الوسطيّة حين تُدير المظهر... قراءة في حدود الأطروحة

04 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:24 (توقيت القدس)
عائلة سورية في خرائب منزلها في القصير (16/2/2025 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يناقش زيدون الزعبي في مقاله "مقدّمات للوسطية في سورية" مفهوم الوسطية كوسيلة لإدارة الخلافات في المجتمعات التعددية، لكنه يواجه تحديات في تطبيقه على الواقع السوري بعد سقوط النظام، خاصة في مسائل العدالة والمحاسبة.
- يبرز المقال أهمية الاعتراف المتبادل بين الأطراف، لكنه يواجه صعوبة في التوفيق بين سرديات الأطراف المختلفة، مما يؤدي إلى مساواة غير مقبولة بين الجاني والضحية.
- يخلط المقال بين العَرَض والعلّة في طرحه لحل الأزمة، ويستدعي مثال جنوب أفريقيا بشكل غير دقيق، مما يؤدي إلى انحياز للأمر الواقع وتأجيل غير محدد للعدالة.

في مقاله "مقدّمات للوسطية في سورية" (ملحق سورية الجديدة، 21/7/2026)، يقدّم زيدون الزعبي دفاعاً نظرياً أنيقاً عن مفهومٍ لطالما بدا في اللغة السياسية العربية مرادفاً للتردّد والرمادية. حجّته أن الوسطية، في العلوم السياسية ليست وقوفاً في منتصف المسافة بين الأقطاب، بل منهجٌ لإدارة الخلاف في المجتمعات التعدّدية، هدفه الحدّ من "الاستقطاب الوجداني" الذي خلّفته سنوات الحرب، وإعادة بناء "المركز" الذي يسمح للأطراف بالتنافس من دون أن يتحوّل بعضها إلى عدوٍّ وجوديٍّ لبعض. والحجّة، في مستواها المجرّد، وجيهة: أدبيات الاستقطاب الوجداني حقيقية، وتشخيص انهيار المساحة المشتركة بوصفه الإرث الأثقل للنزاع تشخيصٌ لا يُستهان به.
غير أن الاختبار الحقيقي لأي إطارٍ نظري ليس في اتساقه الداخلي المجرّد، بل في ما يفعله حين يُسقَط على أرضٍ محدّدة. وحين تُسقَط "الوسطية" على سورية ما بعد الثامن من ديسمبر/ كانون الأول (2024)، سورية التي يقرّ المقال نفسه بأن الاستقطاب فيها ظهر بعد سقوط النظام "متعمقاً بعد مجازر آذار (مارس) وتموز (يوليو) 2025"، يتبيّن أن البنية التي يقترحها المقال تنقض، الواحدة تلو الأخرى، الالتزامات التي يعلنها. فالمقال يختم بأن الوسطية "موقف واضح، يطالب بالعدالة والمحاسبة ويحدد المنتهك"، وأنها "لا تقوم على المساواة الأخلاقية بين جميع المواقف أو الانتهاكات". هذا هو ما يجب أن يُقال. لكن قواعده الأربع: التوقّع، والاعتراف، وبناء المركز، والتدرّج، لا تحمل هذا الالتزام، بل تُفرغه. وهذه هي المسافة التي يسكنها هذا النقد: لا اتهام المقال بإغفال العدالة، بل مساءلته عن التناقض بين ما يعلنه وما تفعله آليته.
... تقوم القاعدة المركزية في المقال على "الاعتراف": أن يحظى كل طرف باعتراف الآخر بأحقيته في بناء سرديته الخاصة. ثم تشترط الخاتمة أن تُحدِّد الوسطية "المنتهك". وهاتان دعوتان لا تلتقيان من دون تمييزٍ يغيب عن النص تماماً.
في أدبيات العدالة الانتقالية، تمييزٌ تأسيسيٌّ بين الحقيقة الوقائعية - مَن قتل مَن؟ بأي أمر؟ ـ والحقيقة السردية، أي كيف يمنح كل طرف معنىً لما جرى. التعددية مشروعة في المستوى الثاني وحده. أما حين توجد مجزرة وجانٍ محدَّد، فإن "الاعتراف بأحقية الجاني في بناء سرديته الخاصة" ليس تعدديةً، بل هو تحديداً تلك المساواة الأخلاقية بين الجاني والضحية التي يزعم المقال أنه يرفضها. لأنّ المقال لا يفصل بين مستويي الحقيقة، فإنه يقع في المأزق الذي حذّر منه: إمّا اعترافٌ متبادلٌ بكل السرديات، فتسقط "تحديد المنتهك"؛ وإمّا تحديدٌ للمنتهك، فتسقط "أحقية الجميع في سردياتهم". لا يجمع بينهما إلا الإنشاء.
ويذهب المقال إلى أن "أي موالاة ترفض الحياة السياسية… راديكالية، وأي معارضة ترفض الحوار مع النظام الحاكم… راديكالية". تناظرٌ لطيف الوقع، لكنه ينهار عند أول اختبار.
المقال نفسه يعرّف الوسطية، منذ سطوره الأولى، بأنها موقفٌ "من النخبة الحاكمة الجديدة في دمشق، والمتمثلة في هيئة تحرير الشام والفصائل والقوى المتحالفة معها". أي أن أحد الطرفين - بإقرار النص لا بافتراضٍ عليه - يحكم، ويمتلك الدولة وأجهزتها. ومن يمتلك احتكار الإكراه، بالمعنى الفيبري، ليس نظيراً لمن لا يمتلك منه شيئاً. تقول أدبيات النزاعات غير المتناظرة ومعضلة الأمن إن عبء المبادرة إلى الثقة لا يُوزَّع بالتساوي بين من يحتكر السلاح والاعتراف الدولي، وبين من نجا لتوّه من عنفٍ جماعي. حين يساوي المقال بين "راديكاليتين"، يمحو فارق الموقع البنيوي الذي كان هو من أثبته. وهذا تناقضٌ في النص، لا نقدٌ من خارجه.

علاجٌ خطابيٌّ لعلّةٍ بنيوية

جوهر تشخيص المقال أن المشكلة ليست في وجود أطرافٍ متعارضة، بل في "انهيار المركز"، وأن العلاج هو "إعادة بناء مركز جاذب". أي أن المشكلة تُصوَّر بوصفها خطابيةً وجدانية: لغةٌ سامة، وتخوينٌ متبادل، وبيئةٌ مشحونة، ويُصوَّر العلاج بوصفه خطابياً بدوره: حوارٌ واعترافٌ وإعادة بناءٍ للمشترك.
هنا مغالطةٌ في ترتيب الأسباب. تُرجِع أدبيات تكرار الحروب الأهلية العداءَ الوجودي بعد العنف إلى غياب الضمانات الأمنية ذات المصداقية، لا إلى عجزٍ في التواصل؛ وهي معضلة الالتزام الموثوق التي حلّلتها باربرا وولتر. ويُظهر علم النفس السياسي للنزاعات الإثنية، كما عند روجر بيترسون، أن الخوف والضغينة والكراهية بعد المجازر نتاجٌ لتهديدٍ واقعيٍّ ولإفلاتٍ من العقاب، لا مجرد لغةٍ قابلةٍ للإصلاح بالحوار. الاستقطاب الوجداني، في سياق ما بعد المجزرة، عَرَضٌ لعجزٍ في الأمن والعدالة، لا علّةٌ مستقلة. ولذلك يبقى السؤال الذي لا يجيب عنه أي حوار: مَن يضمن للجماعة التي تعرّضت للمجزرة ألّا تتكرر؟ يقدّم المقال دواءً خطابياً لمرضٍ بنيوي، فيخلط بين العَرَض والعلّة.

المثال الذي ينقض صاحبه

يستدعي المقال جنوب أفريقيا شاهداً على أن الاستقطاب "كاد يعيد البلاد إلى أتون الحرب الأهلية"، ويُدرجها ضمن قرينةٍ على أن الحل رأبُ المركز. لكن الحالة الجنوب أفريقية هي المثال النموذجي على العكس تماماً: المصالحة لم تكن بديلاً عن المحاسبة، بل بُنيت عليها. فالعفو في لجنة الحقيقة والمصالحة لم يكن مجانياً، بل مشروطاً بالكشف الكامل والعلني عن الجرائم ذات الدوافع السياسية. أي أن "المركز المشترك" كان مُخرَجاً لعملية كشفٍ للحقيقة سبقته، لا مُدخَلاً سابقاً عليها.
حين يُستدعى هذا المثال من دون آليته، ينقلب إلى دليلٍ ضدّ الأطروحة التي سيق لها: العدالة تسبق المصالحة، لا "بناء المركز" يسبق المحاسبة. وينسحب الأمر على أمثلته الأخرى. فمصر وتونس والعراق لا تُثبت أن راديكالية الأطراف تُجهض التحول الديمقراطي بقدر ما تُثبت - في قراءة أدبيات التحول نفسها - أن الإفلات من العقاب وغياب التسوية الشاملة هما ما يُجهضه. النقص كان في المحاسبة، لا فائضاً في "راديكالية" الضحايا.

"بناء الدولة" وانحياز الأمر الواقع

ثم يعرّف المقال الوسطية بأنها "في جوهرها بناء الدولة"، و"عملية مستمرة لإعادة بناء المركز السياسي والاجتماعي للدولة". وهنا يصطدم بتعريفه الافتتاحي، الذي جعل الوسطية موقفاً "لا تناصب العداء لهذه النخبة، ولا تتحالف معها".
بالمنطق الفيبري، مَن يحتكر الإكراه المشروع هو من يبني الدولة ويعرّف مركزها. والمقال يقرّ بأن بانية الدولة اليوم هي النخبة الحاكمة عينها. فإذا كانت الوسطية بناءً للدولة، والدولة تُبنى بيد هذه النخبة، فإن الوسطية تنزلق عملياً إلى مساندة مشروعها القائم، ولو تحت لافتة الحياد فوق الأطراف. لا يستقيم أن تكون الوسطية "غير متحالفة مع النخبة" و"ملتزمة ببناء الدولة" معاً، ما دامت هذه النخبة هي بانية الدولة الوحيدة. وهذا استخلاصٌ من جمع تعريفيه المتعارضين، لا إسقاطٌ عليه.

التدرّج بلا معيار والالتزام بلا حامل

تختم القواعد بالدعوة إلى "التدرّج في التغيير"، وإلى "إيجاد حلول تتناسب مع الواقع، من دون الوقوع في فخ الاستسلام لهذا الواقع". لكن المقال لا يقدّم معياراً واحداً يفصل التدرّج المشروع عن التأجيل اللانهائي. وهذه بالضبط عقدة "التسلسل" في العدالة الانتقالية: مقولة "السلام أولاً والعدالة لاحقاً" مثارُ خلافٍ حاد، لأن "لاحقاً" كثيراً ما تعني "أبداً"، ولأن تأجيل العدالة يرسّخ سلطة من ارتكب العنف. يتبنّى المقال الموقف التدرّجي من دون أن يشتبك مع نقده المعروف، فتغدو واقعيته غير قابلة للتمييز - إجرائياً - عن اعتذاريةٍ للأمر الواقع.
ولعلّ هذا يفسّر ما يفعله المقال في خاتمته حين يراكم التبرّؤات: فالوسطية عنده لا تنجح إن تحوّلت إلى "موقف رمادي يفتقر إلى الوضوح"، أو إلى "صمت إزاء الأحداث الكبرى"، وهي في المقابل "يطالب بالعدالة والمحاسبة ويحدد المنتهك". هذه هي الاعتراضات ذاتها التي يستحقّها، وهو يستبقها لفظياً من دون أن يبني لأيٍّ منها آليةً في متن قواعده. القواعد كلها تدور حول التقريب ورأب المشترك؛ أما المحاسبة فتظهر قيمةً معلنة لا آليةً مدمجة. وبلغة العلوم السياسية، هذا التزامٌ معياريٌّ بلا حاملٍ مؤسسي. والنظرية التي تسمّي المحاسبة قيمةً ثم لا تصمّم لها آلية، تؤول - بحكم بنيتها لا بحكم نيّتها - إلى إدارة المظهر بدل إدارة الجذر: إلى خفض حرارة الخطاب، لا إلى معالجة العجز الأمني والعدلي الذي يُنتج الخطاب أصلاً.

المأخذ ليس أن المقال أغفل المجازر أو العدالة؛ فقد ذكرهما. المأخذ أن بنيته تنقض إعلاناته. التناظر بين راديكالية الحاكم والمحكوم يمحو فارق الموقع الذي أقرّ به؛ و"الاعتراف بكل السرديات" يصطدم بـ"تحديد المنتهك"؛ وتشخيص المشكلة انهياراً خطابياً للمركز يقلب سببية العنف؛ ومثال جنوب أفريقيا يقول عكس ما استُدعي له؛ وتعريف الوسطية "بناءً للدولة" يهرّب انحيازاً للأمر الواقع؛ والتدرّج بلا معيار يساوي التأجيل.
يبقى الإطار النظري للاستقطاب الوجداني أداةً حقيقية. لكن إسقاطه على سياقٍ ما بعد المجازر، من دون ربطه بالضمانات الأمنية ذات المصداقية وبآليات العدالة الانتقالية، يحوّله من أداة تحليل إلى غطاءٍ خطابيٍّ أنيق. 
والسؤال الذي يتركه المقال مفتوحاً، من حيث لا يقصد، هو السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح: أيّ مركزٍ يمكن أن يجتمع عليه من دُفنوا ومن دَفنوا، قبل أن يُسمّى القاتل ويُحاسَب؟ وسطيةٌ لا تشترط على نفسها - بنيوياً لا لفظياً - تسميةَ الجاني والمحاسبة والضمان، ليست مخرجاً من الاستقطاب، بل تثبيتٌ لتوازن القوى القائم تحت اسمٍ أحلى.