استمع إلى الملخص
- دعا مرقص إلى وعي نقدي يتجاوز الوصف، منتقدًا اليسار العربي والسوري لمواقفه من الديمقراطية والوحدة العربية، مؤكدًا على أهمية التفكير النقدي لتحرير الذات.
- رأى مرقص أن الأنظمة العربية تدجن العقول لخدمة بقائها، وانتقد المعارضة لمهادنتها السلطة، مشيرًا إلى قمع نظام الأسد وداعيًا لرفع الوصاية عن العقل العربي.
ترك المفكّر والفيلسوف السوري إلياس مرقص (1927 - 1991) مجموعةً من قراءاته الفجائعية لما حلَّ بالعقل العربي من كوارث نتيجة الممارسات السلطوية للأنظمة العربية في عدائها للعقل.
قضى حياته في التأليف وتعليم الفلسفة، كان يتمسّك بألا يتخلى العقل عن حقّه في التحليل والنقد، فلا نُكفِّر العقل، ولا نُجهض العلم بإنكار ورفض السببية والنسبية، ولا يتصادم الدينُ مع نظريات التطور الاجتماعي والاقتصادي. فالأنظمة العربية لم تُقدِّم للإنسان العربي إلاَّ الجوع والفقر والاضطهاد والتمزُّق والتشتُّت والتخلُّف؛ بل وترعى سياسة جهله وتجهيله، وتفرض قائدها على تعددها من اليسار المتحجّر إلى اليمين الأحجر، ذلك بالاضطهاد والتغييب. وهو في فلسفته - وإن شابها شيءٌ من الهجاء القاسي (والمستحق) للأنظمة وأحزابها؛ خاصَّة السورية الحاكمة والتي في الظل، إنَّما كان يُعبِّر عن سخطه وغضبه منها، كونها ضَيَّعت فُرصاً كثيرةً للانخراط في بناء النهضة - مشروع النهضة العربية. فهي أحزابٌ تعيش في عزلة تامَّة عن جماهيرها، لأنَّها أحزابٌ لا تملك إرادة حُرَّة، ويُفترض أن تسوسها كائناتٌ عاقلة. فسياساتها الاقتصادية والاجتماعية مرهونة للآخر، بتبعية مُطلقة للدول العُظمى؛ حتى تؤمِّن بقاءها، لا تَهمُّها شعُوبها، وبذلك ستكون الحريَّة مستحيلة. لذا سيعيش الناس ويتغذُّون بالقهر والإرهاب والتسلط الفكري والسياسي بكلّ أشكاله. تحوّلت الدولة إلى ورشة استعبادية للناس الذين ما عادوا يملكون حتى إرادتهم، لأنَّها ليست إرادة حُرَّة، وليس ببعيد ما تعرَّض له السوريون من قمع وحشي دموي؛ حين بدأت الزلزلة في 2011.
صاغ إلياس مرقص فلسفته من وعيٍ قومي عروبي، وعي واقعي وحقيقي، بما يتقاطع مع الوعي الأممي، وهذا ما زاد في عداء اليسار السوري والعربي له، فقد انتقد هذا اليسار وأحزابَه وسياسات قادتِه في مواقفهم من الديمقراطية والوحدة العربية ومن قضية فلسطين. طبعاً هو في نقده هذا لا يذهبُ إلى إنتاج نوع خاص من الثوريين السوريين، فالإنسان بتفكيره الناقد يذهب نحو امتلاكه حريته لذاته، ومن أجل ذات الناس، من أجل تحرير هذه الذات من التبعية والجهل فلا يستسلم للوضع الراهن. إِذ ما الذي يمنعُ السوري والعربي أن يكون مركزاً للفكر والتفكير العلمي والفلسفي.
دافع إلياس مرقص عن حقّ الإنسان في الوجود، فلا يكون القهر والتقهير والإرهاب والترهيب والتسلط الفكري والسياسي بمثابة رماح وسيوف وخناجر يستلها المستبدُّ ضد مُعارضيه من البشر
يذهب إلياس مرقص في فكره السياسي إلى ضرورة أن يمتلك الإنسان وعياً نقدياً لا وعياً وصفياً بحقوقه إنساناً، وقد خاض بذلك سجالات مع باحثين ومفكرين وقوى سياسية، وكان يتساءل كيف ندَّعي حضورنا المطلق في التاريخ فيما نحن (الآن - هنا) في غيابٍ مطلق. وما ادّعاءاتنا عن أنَّنا أبناء لغةٍ واحدةٍ وأرضٍ واحدة ٍوتاريخٍ وجغرافيا وعادات وتقاليد تجمعنا؛ إلاَّ ضربٌ من الهروب من المواجهة مع الآخر، الذي قامت حضارته بفضل وعيه (القومي) كان فرنسياً أو إنكليزياً أو ألمانياً أو أميركياً أو نيكاراغوياً. لقد قضينا وما نزال أوقَاتنا القومية في تكفير المُفكِّرين، واستقوَيْنا بالحاكم بأمره، وبالأجنبي، كسند لِكَمِّ أفواه المُعارضين وقهرهم، باللجوء إلى القوَّة والإرهاب والاضطهاد، ومن ثمَّ القتل والتصفية الجسدية، وهذا ما قَتَلَ مَلكات الإنسان السوري والعربي الإبداعية.
دافع إلياس مرقص حتى وفاته بالسرطان، حيث سُجّي في مقبرة "الفاروس" في اللاذقية، عن حقّ الإنسان في الوجود، فلا يكون القهر والتقهير والإرهاب والترهيب والتسلط الفكري والسياسي بمثابة رماح وسيوف وخناجر يستلها المستبدُّ ضد مُعارضيه من البشر. ولعلَّ موقفه من "المعتزلة" الذين دافعوا عن حرية العقل في التفكير والتفسير والتأويل، وانتقاده نظرية ستالين في المسألة القومية، ونعته "فن الواقعية الاشتراكية" بأنَّه (فنٌّ تافهٌ كونه ساعد في تبرير أكاذيب مُتعدِّدة) كان موقفاً شجاعاً من مفكّر عربي، وأنَّه في كتاباته/ فلسفته انتقدَ طويلاً وكثيراً هذا الواقع الذي إِلْنا إليه، فيحكمُنا اقتصادٌ طفيلي وأصولية دينية ومحرَّمات ثقافية، ما يؤكِّد أنَّ لا أحد يملك الحقيقة واليقين المُطلق.
صاغ المفكِّر إلياس مرقص أنساقاً ثقافية وعقائدية ضدَّ السلطة؛ خطابات لم تُثْنِ النظام الضبعي عن رأيه في تقويض سلطته
إلياس مرقص في نقده للسلطة العربية/ الأنظمة وطريقة حكمها، من اليمين السياسي أو اليسار السياسي؛ رآها تقوم بعملية اجتياح لعقول الناس للسيطرة عليها وتوجيهها عبر منظماتها لخدمة بقائها واستمراريتها - تقوم بتدجينها؛ أي أنَّ السياسة هي مَنْ يُوجِّه الفكر، في حين أنَّ (العِلم) هو مَنْ يُوجِّه الفكر في الأنظمة الديمقراطية والمدنية. ولعلَّ أكثر نَقده كان للمعارضة السياسية التي حَابَتِ السلطةَ في سورية القديمة، وخاصة أحزاب اليسار التي صارت شُقَفاً - تَشَقَّفَتْ، فيما بقي بعضها خارج السلطة - بقي في المُعارضة، ودفع أثماناً باهظة في السجون؛ لأنَّه كان ضد طوباويات نظام سورية القديمة؛ ضد جبروت عائلة الأسد واستفرادها بسورية وما فيها ومن عليها، فعشنا فراغاً روحياً هائلاً، لأنَّ الأسد وعائلته كانوا يتعاملون مع السوريين بمختلف عقائدهم ومذاهبهم وطوائفهم وإثنياتهم بصفتهم لحماً بشرياً مُكدَّساً في المسالخ (السجون والمعتقلات) يجب التخلُّص منه ودفنه في المقابر الجماعية، وهذا ما تمَّ كشفه في سورية الجديدة بعد 8/12/2024؛ وكأنَّ الحياة خُلِقت لهذه العائلة، يومَ خلق الله الكون، وهو ما كان يحزُّ بسكينه عقل إلياس مرقص، الذي كانت فلسفته تقدح من عيونه شرراً متألّماً مما تعيشه الأمّة العربية من انسلاخات مثل: فشل الوحدة السورية المصرية 1958 - 1961، وهزيمة حرب حزيران 1967 وغرق الأنظمة العربية في ادعاءات يستحيل تحقيقها فتنجز ثورةً ديمقراطية لمواطنيها، وتُحقِّق الوحدة العربية، وتُحرِّر فلسطين، وأَن ما سُمِّيَ لاحقاً بأزمة الشرق الأوسط إنَّما هي أزمة انهيار الأمة العربية، وهو ما جرى، وكأنَّ الياس مرقص كان يتنبَّأ بذلك، عندما تمَّ اختراع ثورات الربيع العربي في 2011.
صاغ المفكِّر إلياس مرقص أنساقاً ثقافية وعقائدية ضدَّ السلطة؛ خطابات لم تُثْنِ النظام الضبعي عن رأيه في تقويض سلطته. بل ازداد شراسة، وقام بتغييب الحضور الإنساني للسوريين، فلا أَنْسَنَة ولا تسييس ديمقراطي، فراحت البلد. وهو في بحوثه ودراساته وإن كانت سياسية؛ إنما هي قراءة فلسفية لواقعنا السوري والعربي، ودعوة إلى رفع الوصاية عن العقل باعتباره قوة عظمى.