تجدّد الحرب ضد إيران… التداعيات على القضية الفلسطينية
- إسرائيل استغلت الحرب لتصعيد سياساتها التوسعية، مما دفع شخصيات دولية للتحذير من اختفاء الأراضي الفلسطينية وضرورة تدخل المجتمع الدولي لوقف إفلات إسرائيل من العقاب.
- هناك حاجة لتشكيل قيادة فلسطينية موحدة واستغلال العزلة الدولية لإسرائيل، مع تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة ومواجهة الاستيطان عبر المقاومة الشعبية والدعم الدولي.
أثار تجدّد الحرب الأميركية ضدّ إيران مرّة أخرى؛ ولو بوتيرة منخفضة؛ مخاوف من تداعياتٍ سلبية على القضية الفلسطينية عامةً، وتنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة خصوصاً، بعدما تركت المرحلة الأولى من الحرب الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران تداعيات سلبية فعلاً على القضية، مع انشغال الوسطاء والعالم بوقف الحرب، واستغلال إسرائيل ذلك لفرض مزيد من الوقائع على الأرض في قطاع غزّة، بما في ذلك تمدد الخط الأصفر ليبتلع 70% من مساحة القطاع، بموازاة تسريع ممارسات وخطط الاستيطان والتهويد والضمّ الصامت في الضفّة الغربية، فيما أكّدت المرحلة الأولى خطأ مراهنة بعض الناس على إيران ذات الحضور التاريخي المتواضع والهامشي في القضية الفلسطينية، والّتي تستغلها لتبييض سياساتها وممارساتها الطائفية في الإقليم، مع الانزواء جانباً، وعدم التدخل والتصعيد لمنع نكبة قطاع غزّة خلال حرب السنتَين 2023-2025، ثمّ تجاهلها تماماً في مذكرة التفاهم الّتي جرى توقيعها أوائل يونيو/حزيران الماضي لوقف الحرب والعودة إلى طاولة التفاوض مع أميركا، قبل أن تنتهك وتموت سريرياً، والعودة إلى الحرب ولو بوتيرة منخفضة، لكن مع رفض مشاركة إسرائيل "حتّى الآن" الباحثة عن حرب؛ بل حروب؛ أبدية في المنطقة، كما قال عن حقّ نائب الرئيس الأميركي جى دي فانس منذ أيام.
إذاً، أثار تجدد الحرب الأميركية الإيرانية؛ ولو بوتيرة منخفضة؛ حتّى مع إقصاء إسرائيل عنها ولو مرحلياً، مرةً أخرى، هواجس ومخاوف من التأثيرات السلبية على القضية الفلسطينية، سواء في ما يتعلق بانشغال الوسطاء والعالم عنها، وتعثّر تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، واستغلال إسرائيل هذا الفراغ والانشغال لفرض مزيد من الوقائع على الأرض، سواءً في القطاع نفسه أو القدس والضفّة الغربية، ومواصلة الضمّ الزاحف الصامت وغير الرسمي هناك، بالتزامن مع قرب الانتخابات العامة والحاسمة في الدولة العبرية أواخر أكتوبر/تشرين الأول القادم.
قبل الحديث عن تجدّد الحرب ولو بوتيرة منخفضة، لا بدّ من الإشارة إلى معطيات مهمّة، من قبيل التذكير الضروري بموقف إسرائيل الرافض لمذكرة التفاهم الّتي دعمها وأيدها العالم
للتذكير، عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، طُرحت مخاوف جدية من تأثيراتها وتداعياتها السلبية على القضية الفلسطينية، وتحديداً في ما يتعلق بالاهتمام العالمي بالحرب وتداعياتها الأممية، لتأثيراتها السلبية على سلاسل التوريد في قطاعات الطاقة والأسمدة والبتروكيماويات، وانشغال الوسطاء بإطفاء نيران الحرب ومنع تمدّدها إلى عموم المنطقة.
في خلفية هذه المخاوف، وإضافةً إلى ما سبق، كان التذكير بالحضور التاريخي المتواضع لإيران في القضية الفلسطينية واستغلالها خلال السنوات الماضية لتبييض سياساتها وممارساتها الطائفية والتوسعية في العالم العربي، كما جرى التذكير بعدم تحريكها ساكناً، رغم الخطاب الدعائي الصاخب عن وحدة الساحات للدفاع عن قطاع غزّة، ومنع إبادته عن بكرة أبيها تقريباً خلال حرب ضروس استمرت عامين كاملين 2023-2025، ثمّ بوتيرة أشد حدّةً خلال العام الجاري 2026.
للأسف فقد تحققت تلك المخاوف فعلاً، وتعثر تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، مع استغلال إسرائيل غبار الحرب، وانشغال الوسطاء والعالم بها، لفرض مزيد من الوقائع على الأرض في قطاع غزّة وباتجاهات متعددة، أهمّها تمدد الخط الأصفر للاحتلال الذي بات يبتلع أكثر من ثلثي القطاع، مع حصر مليوني فلسطيني على أقلّ من ثلث المساحة المتبقية.
شهدنا خلال الشهور الخمس الماضية، من نهاية فبراير/شباط حتّى نهاية يوليو/تموز، كذلك تلويح إسرائيل باستئناف الحرب ضدّ قطاع غزّة، مع خطط جاهزة وضعتها قيادة المنطقة الجنوبية لجيش الاحتلال، وهي الفترة الّتي اندلعت فيها الحرب ضدّ إيران، ثمّ تسارعت جهود الوسطاء لوقف النار وإنهاء الحرب تماماً.
أمام رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطط العودة إلى الحرب، استغلت إسرائيل الفترة ما بين وقف إطلاق النار أوائل أبريل/نيسان، ثمّ توقيع مذكرة التفاهم أوائل يونيو/حزيران، وجولات التفاوض على تنفيذها حتّى انهيارها أواخر يوليو/تموز لمواصلة الحرب على طريقتها؛ ولو بوتيرة منخفضة، عبر تصاعد جرائم الاغتيالات والتمدد على الأرض، مع الانتباه دائماً إلى الهدف الإسرائيلي المركزي، الذي يتمثّل بالحفاظ على الواقع الراهن، حيث السيطرة على 70% من القطاع باحتلالٍ منخفض التكلفة، وقتلٍ بطيء لأهالي قطاع غزّة المحشورين على 100 كم تقريباً، والتضييق على إدخال المساعدات الإنسانية، وعرقلة خطط التعافي المبكر والإيواء العاجل، وبالمقابل إعادة وضع خطط التهجير القسري "الترانسفير" على جدول الأعمال، وإظهاره طوعياً تحت مسميات أخرى، من قبيل حركة الحرية، وحقّ الغزيين في السفر والمغادرة في ظلّ وضع قيود جدّية على العودة، بما في ذلك إبقاء القطاع مدمراً ومحروماً من الخدمات الأساسية.
هذا في قطاع غزّة، أما في الضفّة الغربية بما فيها القدس طبعاً، فقد استغلت إسرائيل الحرب ضدّ إيران لمواصلة سياستها التهويدية والاستيطانية والضمّ الزاحف البطيء غير المعلن رسمياً، مع انفلات المستوطنين بجرائمهم، خصوصاً في المناطق الريفية، وبدعمٍ كامل من المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية، وتغطيةٍ لتلك الجرائم تحت ذرائع وحجج متعددة.
للأسف فقد تحققت تلك المخاوف فعلاً، وتعثر تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، مع استغلال إسرائيل غبار الحرب، وانشغال الوسطاء والعالم بها، لفرض مزيد من الوقائع على الأرض
وعليه، وقبل الحديث عن تجدّد الحرب ولو بوتيرة منخفضة، لا بدّ من الإشارة إلى معطيات مهمّة، من قبيل التذكير الضروري بموقف إسرائيل الرافض لمذكرة التفاهم الّتي دعمها وأيدها العالم، وعمل عليها الوسطاء العرب والمسلمون باعتبارها اتّفاق إطار فضفاضاً يفترض التفاوض حول بنوده بأجواء هادئة فيما بعد.
إلى ذلك، يجب التذكير بأوهام المراهنة على إيران الّتي لا تتعاطى مع القضية الفلسطينية على اعتبارها أولوية رغم الخطاب الدعائي، وموقفها الخجول من حرب قطاع غزّة، وتجاهلها تماماً في مذكرة التفاهم لوقف الحرب والنقاش حول اليوم التالي لها.
في ما يخص تجدد الحرب، فقد تزامن هذا مع الإعلان رسمياً عن إجراء الانتخابات الإسرائيلية في موعدها المقرر أواخر أكتوبر/تشرين الأول القادم، ومع تصوير انتهازي ومنافق لعدم مشاركتها في الحرب تنازلاً منها بما تستحق مقابلاً له، وعليه فقد بادرت الحكومة الأكثر تطرفاً في الدولة العبرية إلى تصعيد عمليات الاغتيال والقتل في القطاع، مع توسيع الخط الأصفر إلى شرق مدينة غزّة ودير البلح بالوسطى، وهي مناطق لم تقم باجتياحها عسكرياً خلال الحرب، بموازاة رصد موازنات هائلة للاستيطان، وخلق وقائع دائمة في الضفّة الغربية، ما دفع قامات سياسية وحقوقية دولية مرموقة، مثل رئيسة أيرلندا السابقة ماري روبنسون، ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة هيلين كلارك، إلى التحذير من احتمال اختفاء الأراضي الفلسطينية، وضرورة عمل المجتمع الدولي على وضع حدّ لإفلات إسرائيل من العقاب.
في مواجهة السياسات والخطط الإسرائيلية الدموية العدوانية والمعلنة، وكما المرحلة الأولى من الحرب ضدّ إيران، لا زلنا نفتقد للأسف استراتيجية فلسطينية موحدة للمواجهة، رغم الاستعداد العربي والإقليمي والدولي لدعم هذه الاستراتيجية، عبر العمل على تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة بمراحله كافّة، خصوصاً الثالثة المنسيّة التّي تتضمّن الدولة الفلسطينية وتقرير المصير، كونه أخفّ الشرور، والبدائل عنه أسوأ بكثير، بما فيها تأبيد الواقع الراهن، أو تقسيم فعلي لغزّة إلى شرقية وغربية، وجديدة وقديمة، بموازاة مواجهة الخطوات الاستيطانية في الضفّة الغربية، وفق خيار المقاومة الشعبية القائمة فعلاً، وتحتاج إلى تأطيرها ومأسستها فقط، وانخراط فئات جماهيرية أوسع فيها.
تحتاج هذه الاستراتيجية بالضرورة إلى تشكيل قيادة فلسطينية موحدة، وتوافق على اعتبار الانتخابات التشريعية نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، ثمّ الرئاسية مطلع العام القادم، خطوة أولى على هذا الطريق، وفي الوقت نفسه استغلال عزلة إسرائيل الدولية المتفاقمة لإجبارها على وقف ممارساتها وجرائمها في الضفّة وقطاع غزّة، والاستفادة من مظلة الحماية والدعم العربية والإسلامية، وحتّى الدولية المتقبلة للقضية والرواية الفلسطينية العادلة، وهذا يكفل بحالة حدوثه تخفيف وتحجيم ضرر تجدد الحرب ضدّ إيران، مع المطالبة بوقفها نهائياً على قاعدة التفرغ العربي والدولي للقضية الفلسطينية باعتبارها جذر عدم الاستقرار والتوتر في المنطقة.