استمع إلى الملخص
- شهدت سوريا تحركات شعبية ومؤتمرات دولية تدعم العدالة الانتقالية، مع التركيز على إصلاح منظومة العدالة وإلغاء القوانين التي تمنح الحصانات لعناصر الأمن.
- تواجه العدالة الانتقالية تحديات كبيرة، منها ضخامة الانتهاكات وتفاوت الوعي، مما يتطلب جهودًا مكثفة من منظمات المجتمع المدني لنشر الوعي وتحقيق السلم الأهلي.
توفّر آلاف الوثائق والصور والأفلام وروايات شهود العيان من الناجين والجناة أدلّة توثّق الانتهاكات من قتلٍ ممنهجٍ (المقابر الجماعية)، واعتقالٍ تعسّفي وتعذيبٍ وإخفاءٍ قسري، وهو ما صرّح به رئيس اللجنة المستقلة من أجل العدالة الدولية والمحاسبة ستيفن راب، قائلاً إنّ الأدلة التي في حوزة اللجنة عن مسؤولية نظام الرئيس السوري بشار الأسد عن جرائم الحرب أكثر ممّا توفّر للمدّعين في محاكمة قادة النازية أو محاكمة الزعيم اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش.
وتتقاطع هذه الأدلة مع ما ورد في البند رقم 6 من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية، المتعلّق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بالتحديد: القتل، والإبادة، والاستعباد، والترحيل، والأفعال الأخرى غير الآدمية المُرتكبة ضد أيّ مدنيّين، قبل الحرب أو في أثنائها، أو الاضطهاد على أساسٍ سياسيّ أو عرقيّ أو دينيّ.
بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 أصبحت مسألة العدالة الانتقالية حاضرةً بقوّة في الساحة السورية، إلى درجةٍ بدت موازيةً لعملية الانتقال السياسي التي تشهدها البلاد، بل من شروط نجاحها وتأمينها. ولم تكن غائبةً على الإطلاق في أنشطة منظمات المجتمع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إذ ناقشتها مطوّلاً وتحضّرت لها لمرحلة ما بعد الثورة.
حضرت العدالة الانتقالية على المستوى الداخلي أيضاً في مستويين واضحين: يمثّل الأول الموقف الرسمي من العدالة الانتقالية، الذي ورد في خطابي النصر، وأول كلمة للرئيس السوري أحمد الشرع بعد تولّيه الرئاسة، حيث حدّد فيهما أولويات سورية بعد إسقاط النظام بملء فراغ السلطة، والحفاظ على السلم الأهلي بالسعي إلى تحقيق العدالة الانتقالية ومنع مظاهر الانتقام، وملاحقة المجرمين الذين ولغوا في الدم السوري، وارتكبوا المجازر والجرائم، سواء ممّن اختبأوا داخل البلاد أو فرّوا خارجها، نظراً إلى ما خلّفه النظام من جراحاتٍ عميقةٍ مجتمعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ.
رعت نقابة المحامين السوريين المؤتمر السوري للعدالة الانتقالية، وناقشت فيه مستقبل سورية وسبل إعادة إعمارها سياسيّاً، واجتماعيّاً، واقتصاديّاً، وبيّنت أنّ عملية المحاسبة هي عملية تسلسلية، وليس كلّ من كان جزءاً من النظام سيكون تحت المساءلة أو يتعرّض للمحاسبة، وأنّ الهدف منها إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وستشمل الانتهاكات ضد حقوق الإنسان التي ارتكبها رجال الأعمال الموالون للنظام بحق الشعب السوري.
كما حضرت في الجلسات الحوارية التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني التي عُقدت في المدن السورية، واعتبر فيها الناشط السياسي أسامة أبو زيد أنّ العدالة الانتقالية تشمل الماضي، فالمستقبل يتساوى فيه جميع السوريين في ما يتعلّق بحقوق المواطنة. أمّا في الماضي فهناك مجرمون دمّروا المدن وارتكبوا الانتهاكات، وعلى المواطن المطالبة بمحاسبتهم.
لا بدّ أن تسبق مسار العدالة الانتقالية مرحلة بناءٍ صحيحٍ له، يتمثّل في إصلاح منظومة العدالة الحالية
ويمثّل المستوى الثاني داخليّاً ردّات الفعل الشعبية والاعتراض الشعبي على ظهور الشبّيحة ومرتكبي الجرائم في الشوارع والساحات وتطاولهم على المواطنين، حيث خرج الأهالي في مظاهرةٍ في حي التضامن، مطالبين السلطات المسؤولة بالقبض على مرتكبي مجزرة حي التضامن الطلقاء في الحي، وأكّدوا على ضرورة محاسبتهم بالطرق القانونية، والمحافظة على السلم الأهلي بتشكيل المحاكم، منعاً لتحويل العدالة الانتقالية إلى عدالةٍ انتقاميةٍ.
وعلى المستوى الخارجي، أكّد المجتمعون من 20 دولة، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في المؤتمر الدولي بشأن سورية في فبراير/ شباط الماضي في باريس، على ضرورة دعم عملية العدالة الانتقالية في سورية والعمل على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. واجتمع الشيباني مع ممثّلين عن منظمات المجتمع المدني السوري العاملة في هذا المجال ("المركز السوري للإعلام وحرية التعبير – مبادرة السلم الأهلية"). وأكّد المجتمعون في مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير/ شباط الماضي، ودُعيت إليه سورية لأوّل مرة، على أهمية العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا ومحاسبة المرتكبين، من أجل الحفاظ على السلم ومنع التكرار، وخصّصت فيه فعالية طاولة حوار حول العدالة الانتقالية من وجهة نظر النساء.
متطلبات ... والسلطة القضائية
لا بدّ أن تسبق مسار العدالة الانتقالية مرحلة بناءٍ صحيحٍ له، يتمثّل في إصلاح منظومة العدالة الحالية في سورية، من خلال مجموعةٍ من الخطوات التي ينبغي اتباعها: أولاها توفّر الإرادة السياسية لدى الحكومة السورية الجديدة. تتبعها مجموعة إجراءات، كتوفير بيئةٍ آمنةٍ وهادئةٍ يتمتّع فيها السكان بحرية ممارسة حياتهم اليومية من دون خوفٍ من أيّ شكلٍ من أشكال العنف، وانتفاء كل أشكال الخطر الذي يهدّد حياة السكان والمدنيين بشكلٍ عام، حيث تتمثّل هذه الأخطار بالقتل، والاختفاء، والاعتقال، والتعذيب، وكل الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان، وكذلك المخاطر المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية، ومسائل الطائفية والحشد الطائفي. ... وينقلنا هذا إلى الخطوة اللاحقة المتمثّلة بإصلاح قطاع الأمن والعدالة للدولة السورية.
وتَمرّ عملية إصلاح القطاع الأمني بعدّة مراحل: الأولى منها فورية وعاجلة، تتمثّل بإعادة بناء جيشٍ وطنيٍّ وقوةٍ أمنيةٍ تتبع لوزارة الداخلية. وإلغاء القوانين التي تمنح الحصانات لعناصر الأمن، أو إلغاء بعض القوانين، أو وقف العمل بها. لا بدّ هنا من حصرها وتحديدها وإلغائها. ثم إقرار قانونٍ متعلقٍ بالعدالة الانتقالية، أو القوانين التي ستحلّ محلّ القوانين التي ألغيناها.
تُعدّ أبرز القوانين التي يمكن الحديث عن إلغائها: المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1964 الخاص بإحداث إدارة أمن الدولة، والمرسوم التشريعي رقم 549 لعام 1969 الخاص بالتنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة وقواعد خدمة العاملين فيها، والقانون رقم 19 لعام 2012 الخاص بمحاكم مكافحة الإرهاب، والقانون رقم 22 لعام 2012 الخاص بإحداث وحدة مكافحة الإرهاب. وتعود المطالبة بإلغاء مثل هذه القوانين إلى عدم تمتّعها بالشفافية الكافية، سواء من جهة النشر والمراقبة، أو من جهة الصلاحيات والحصانات التي تمنحها لعناصر الأمن في أثناء تأديتهم خدمتهم، ولمخالفتها الصريحة معايير المحاكمات العادلة.
من الطبيعي أن يبدأ الحديث عن العدالة الانتقالية في سورية بعد سقوط نظام الأسد ودخول البلاد في عملية الانتقال السياسي
وتتعلّق الخطوة التالية بالسلطات القضائية في المرحلة الانتقالية، التي تسبق مرحلة إطلاق مسار العدالة الانتقالية، فبالإضافة إلى هيئة الحكم الانتقالي المتمثلة بالرئيس، والحكومة الانتقالية التي ستمارس دور السلطات التنفيذية، واللجنة الدستورية المكلفة بوضع دستورٍ جديد، والمجلس التشريعي الوطني الذي قد يتم تشكيله نتاجاً لمؤتمر الحوار الوطني؛ كل هذه الأطراف ستكون أمام تحدٍّ آخر يتمثل بالسلطات القضائية التي ستراقب وتحكم على عمل السلطات الأخرى في هذه المرحلة.
وبالتالي، سيضعنا إطلاق مسار العدالة الانتقالية من دون إصلاح القطاع القضائي في سورية أمام حالة مفادها أن القوانين التي ستسري هي التي وُضعت خلال حكم نظام الأسد، وأن القضاة الذين سيحاكمون المتورطين بانتهاكات وجرائم بحقّ الشعب السوري هم القضاة أنفسهم الذين عيّنهم النظام البائد، أو أحد رجالاته ممّن يخضعون حالياً للمحاكمة.
فمثلاً، في حالة توقيف اللواء محمد الشعار، ومن ثم محاكمة أحد القضاة الحاليين له، وتطبيق القوانين السابقة التي أقرّها نظام الأسد. نستطيع أن نتخيّل هذا النوع من المحاكم كم سيكون هزليّاً، ويهدر حق الضحايا السوريين. ولأجل ذلك كله، لا بدّ من وجود قضاءٍ حياديٍّ مستقلٍّ ونزيهٍ ومهنيٍّ، وقادرٍ على التعامل مع الملفات المتعلقة بانتهاكاتٍ كبيرةٍ لحقوق الإنسان في سورية.
خطوات ودوافع
بدأت وزارة العدل في الحكومة الانتقالية في هذا المجال من خلال القرار رقم 204/ل، الذي تضمّن إحالة الوزارة 87 قاضياً من محكمة الإرهاب إلى إدارة التفتيش القضائي للتحقيق معهم في المخالفات المسلكية والقانونية، ونصّ صراحةً على أن إحالتهم جاءت بناءً على مقتضيات العدالة الانتقالية. كما تحدّث وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال التي أعقبت سقوط النظام شادي الويسي، في اجتماعٍ مع أعضاء مجلس نقابة المحامين المركزية وفروع دمشق والقنيطرة وريف دمشق، ولفيفٍ من المحامين، عن العمل الدؤوب في الوزارة للتحضير لتطبيق العدالة الانتقالية بالتعاون مع نقابة المحامين وأساتذة الحقوق في الجامعات.
ويتضمّن إصلاح المنظومة القضائية في سورية ثلاث خطوات: إعادة تشكيل بعض المحاكم والهيئات القضائية، وإلغاء بعض المحاكم الاستثنائية، كإلغاء جميع المحاكم الاستثنائية، وإحالة الدعاوى المنظورة أمامها إلى القضاء العادي، ومنها محكمة الإرهاب ومحكمة الميدان العسكرية، وإحالة بعض الدعاوى من المحاكم العسكرية إلى المحاكم العادية، كالدعاوى المنظورة أمام القضاء العسكري وأحد أطرافها مدنيّون، ووقف إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري.
من الطبيعي أن يبدأ الحديث عن العدالة الانتقالية في سورية بعد سقوط نظام الأسد ودخول البلاد في عملية الانتقال السياسي، خصوصاً أن منظمات المجتمع المدني في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية قبل سقوط النظام لعبت دوراً كبيراً من خلال أنشطتها في نشر ثقافة العدالة الانتقالية، وتسليط الضوء على الانتهاكات والمجازر وضرورة محاسبة مرتكبيها، وقطعت أشواطاً متقدّمة وناضجة مقارنةً مع واقع الحال في مناطق سيطرة النظام، وظهرت بوضوح الفجوة بين الطرفين والفرق في خبرة العاملين في هذا المجال، بحسب عاملين في المجتمع المدني في مناطق النظام، نظراً إلى تهميش نظام الأسد هذا القطاع والضغوط التي مارسها عليه، والقيود التي فرضها على أنشطته.
تأخذ دوافع تحقيق العدالة الانتقالية منحَيَين رئيسيين: الاجتماعي: حيث يفتح التأخّر في تطبيق العدالة الانتقالية الباب أمام مشاعر الغضب عند المتضرّرين ومَن تعرّض للظلم، إلى الانتقام الذي قد يُفسد أيّ فرصةٍ للمصالحة وبناء السلام. وتُعدّ العدالة الانتقالية خطوةً أساسيةً نحو الشفاء الاجتماعي وتحقيق العدالة لجميع الأطراف المعنية، وتهدف إلى تحقيق نوعٍ من التوازن بين حقوق الضحايا وحقوق المجتمع بشكلٍ عام، بحيث يمكن للجميع التطلّع إلى المستقبل من دون أن تُظلم الأطراف المعنية. مقابل ذلك، دعا مشايخ وقادة روحيّون من الطائفة العلوية في سورية، في عدة بيانات، إلى عفوٍ عن جميع السوريين، لشعورهم بأنّ الطائفة العلوية شكّلت ثقلاً كبيراً في صفوف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
وبالتالي، تقع العدالة الانتقالية بين قطبي رحى هذين التيارين الاجتماعيين، اللذين عكسهما الرئيس الشرع بقوله: "إنّ هناك خيطاً رفيعاً، لكن مهمّاً جداً، بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي؛ فإن فرّطنا في حقوق الناس سيؤثر هذا على السلم الأهلي، وإن تشدّدنا في المطالبة بحقوق الناس، فهذا سيؤثر على السلم الأهلي لأنه ستحصل حالة من الفزع. ومنذ اللحظة الأولى، لم نصدر عفواً عمّن ارتكب جرائم منظّمة، وعلى الناس أيضاً أن تتسامى نوعاً ما عن بعض الحقوق، ونركّز على الحقوق المتعلقة بالجرائم المنظّمة".
يتمثل المنحى الثاني في الجانب الأمني، حيث تُشكّل العدالة الانتقالية، سواء من خلال المحاكمات الجنائية أو التعويضات وجبر الضرر أو الإصلاحات أو لجان تقصّي الحقائق، رادعاً أمام مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، وتمنع تكرارها مستقبلاً مهما كان حجمها. كما تمنع إجراءاتها النزعات الانتقامية التي من شأنها تقويض الأمن وعودة استخدام العنف، وتمثّل طريقاً مختصراً للانتقال من الحكم الاستبدادي الشمولي إلى الحكم الديمقراطي القائم على الحوكمة والشفافية. وتقطع الطريق على مرتكبي الجرائم للعودة إليها، كما هو الحال في الحالة السورية، من خلال ما يجري ترويجه من تنسيقٍ بين ضباط النظام البائد وإيران، وإعادة تنظيم أنفسهم للوقوف في وجه النظام الجديد، وإحداث اضطراباتٍ أمنيةٍ تمنعه من المضيّ في سبيل تحقيق الاستقرار.
يبقى مسار العدالة الانتقالية في سورية مساراً شائكاً، متداخلاً، ومعقّداً، لكنه ضروريٌّ للعبور بالمجتمع إلى السلم الأهلي
تحدّيات تطبيق العدالة الانتقالية
التحدّيات التي تعترض مسار العدالة الانتقالية تجعل منه مساراً طويلاً ومعقّداً. وهي تتمثّل في: ضخامة الانتهاكات والجرائم وكثرتها، وامتدادها على عقودٍ طويلة، وتفاقمها خلال سنوات النزاع. فمن الممكن في سورية، على سبيل المثال، أن تشمل العدالة الانتقالية ما حصل منذ استلام نظام حافظ الأسد السلطة في مطلع السبعينيات، وحتى تاريخ سقوط نظام نجله بشّار. ومن الممكن أيضاً أن تشمل ما حصل منذ دخول حافظ الأسد الحياة السياسية العامة في مطلع الستينيات من القرن الماضي، نظراً إلى وجود جرائم وانتهاكات كان المدبّر الرئيس لها.
التحديات القانونية والتشريعية: إذ بات يوجد في سورية ما يمكن تسميته "التضخّم التشريعي"، الذي يتجلّى في زيادة القوانين الصادرة كل سنة وتكدّسها، ووجود قوانين ظرفية، وكذلك استخدام النظام البائد قوانين التشريع العقاري لتحقيق التغيير الديموغرافي، ووجود قوانين متداخلة في هذا المجال بالتحديد.
القصور التشريعي: يتمثّل في عدم ملاءمة النص القانوني للحياة الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع، وتظهر هذه المشكلة عند انتقال المجتمع من وضعٍ سياسيٍّ معيّن إلى وضعٍ جديد، كما هو الحال في سورية التي انتقلت من دكتاتورية إلى عهدٍ جديد. وبالتالي، تجد العدالة نفسها بحاجةٍ إلى مجموعةٍ من القوانين، أهمّها: المعاقبة على ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، وعدم تطبيق نصوص التقادم عليها، وتسريع قانون الإجراءات، وتطبيق النصوص التي تراها ضروريةً بأثرٍ رجعيٍّ.
صعوبة إنشاء محاكم محلية: كما هو في نموذج رواندا، الذي يهتم بالانتهاكات المحلية الصغيرة، لا يمكن أن ينجح هذا النموذج في الدولة السورية، نظراً إلى انقسام المجتمع السوري أفقيّاً وعموديّاً، بين مؤيّدٍ للثورة ومعارض، وبالتالي، لن نستطيع إيجاد قضاةٍ محايدين بهذا الحجم والعدد.
التفاوت في الوعي والثقافة ومفهوم العدالة الانتقالية: بين المواطنين السوريين ممن كانوا في مناطق سيطرة نظام الأسد البائد والمواطنين السوريين ممن كانوا في المناطق الخاضعة لفصائل المعارضة السورية. ويعود ذلك إلى تحجيم نشاطات منظمات المجتمع المدني في مناطق سيطرة النظام، في وقتٍ كانت فيه تلك المنظمات تنفّذ برامجها كاملةً في المناطق الخارجة عن سيطرته، وتنفّذ أنشطتها المتعلقة بالعدالة الانتقالية ومتطلبات الانتقال السياسي بشكلٍ عام.
الحاجة إلى نشر الوعي القانوني
يتطلّب هذا الواقع من المنظمات القانونية ومنظمات المجتمع المدني وضع برامج خاصة بنشر الوعي حول العدالة الانتقالية، والتأكيد على أنّها عملية قانونية، وبعيدة كلّ البعد عن الانتقام، وتساهم في استقرار المجتمع واحترام القانون وعدم تجاوزه.
يبقى مسار العدالة الانتقالية في سورية مساراً شائكاً، متداخلاً، ومعقّداً، لكنه ضروريٌّ للعبور بالمجتمع إلى السلم الأهلي، وإبعاده عن النزاعات الانتقامية التي تُقوّض الأمن والاستقرار.