المؤشّر العربي في سورية... دلالات واستنتاجات

09 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:51 (توقيت القدس)
من إعلان نتائج المؤشّر العربي 2025 عن سورية في دمشق (31/8/2025 عامر السيد علي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تلعب استطلاعات الرأي دورًا حيويًا في سورية لفهم آراء الجمهور وتوجيه السياسات، خاصة في ظل البيئة الاجتماعية والسياسية المضطربة. وقد أجرى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أول استطلاع شامل في سورية.

- أظهرت نتائج الاستطلاع أن القضايا السياسية والأمنية تتصدر اهتمامات السوريين، مع تفضيل 61% للديمقراطية. كما يعتقد 64% أن الشعب السوري نجح في الاندماج المجتمعي رغم التحديات.

- يستخدم 78% من السوريين الإنترنت للتعبير عن آرائهم السياسية. فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، رفض 74% الاعتراف بإسرائيل، وأيد 70% عدم عقد اتفاق دون عودة الجولان.

لاستطلاعات الرأي الشعبي أهمية بالغة على ثلاثة مستويات: أولاً، توفر مادة غنية للباحثين الأكاديميين في دراسة الوعي السياسي للمجتمعات ومراقبته. وثانياً، تقدّم مادة موثّقة بالأرقام إلى صُنّاع القرار تسمح لهم بأخذ آراء الجمهور بالاعتبار، ما قد يساهم في تغيير السلطة بعض سلوكياتها. ثالثاً، لا يتيح استطلاع الرأي للجمهور التعبير عن رأيه إزاء قضايا حسّاسة فحسب، بل أيضاً يُنمي وعيه السياسي، فالإجابة عن أسئلة حسّاسة تتطلب تريثاً وتفكيراً مسبقاً، ومع الوقت وتكرار عمليات استطلاعات الرأي، ترتفع مستويات الوعي الجمعي حيال القضايا الكبرى في الدولة والمجتمع. وتشكّل سورية اليوم ببيئتها الاجتماعية ـ السياسية ـ الاقتصادية، الضعيفة والمضطربة، مادّة خصبة وغنية جداً للمؤسّسات البحثية بأنواعها المختلفة من أجل تقصّي الآراء والبناء عليها لمعرفة سلوكيات الناس المستقبلية في الحدّ الأدنى على الأقل.

كان للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، قصب السبق عربيا في إجراء استطلاع رأي، الأول من نوعه في تاريخ سورية، من حيث الجمهور والجغرافية والمواضيع المطروحة. شمل عينة قدرها 3690 من المستجيبين والمستجيبات، ممثلة للمجتمع السوري بمحافظاته وتكويناته الاجتماعية والاقتصادية كافة، وفق آلية عمل طبقية ـ عنقودية (طريقة في البحث العلمي لتقسيم مجتمع البحث إلى مجموعات طبيعية أو جغرافية تسمّى عناقيد، ثم يجري اختيار بعض هذه العناقيد عشوائياً لإجراء الدراسة عليها، وهي طريقة مفيدة في الدراسات الكبيرة عندما يصعُب الوصول إلى جميع أفراد المجتمع).
أول ما يلفت الانتباه في "المؤشّر العربي" أن القضايا السياسية والأمنية أخذت الترتيب الأول في صدارة اهتمام الجمهور، وهذه إشارة مهمّة إلى ارتفاع الوعي السياسي رغم المعاناة الاقتصادية الحادة التي يعيشها الناس منذ عقد ونصف العقد. التركيز على البُعد السياسي يعني أن دروب سورية نحو المعافاة تبدأ أولاً بالمستوى السياسي الذي تتفرّع منه المسائل الأخرى العالقة: أمنية، ثقافية، اقتصادية. في المقابل، تكشف نتائج بعض الأسئلة حيال قضايا أخرى عن وعيٍ منخفض، إلى درجة أن بعض إجابات على بعض الأسئلة جاءت انعكاساً لانطباعات شخصية، وليس نتاجاً لرؤية واقعية.

يعدّ الموقف من نظام الحكم السياسي أهم معيار لمعاينة الثقافة السياسية لأي مجتمع

من النقاط الملفتة أيضا في "المؤشّر" رضا غالبية العينة المُستطلع رأيها عن الوضع وتفاؤلها تجاه المستقبل. وبلغة الأرقام، قال 56% من المستجيبين إن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 25% قالوا إنها تسير في الاتجاه الخاطئ. هذا الاختلاف في مستوى الرأي ناجم عن زاوية النظر لكل فئة، الأولى بنت موقفها على ما تحقّق، وهي بنظرهم إنجازات كبيرة: سقوط نظام الأسد، تحرير المعتقلين، البدء برفع العقوبات الاقتصادية، حرّية التعبير والتجمّع، توقيع الحكومة على مشاريع اقتصادية، ولا سيما في قطاع الكهرباء وإعادة الإعمار. أما الفئة الثانية، وعلى الرغم من عدم إنكارها المنجزات المُتحقّقة، فإنها تنطلق من رؤية أكثر واقعية وناجمة عن الأحداث التي شهدتها البلاد في الأشهر القليلة الماضية من جهة، وعن حالة الانقسام الحاد بين السلطة وبعض المكوّنات السورية من جهة أخرى.

الموقف من نظام الحكم

يعدّ الموقف من نظام الحكم السياسي أهم معيار لمعاينة الثقافة السياسية لأي مجتمع، وتستحقّ المعطيات التي قدّمها "المؤشّر العربي" الوقوف عندها وتحليلها. 61% من المُستطلعة آراؤهم اعتبروا أن الديمقراطية أفضل أشكال الحكم، مقابل نسبة 20% فضلت أنظمة أخرى، و53% من المستجيبين يقبلون استلام السلطة من حزب سياسي لا يتّفقون معه إذا حصل على عدد أصوات تؤهله لذلك في انتخابات حرّة ونزيهة. وإذا كانت هذه النتائج في العموم تعبّر عن شيء إيجابي مفاده رغبة الأغلبية بإقامة نظام ديمقراطي في سورية، فإن النتائج الأخرى على قلتها تثير الخوف: 8% فضلوا نظاماً إسلامياً تحكمه الشريعة من دون انتخابات وأحزاب سياسية، 6% أيدوا نظاماً سلطوياً غير ديمقراطي، 4% يفضلون نظاماً سياسياً يتولى فيه قادة الجيش الحكم، 9% لا يعرفون ما هو الشكل السياسي المرجو، 6% فضلوا نظاماً سياسيّاً تتنافس فيه الأحزاب غير الدينية فقط في الانتخابات، 6% فضلوا نظاماً سياسيّاً تتنافس فيه الأحزاب الإسلامية فقط.

قضايا الاندماج المجتمعي والهوية الوطنية من أخطر القضايا التي سلط المؤشّر العربي الضوء عليها

هذه الأرقام التي تشكل في مجموعها نحو 40% من العينة المستهدفة كبيرة، إذ لا يقبل أقل من نصف العينة النظام الديمقراطي، فكيف الحال بقضايا الليبرالية والعلمانية؟ وهذا مؤشّرٌ إلى أن الثقافة السياسية في المجتمع السوري لا تزال أقل من المرجو، خصوصا في ظل انتشار قيم الديمقراطية عبر العالم أولاً، والأوضاع السيئة التي وصلت إليها الدولة والمجتمع نتيجة عقود من الحكم الاستبدادي. ومن مفارقات نتائج الاستطلاع أن 53% سيسمحون لأي حزبٍ بالحكم شريطة إجراء انتخابات نزيهة وحرّة، بينما عارض الأمر 31%، حيث لن يوافقوا على انتخابات لا يفوز فيها الحزبُ الذي يؤيدونه.
كما بيّنت نتائج "المؤشّر" أن 38% يؤيدون وجود تيار وطني سوري بدون أيديولوجيا، و24% يؤيدون ذلك بشدّة، وهذا مؤشّر إلى تعب السوريين خلال عقود من الأيديولوجيات الزائفة التي نشرها نظام الأسدين أكثر من 50 عاماً، بما فيها الأيديولوجيا القومية والعروبية والعلمانية والليبرالية.

قضايا الاندماج المجتمعي والهوية الوطنية

تعدّ هذه من أخطر القضايا التي سلط "المؤشّر العربي" الضوء عليها، ويبدو طبيعياً أن تكون النتائج مبنيةً على انطباعات شخصية أكثر مما هي مبنية على استقراء حقيقي للواقع القائم.
وفق "المؤشّر"، يعتقد 64% من المستجيبين أن الشعب السوري نجح عبر السنين بدرجات متفاوتة في الانصهار في بوتقة الأسرة الواحدة، مقابل 12% قالوا إنه لم يحصل انصهار على الإطلاق. ورأى 19% أن أهم عامل يشكّل الهوية الوطنية السورية هو "الثقافة السورية المشتركة"، ثم العوامل التالية: اللغة العربية بنسبة 17%، العيش على الأرض السورية 10%، التنوع المجتمعي والثقافي 9%، الدين الإسلامي 8%.
مفهوم انصهار الشعب السوري عبر سنوات تعبيرٌ عام لا يمكن الركون إليه علمياً، فبالنسبة لبعضهم يبدو أن عدم وجود اقتتال طائفي مؤشّر إلى الانصهار الاجتماعي الوطني، غير أن هذا ليس مؤشّراً أو دليلاً، ففي الهند، مثلا، حاجج عالم الاجتماع الهندي أمارتيا سن في كتابه "الهندي المولع بالحِجاج" أن تاريخ الهند العلماني الطويل منذ عصر الفيدات في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد يقوم على مبدأ القبول، وليس على مبدأ المساواة، وهو أمرٌ أدّى إلى استمرار الأزمات الإثنية والدينية الحادّة، لا سيما بين الأكثرية الهندوسية والأقلية المسلمة. ربما ينطبق الأمر نفسه على الحالة السورية، فالانصهار ناجم عن قبول الأمر الواقع، وليس ناجماً عن القناعة بمبدأ المساواة والاعتراف بالحقوق الهُوياتية ضمن مواطنة متساوية. أيضاً، ماذا تعني ثقافة سورية مشتركة؟ ربما لا يستطيع أحد تقديم إجابة علمية، فاللغة العربية والدين الإسلامي عاملان أساسيان من عوامل الهُوية العربية، لا السورية أو المصرية أو المغربية في ذاتها... إلخ.
مسألة الانصهار الاجتماعي والثقافة السورية المشتركة لا تنسجمان مع اعتبار 85% من المستجيبين أن خطاب الطائفية منتشر في البلاد، وأن 84% من المستجيبين يرون أن الناس هذه الأيام يصنّفون أنفسهم والآخرين على أساس مذهبي وديني في سورية. لا يقتصر الأمر على ذلك، حيث إن نتائج "المؤشّر" حيال الأسباب التي أدّت إلى هذا الجو الطائفي مربكة، بمعنى أن الأجوبة ناجمة عن انطباعات شخصية، وليس عن تفسير منطقي، فبحسب "المؤشّر العربي"، وافق 41% على عبارة "أن التوتّر بين المواطنين بحسب المذهب أو الدين هو نتيجة تدخل جهات خارجية". وعند الانتقال من أحكام الوجود إلى أحكام الوجوب، نرى 67% من المستجيبين قد وافقوا على عبارة "لا يحقّ لأحد أن يشكّك في وطنية أي فرد من أفراد المجتمع أو انتمائه إلى الوطن لأنه معارض لسياسات الحكومة"، كما أن 66% قالوا إن لا فرق لديهم في التعامل مع الآخرين بغض النظر عن طائفتهم أو دياناتهم، وتوافق السوريون وبنسب 66% ـ 78% على أنهم لا يمانعون أن يكون جيرانهم من ديانات وطوائف وإثنيات أخرى، وهو ما يعبر عن رفض أشكال التمييز، بينما فضل 25% من المستجيبين التعامل مع أشخاص من الطائفة نفسها.
نسبة الـ66% التي لا تميز في تعاملاتها الاجتماعية بين الطوائف لا يستهان بها. وفي المقابل، تبقى نسبة الـ25% التي تفضل التعامل مع أشخاصٍ من الطائفة نفسها عالية جدا وفق معايير المجتمعات كلها. وقد يزداد الأمر إثارةً عندما نعلم أن 10% من المستجيبين عرّفوا أنفسهم بأنهم متديّنون جدا، مقابل 57% قالوا إنهم متديّنون إلى حد ما، بينما قال 21% إنهم غير متدينين، وهذه نسب مرتفعة في اتجاهات الرأي العام العربي، فضلاً عن أنها تحمل دلالاتٍ هامة، وهي أن الجانب العقائدي ليس السبب في التوترات الطائفية، بقدر ما هو ناجم ربما عن هُوية مُتخيلة، أو مخاوف مُضاعفة، أو سوء في ممارسات النخب تنعكس سلباً على القواعد الشعبية لهذه النخب. ويدعم هذا الرأي أن 75% من المستجيبين رفضوا عبارة "إنّ كلّ شخص غير متديّن هو بالتأكيد سيّئ"، وأن 57% من المستجيبين قالوا إن من الأفضل للبلد فصل الدّين عن السياسة، مقابل 30% قالوا إنه لا يجب فصل الدين عن السياسة.
على صعيد الأداء الحكومي في مهمّات تتعلق بالتعددية السياسية، وحقوق الإنسان، وضمان الحريات، توافق أكثر من نصف المستجيبين على أن الحكومة نجحت في مجالات احترام حقوق الإنسان

أداء الحكومة

أكثر مجال ظهر فيه التخبّط في الإجابات وعدم استنادها إلى معطيات واضحة هو ما يتعلق بالموقف من أداء الحكومة السورية، فقد أفادت نسبة تراوح  ما بين 54% و57%، بأنها تثق بمؤسّسات الدولة الرسمية من حكومة، وأمنٍ عام، ودفاع، ومحافظين. وأفاد 47% من الرأي العام بأن الحكومة تطبّق القانون بالتساوي بين المواطنين، بينما رأى 30% من المستجيبين أنها تطبق القانون، ولكنها تحابي بعض الفئات، أي أنها تميّز لمصلحتها، ورأى 12% أنها لا تطبق القانون بالتساوي على الإطلاق. قال 61% من المستجيبين إن السياسات الخارجية بالنسبة إلى الحكومة الحالية تعبّر عن تطلعات الشعب السوري، مقابل 25% قالوا إنها لا تعبر عن تطلعاتهم، وبنسبة مشابهة، أفاد 59% من السوريين بأن سياسات الحكومة الاقتصادية تعبّر عن تطلعاتهم، مقابل 31% أفادوا بعكس ذلك. وأفادت نسبة من المستجيبين تزيد على 50% بنجاح الحكومة في التعامل مع بعض المهمات الرئيسية، مثل: الجرائم، وحماية الأملاك الخاصة بالناس، ومكافحة السرقات، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وفضّ الخلافات والنزاعات بين الناس، في حين اعتبر أقلّ من 50% من المستجيبين أنها نجحت في أداء مهمّات رئيسة أخرى، مثل: البطالة، ومحاربة الخطاب الطائفي، والعمل على إخراج إسرائيل من الأراضي التي احتلتها منذ "8 ديسمبر" (2024).
وعلى صعيد الأداء الحكومي في مهمّات تتعلّق بالتعدّدية السياسية، وحقوق الإنسان، وضمان الحريات، توافق أكثر من نصف المستجيبين على أن الحكومة نجحت في مجالات احترام حقوق الإنسان، وتشجيع مشاركة المواطنين في حوارات سياسية، وضمان حرية التعبير، وضمان حقّ التجمع، بينما عبّرت الأكثرية عن عدم نجاح الحكومة في مجالات أخرى، مثل ضمان التعدّدية السياسية، وإنهاء التمييز بين المواطنين، وتطبيق مبدأ المحاسبة لكبار مسؤولي الحكومة. والواضح هنا أن إجابات الأشخاص المستهدفين كانت مبنية على انطباعات شخصية أكثر مما هي مبنية على معطياتٍ واقعية.

التفاعل في المجال الافتراضي

مع ظهور العالم الافتراضي، اعتقد علماء الاجتماع والسياسة أن هذا العالم سيقدّم خدمات للديمقراطية في المجتمعات الديمقراطية ـ الليبرالية المتطوّرة، أو ما سمّاه آلان تورين مجتمعات الحداثة الفائقة، من حيث زيادة الشفافية وبسط تبادل المعلومات، ما يعني بناء علاقاتٍ أفقيةٍ في المجتمع، لكن التجارب كشفت أن هذا الرأي لم يكن صائباً بالضرورة، فقد بيّنت حالات عديدة أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت عدوّاً للشفافية، حيث كانت، في أحيانٍ كثيرة، منصّة لنشر أخبار كاذبة وافتعالها، وهو ما أكده مانويل كاستلز في كتابه "التفكّك في الأزمة الديمقراطية الليبرالية" أن الأخبار السلبية بلغت خمسة أضعاف الأخبار الإيجابية. وتتعلّق نتائج كاستلز بالمجتمعات المتطوّرة ذات التقاليد العريقة في الديمقراطية والليبرالية والعلمانية والمواطنة، فكيف الحال في مجتمعاتنا ما قبل المواطنية؟ لم يكن هذا الموضوع غائباً عن "المؤشّر العربي" الذي خصّص أسئلة حول التأثيرات الإيجابية والسلبية للعالم الافتراضي.
بحسب أرقام "المؤشّر العربي"، يستخدم 78% من السوريين الإنترنت بدرجات متفاوتة، ولدى 98% من إجمالي مستخدمي الإنترنت حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، و70% من إجمالي مستخدمي الإنترنت يستعملونه للتعبير عن أحداث سياسية جارية، و67% من أجل التفاعل مع قضية سياسية. وهذه أرقام عالية جدا في المجتمع السوري الحالي مقارنة بالمراحل السابقة، حيث الخوف كان يمنع الناس من تناول القضايا السياسية الداخلية على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما عبّرت عنه العينة المستهدفة بالأسئلة، إذ قال 76% منهم إنهم يمكنهم نشر محتوى على وسائل التواصل ينتقد الحكومة من دون خوف من العواقب. وعلى الرغم من أهمية هذا الواقع الجديد لجهة تعبير الناس عن آرائهم ومواقفهم السياسية مقارنة بالمراحل السابقة، إلا أن لهذا الواقع سلبيات خطيرة، خصوصاً عندما يكون المجتمع في وضع حسّاس تطفو على سطحه الخطابات والسلوكيات الإثنية والطائفية، فقد بينت نتائج الاستطلاع أن 80% من السوريين المستهدفين في العينة البحثية يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي مكان لاختراع الأخبار المزيفة عن الآخرين، وأن 78% من السوريين يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مكانا لترويج خطاب طائفي، و79% يرون أن وسائل التواصل أصبحت مكاناً للتحريض على الآخرين، لما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي من انفعالات هُوياتية ضيقة وشتائم وتخوينات وأخبار بعضها مبالغ به وبعضها الآخر مزيّف، ناهيك عن قراءة الأحداث المحلية بطريقة أحادية الجانب تعكس المزاج الهُوياتي، الأمر الذي يؤجج الوضع، ويدفع آخرين في الجهة المقابلة إلى الرد بالطريقة نفسها.
تؤكد نتائج الاستطلاع أن الواقع السياسي كما تبرزه منصّات التواصل الاجتماعي لا يتطابق مع الواقع الفعلي على الأرض، الأكثر تعقيداً من توصيفه أو اختزاله إلى عالم منقسم بشكل حاد جدّاً. ومع خطورة هذه السلبيات، أكّد 79% من السوريين أن وسائل التواصل الاجتماعي تبقى جيدة، لأنها تتيح للناس التعبير عن آرائهم.
تبدو نتائج "المؤشّر" حيال القضية الفلسطينية منسجمة مع الموقف من عقد اتفاق سوري ـ إسرائيلي، إذ عارض 70% من المستجيبين عقد اتفاق مع إسرائيل، من دون عودة الجولان

القضية الفلسطينية وإسرائيل

بسبب ارتفاع منسوب العروبة والقومية عند السوريين من جهة والذاكرة المثقلة بتقسيم سورية الكبرى من جهة أخرى، احتلت القضية الفلسطينية في الوجدان السوري مركزاً ريادياً. لكن نتائج "المؤشّر العربي" كشفت عن وجود انزياح في المزاج السوري حيال القضية الفلسطينية، فعلى الرغم من أن 74% من السوريين رفضوا الاعتراف بإسرائيل، مقابل 17% أيدوا ذلك، قال 69% من المستجيبين إن القضية الفلسطينية قضية جميع العرب وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وقال 15% إنها قضية الفلسطينيين وحدهم، في حين أعرب 8% عن عدم امتلاكهم جواباً على هذه النقطة.
إذا ما نُشرت هذه الأرقام قبل عقدين مثلا لشكّلت فاجعة لدى السوريين، حيث إن وجود 15% يعتبرون أن القضية الفلسطينية تخص الفلسطينيين وحدهم، و8% لا يمتلكون جوابا، مؤشّر إلى وجود تغيّر سلبي للغاية في الرأي العام السوري إزاء قضية تربّينا على أنها جزءٌ وجوديٌّ من حياتنا، وأنه لا يمكن ترك الفلسطينيين وحدهم يخوضون الصراع ضد إسرائيل نيابة عن العرب: إن نسبة الـ15% والـ8% تعدّ عالية في الحالة السورية.
تبدو نتائج "المؤشّر" حيال القضية الفلسطينية منسجمة مع الموقف من عقد اتفاق سوري ـ إسرائيلي، إذ عارض 70% من المستجيبين عقد اتفاق مع إسرائيل، من دون عودة الجولان السورية، ورأى 58% أن إسرائيل الأولى في ترتيب الجهات الخارجية التي تهدّد أمن الوطن العربي. ربما تكون مأساوية السنوات السابقة التي عاشتها سورية والخلل الكبير جدا في موازين القوى بين سورية وإسرائيل سبباً في رغبة جزء من السوريين بإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل، لكن أرقام "المؤشّر" تجعل مسار السلطة في سورية نحو إسرائيل محفوفاً بالمخاطر، فبدون تقديم شيءٍ استراتيجي للسوريين، سيؤدّي أي اتفاق مُبهم أو قليل النتائج إلى مخاطر داخلية على إدارة الشرع أخذها بالاعتبار.
ختاماً، شكّل المؤشّر العربي في سورية خطوة متقدّمة جداً، وعملاً احترافياً، وسدّاً لفراغ كانت سورية في أمسّ الحاجة إليه، ومن المهم العمل على نشر نتائج الاستطلاع يوميّاً من أجل وصوله إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
المساهمون