القائد، والعروبة بصيغتها البعثية.
غير أن هذا كله لا يعني أن فكرة الخدمة الإلزامية هي السيئة، ولا يجب أن تحاكم الفكرة ذاتها على سوء تطبيقها. وهنا أحاول أن أشرح لماذا أرى أن إعادة الخدمة الإلزامية، بشروط تحمي كرامة الناس، وتعزز الانتماء والهوية الوطنية، ليست ترفاً ولا قضية عابرة، بل ضرورة حتمية لمجتمع ممزق وحدود مهددةّ.
أولاً، لا هوية وطنية جامعة من دون مؤسسات تبنيها وترسخها، وقد تكون المؤسّسة العسكرية المؤسسة المركزية في هذا البناء. عملياً لم يكن السوريون يلتقون إلا في عدد محدد من المؤسسات، كالجامعة والجيش. بالتأكيد تتميز الجامعات بقدرتها على ضم الذكور والإناث، غير أنها تبقى محدودة بفئات محددة، على الأقل على المستوى الجغرافي. فجامعة دمشق كانت تجمع أبناء الجنوب بشكل أساسي، وجامعة حمص للوسطى، واللاذقية للساحل، وانتظر أبناء الشرق طويلاً كي تجمعهم جامعة الفرات. غير أن خدمة العلم ليست محصورة بأبناء منطقة، ولا بأبناء طبقة بعينها، ولا بأبناء طائفة أو دين أو عرق. هي مؤسسة لأبناء المدن والريف، وللأغنياء والفقراء، ولموظفي الحكومة، والقطاع الخاص، وغيرها. من هذا المنطلق، تبدو المؤسسة العسكرية حالة مثلى لصهر السوريين في هوية سورية واحدة قائمة على المواطنة.
هناك حاجة إلى ترسيخ فكرة المواطنة المسؤولة، بما يعنيه هذا من أن الدفاع عن الوطن ليس وظيفة بقدر ما هو واجب على كل فرد من أفراده، حتى النساء
ثانياً، كيف يمكن لدولة تتعرض حدودها لاعتداءات متكرّرة من "إسرائيل" ألا تتجهز بجيش احتياطي جاهز لحمل السلاح متى تعرض لعدوان؟ في محصلة الأمور، سورية دولة مواجهة، وجولانها محتل، وتعيش في منطقة مشتعلة بالحروب لا يمكن ضمان أمنها إلا بجيش قوي ومجهز، ومجتمع قادر على حمل السلاح متى تعرضت البلاد إلى اعتداء. دون أدنى شك لا أحد يتوقع من دولة كسورية أن تبادر بالهجوم على أي طرف، وربما كانت دولة سلام قائم على حقوق لا يمكن التنازل عنها، وعلى رأسها الجولان المحتل، ولربما كانت دولة تسهم في سلام مستدام في المنطقة قائم على حل الدولتين، لكنها حكما يجب أن تكون حاضرة وجاهزة لأي اعتداء على أراضيها، من أي طرف كان، وخصوصاً "إسرائيل" التي لم توفر فرصة تنتهك فيها سيادة سورية من دون أن تفعلها. وهنا الخدمة الإلزامية ليست ترفاً، بل قضية في صلب السيادة.
ثالثاً، هناك حاجة إلى ترسيخ فكرة المواطنة المسؤولة، بما يعنيه هذا من أن الدفاع عن الوطن ليس وظيفة بقدر ما هو واجب على كل فرد من أفراده، حتى النساء. في حال كحال سورية اليوم، وحيث تسود حالة من الاستقطاب، والتوتر الطائفي، وحيث تتشكل المؤسسة العسكرية في جلها من الطائفة السنية، تصبح الخدمة الإلزامية فرصة كي لا تبدو الطائفة السنية المعني الوحيد بالدفاع عن الأرض من جهة، ولا أن يكون أبناء المكونات الأخرى معرضون لتمييز مقصود أو غير مقصود. بالتأكيد ليس سهلاً على أبناء المكونات الأخرى الدخول في المؤسسة العسكرية بسهولة بعد سنوات الحرب الطويلة، وبعد ما جرى في آذار/ مارس وتموز/ يوليو 2025، وليس سهلاً على الدولة إدماجهم مع قوات تحمل معتقداً متبايناً وذكريات مرة من الحرب، وبالتالي، تصبح الخدمة الإلزامية المكان الذي يكرس المواطنة بشكل واضح: الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم معنيون بالدفاع عن الوطن، ويتمتع الجميع بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية بحق المساهمة في الدفاع عن حدود البلاد. بالتأكيد لا تبدو فكرة الخدمة الإلزامية للنساء واقعية في ظرف كظرف سورية، غير أنها يجب أن تكون جزءاً من الاستراتيجية بعيدة المدى، بما يعزز المواطنة والابتعاد عن التمييز على أساس الجنس حتى في خدمة العلم، شأنهم في ذلك شأن السيدات اللواتي يخدمن في سلك الشرطة.
رابعاً، ربما كانت المؤسسة العسكرية مجالاً تنموياً لا تنمى فيها المهارات العسكرية على جوهريتها، بل يمكن أن تتعدى عملية التنمية إلى مسارات تقنية وتعليمية، قد تصل إلى حدود محو الأمية، والتي تفشت بين الأجيال التي دفعتها سنوات الحرب بعيداً خارج المؤسسات التعليمية! فكما ذكرنا، كانت خدمة العلم اللحظة التي ينقطع فيها الشاب عن سوق العمل، وميادين التطوير المهني والمعرفي، تجعل عملية عودته إلى كل منهما عملية شاقة ومثيرة للإحباط. في حين قد تتحول المؤسسة العسكرية، في حال تم تصميم مساراتها بشكل علمي، إلى مساحة يطور فيها الشاب مهاراته، بما يسهم في خدمة الجيش والمجتمع بعد نهاية فترة الخدمة.
يجب عدم التعامل مع الخدمة الإلزامية وكأنها إرث الماضي، أو كأنها سمة تخلف تسود في مجتمعات العالم الثالث
غير أن هذا يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نعيد الخدمة الإلزامية بعد كل ما جرى؟ هل يمكن أن يجتمع شخصان تحاربا قبل الثامن من كانون الأول/ ديسمبر وبعده أن يلتقيا في خدمة العلم دون أن يشتبكا؟
ينبغي أولاً أن تُعرّف الدولة بوضوح عقيدة الجيش الجديدة التي تدافع عن حدود سورية (حتى خط الرابع من حزيران/ يونيو 1967) بعيداً عما اقترفه الأسد من جهة من جرائم وبعيداً عن عقيدة تدفع بالقوات السورية خارج حدود البلاد بحجة الدفاع عن العروبة والأمة العربية وغيرها من الذرائع التي تبعد الجيش عن دوره الدفاعي الحقيقي. عليه، يجب أن تقوم عقيدة الجيش على الدفاع عن سورية ووحدة أراضيها، والولاء للدولة لا للقائد والفرد. عندما يتعلم الجندي أن ولاءه للدستور لا للزعيم، وأن العدو خارج الحدود لا في داخلها، ولا يمكن أن يكون بداخلها، تصبح عقيدة الجيش عقيدة تحمي وحدة المجتمع كما تحمي حدود البلاد.
ثانياً، ربما كانت الخدمة الإلزامية بمسارات متعددة بحيث تتحول من وسيلة عسكرية صرفة إلى أخرى ذات مسؤولية مجتمعية كالدفاع المدني وإدارة الكوارث، وإعادة تأهيل البنية التحتية، والخدمات الصحية والاجتماعية، إلى جانب المسار العسكري التقليدي بطبيعة الحال، وبما يعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات وتحديات إعادة الإعمار التي تواجهها الدولة. لا ينبغي للخدمة الإلزامية أن تكون بمثابة عمر ضائع في حياة الشاب، وبالتالي يتعين على الدولة إيجاد مسارات يمكن ربطها بالتدريب المهني، ومنح شهادات معترف بها، واحتسابها خبرة عملية، وتوفير امتيازات تعليمية أو فرص عمل لاحقة، بحيث تترك أثراً إيجابياً في حياة المشاركين بدل أن تكون عبئاً عليهم. ومن الضروري أيضاً أن تكون الخدمة محددة المدة لا تتجاوز العام أو العام والنصف، وبشكل يتيح للدولة توفير أجر معقول يبعد شبح الفقر عن الأسر التي تعتمد على من يؤدي واجب الخدمة العسكرية. هنا تصبح الخدمة الإلزامية فرصة للشباب لا تهديداً لهم.
لا يُراد من هذه المقالة أن تضع حلولاً نهائية لمسألة في غاية التعقيد، لكن يجب عدم التعامل مع الخدمة الإلزامية وكأنها إرث الماضي، أو كأنها سمة تخلف تسود في مجتمعات العالم الثالث. إلا أننا نقول إن الخدمة الإلزامية لم تعد تحدّياً يجب التخلص منه، هي أولاً مساحة لإعادة ترميم الهوية الوطنية التي زلزلتها سنوات الاستبداد وسنوات الحرب الطويلة، ومساحة تنموية قد تساعد في بناء جيل من المتعلمين والمتمرنين، وواجب ملزم في إقليم متحرك، أنشط ما فيه عدو يحتل أراضينا! نعم سيسأل أحدهم، كيف سيلتقي شخصان من خلفيات اجتماعية مستقطبة، وهما يحملان السلاح، أليس من الممكن أن يحتربا؟ بالطبع هذا خطر كبير، لكنه ليس أكبر من خطر ألا يلتقي هذان الشخصان أبداً.