تغريبة الاقتصاد السوري... التخلّي عن القطاع العام يحتاج نقاشاً واسعاً
استمع إلى الملخص
- تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي واجه تحديات مثل غياب الإصلاح الديمقراطي وضرورة تفعيل الديمقراطية الاقتصادية، مع خلاف حول قدرة القطاع الخاص على الحلول محل الدولة، مما يتطلب توازنًا بين السوق والتنمية الاجتماعية.
- الخصخصة في مرحلة ما بعد النزاع تثير مخاوف من تفكيك وظائف الدولة التنموية، حيث قد تؤدي إلى تكريس الأوليغارشية في غياب مؤسسات رقابية، مما يستدعي نقاشًا عامًا حول الإصلاح الاقتصادي ودور الدولة.
كانت الاشتراكية شعاراً سياسياً أكثر منها سياسة اقتصادية فعلية، فقد احتُفظ بالقطاع العام أداة للضبط الاجتماعي والسياسي، من دون تطويره ليكون محرّكاً حقيقياً للتنمية. أما في عهد الأسد الابن المخلوع، فقد جرى تبني اقتصاد السوق الاجتماعي في إطار دور جديد للدولة، لكن التطبيق الفعلي انحرف نحو تحرير جزئي للأسواق، وتوسيع صلاحيات القطاع الخاص من دون ضوابط واضحة أو إصلاح مؤسّسي حقيقي، وذلك بفعل عوامل كبح كبيرة مورست على القائمين على تنفيذ الخطة لعدم تحقيق التحول الاقتصادي المنشود.
بعد عام 2011، اتخذ النظام سلسلة من الإجراءات المتناقضة، تجمع بين عناصر من الاشتراكية (مثل الدعم الاجتماعي) وأخرى من الليبرالية (مثل فتح الأسواق والخصخصة الجزئية)، من دون وجود إطار دستوري أو مؤسّسي يضبط هذا التحول، وقد استمر هذا التناقض حتى بعد 2020، حيث ظهرت مؤشّراتٌ إلى توجّه النظام نحو نموذج رأسمالية الدولة، على غرار النموذج الصيني، الذي يجمع بين سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية وتحرير السوق لصالح نخبة اقتصادية محددة.
جرى إقرار مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي رسمياً في سورية في المؤتمر القُطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 2005
اقتصاد السوق الاجتماعي ضرورة حتمية
لم يكن هناك تطبيق لاقتصاد السوق الاجتماعي قبل وصول بشّار الأسد إلى السلطة، حيث ظهرت الحاجة للتحوُّل إلى شكل آخر من أشكال تنظيم الملْكية؛ حيث أبقى على مصطلح العدالة الاجتماعية رديفاً للاشتراكية وعمل على تطوير شكل الملْكية، والحفاظ على وجود حزب البعث حزباً عقائدياً، وإحدى أدوات الحكم الرئيسية، فلا بديل له في التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي استطاع أن يقوم به، وإنّ حلّه أو تهميشه تماماً سيقابله مَلْءُ الفراغ بأحزاب ومؤسّسات أخرى أقل انضباطاً، ما يتيح لها الحصول على هامشٍ غير مرغوب به من الحرية.
جرى إقرار مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي رسمياً في سورية في المؤتمر القُطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 2005، واستند إلى دور فعّال للدولة، حيث لا يقتصر دورها على مجرد ضبط الأسواق، بل يتعدّاه إلى الاستثمار في البنية الإنتاجية والتحتية، التعليم، الصحة، وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال سياسات الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل، فالدولة هي التي تضمن أن لا تتحوّل التفاوتات الاقتصادية إلى أزماتٍ اجتماعيةٍ من خلال تنظيم سوق العمل، دعم الفئات الضعيفة، وتفعيل دور النقابات العمالية ممثلاً أساسياً لمصالح العمّال، وتقديم الخدمات العامة وضبط السوق والتحكّم في السياستين المالية والنقدية. تم إقرار الخطة الخمسية العاشرة التي أضحت نموذجاً تنموياً مهماً على صعيد بناء الرؤى والأهداف والاستراتيجيات والبرامج والمشاريع، وقد اعتبرت تلك الخطة إحدى أهم الأدوات التي سوف تعبر بسورية نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي، بعد مخاض عسير مرّت به على صعيدي التنمية والتخطيط الاقتصادي والتنموي. بدأت مع عصام الزعيم الذي جيء به وزيراً من المنظّمات الدولية لتعميم تجارب التحول الاقتصادي، فاصطدم الرجل بجبال من المعوقات التي حالت دون تظهير عمله، وكانت قد سبقته محاولاتٌ عديدة عبر لجان وقرارات اقتصادية عديدة لم تبصر النور.
ثنائية السوق والمجتمع
مثّل اقتصاد السوق الاجتماعي تسوية تناقضية على صعيد النظرية الاقتصادية والاجتماعية، فقد تبنّى المؤتمر العاشر لحزب البعث هذا النموذج الاقتصادي، من دون أن تكون هنالك معرفة كافية عن النموذج، ومن دون أن تكون هنالك تجارب سابقة، ولا عملية انتقال تدريجي أو سياسات تمهيدية، أو حتى حوارات داخل مراكز البحث والجامعات وسواها، رغم محاولاتٍ عديدة لرئيس هيئة تخطيط الدولة آنذاك عبد الله الدردري في عقد طاولات مستديرة مع فعاليات اقتصادية واجتماعية عديدة، إلا أنها لم تكن كافية، أو لم تمأسس بشكل كافٍ لقيادة حوارات تنموية فعالة، فاختلف الجميع في تفسير هذا المصطلح، وبرزت أسئلة من نوع ما إذا كان اقتصاد السوق الاجتماعي نظاماً اشتراكيّاً أم رأسمالياً؟ وهل اقتصاد السوق الاجتماعي بدعة سورية، أم له نظرية وتجارب دولية، وظل الناس منقسمين بشأن جوهر هذا المفهوم ومعناه، وظهرت أجوبة كثيرة متنوّعة ومتناقضة من خبراء معنيين، من قبيل أن هذا الاقتصاد ليس اشتراكياً، بل رأسمالي، يقوم على التسوية بين قوى السوق والقوى الاجتماعية، غير أن هذه التسوية بطبيعتها تناقضية، إذ كلما تعمّق تطبيق نظام السوق تراجع الإنفاق الاجتماعي، وكلما ازدادت التنمية الاجتماعية تطلب ذلك إخضاع السوق لإشراف الدولة والمجتمع. وهذا ما أخضع مشروع الخطّة الخمسية العاشرة لمزيد من الضغط من قوى المجتمع، محمّلين الدردري هذا التناقض، بالرغم من أن الرجل حاول في مناسباتٍ كثيرة أن يشرح لكل قوى المجتمع السورية أن الدعم الاجتماعي، على سبيل المثال، لن يمسّ، وإنما سيُعاد توجيهه إلى مستحقيه، وأن اقتصاد السوق الاجتماعي سيبقي على التعليم والصحة المجانيين، وسوف يتوجّه نحو برامج استهداف للطبقات الهشة والضعيفة، لكن القوى المضادّة، والتي لم يعجبها التغيير، بقيت تناكف هذا التوجّه الجديد.
كانت تلك المعطيات بحاجة إلى إصلاح ديمقراطي في نظام الإدارة الاقتصادية عبر إلغاء القرارات البيروقراطية التي تعيق اتخاذ القرار في القطاع العام، وتبنّي الشفافية، وتحييد الوظيفة العامة في إطار الولاء الوطني العام، والالتزام بالمصالح الوطنية، إلى جانب المحاسبة على أساس الكفاءة والأداء، وتفعيل دور النقابات، فأسباب اتساع الهوة بين الأجور والأسعار على سبيل المثال هو غياب آلية "التصحيح"، إذ لم تضغط النقابات على الدولة عندما تعرّضت مصالح العمّال للخطر كارتفاع الأسعار. لذا كان تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي يتطلب تفعيل الديمقراطية الاقتصادية، والدور المستقل لنقابات العمال والفلاحين، إلى جانب مشاركة فعّالة من ممثلي القطاع الخاص الصناعي والتجاري، مع التأكيد على التنظيم الديمقراطي المستقل لكل فئات المجتمع. وكذلك عدم مقارعة هذا النموذج من النخب الحزبية والفكرية والقوى المسيطرة في الحزب والدولة، الأمر الذي أعاق برامج ومشاريع كثيرة أقرّتها الخطّة الخمسية العاشرة.
مطبات مسار التطبيق
كان الخلاف الأساسي يتمحور حول ما إذا كان القطاع الخاصّ قادراً على أن يحلّ محلّ الدولة، وإذا كان ذلك ممكناً، فمتى يمكن تحقيقه؟ ثمّة من رأى أن سورية تأخّرت في الإصلاح الاقتصادي بسبب العوائق التي يعاني منها القطاع العام، واعتبر أن القطاع الخاص قادر على أن يحلّ محله، وأن على القطاع العام أن يتراجع، لأنه لا يحقّق المعايير الاقتصادية بمعنى الربح والخسارة. في المقابل، رأى خبراء كثيرون أن القطاع الخاص لا يستطيع أن يحلّ محلّ الدولة، وأن المسألة ليست في المفاضلة بين القطاعين، بل في التأكيد على التعدّدية الاقتصادية، والتي تشمل القطاعات، العام والخاص والمشترك والتعاوني. فالقطاع العام ضرورة تاريخية وتنموية، وليس مجرد أداة للقيام بدور اجتماعي، بل هو أحد ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعنصر هام من عناصر الاقتصاد والإنتاج. كما أن القطاع الخاص ضرورة تنموية. وللقطاع التعاوني أهمية خاصة في ظل تعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي وما يرافقه من تأثيرات سلبية ناتجة عن نظام السوق الذي يعزز التفاوت في الدخول، ويعمّق الاستقطابات الاجتماعية، ويساهم في توريد البطالة باستمرار، في حين يمنح القطاع التعاوني فرصة للفئات الضعيفة للبقاء في السوق.
في منعطف حاسم من تاريخ سورية، وبعد سنوات من النزاع والانهيار المؤسسي والاجتماعي، تبرُز توجهات نحو الخصخصة ضمن ما يُقدَّم أنه "برنامج وطني لتحديث الاقتصاد"
لقد رافقت تطبيق نظام السوق الاجتماعي مشكلاتٌ عديدة، منها ما كان يروّجه بعضهم، أن تفعيل اقتصاد السوق تحرير التجارة وهذا يعيق نمو الصناعة، خلافاً لما يدّعيه الليبراليون. والحلّ في السياسات الاقتصادية وتعديل المهام التاريخية، وأول هذه المهام أن تصبح الصناعة القطاع الاقتصادي الأقوى في سورية، وأن يكون تحديثها وتعميقها وزيادة الاستثمار فيها وتوفير فرص العمل الهدف الأساسي. من يساهم في ذلك له دور، ومن لا تتوافق مصالحه مع هذا التوجه خارج المعادلة.
لقد ظلّ اقتصاد السوق الاجتماعي معادلة صعبة، لكنها مطلوبة، إذ يتطلب دوما التحكّم بعملية الاندماج في الاقتصاد العالمي من أجل حل التناقض بين السوق والتنمية الاجتماعية. وعلى العكس، عدم التحكّم يعني استحالة تحقيق هذه المعادلة، والحل في التنسيق والتخصص الإنتاجي والتكامل القائم على ديناميكية التنمية. لذا، كان لا بد من إطار فكري يربط بين التحرير التجاري والتنمية الصناعية، ويعالج التنافس الصناعي، ويبني مصالح مشتركة تتجاوز الحدود القطرية.
بعدما تبيّن أن اقتصاد السوق الاجتماعي نموذج رأسمالي مع إشراف اجتماعي للدولة، يصبح السؤال: كيف يمكن تطبيق هذا النموذج في بيئات مختلفة، مثل البيئة السورية التي تتميز بتحديات خاصة. ففي سورية، كما في بلدانٍ ناميةٍ كثيرة، هناك حاجة ملحّة لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية في ظروف معقدة تشمل ضعف الإنتاجية، هيمنة القطاع العام، وتأثيرات العولمة المتزايدة.
في سورية، الوضع أكثر تعقيداً وصعوبة بسبب انخفاض الإنتاجية، واعتمادها على تصدير المواد الخام أو شبه الخام، والتي لا تحقق قيمة مضافة كافية، ما يجعل الإنتاج المحلي غير قادرٍ على توليد فائض اقتصادي يمكّن من تمويل التنمية الاجتماعية، خصوصاً مع غياب الدعم الاشتراكي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وكذلك غياب الدعم العربي في الموارد الإنمائية بسبب تطورات الأوضاع الإقليمية وموقف سورية من تلك الأحداث. لذا سيصبح تطبيق هذا الشعار صعب التحقيق من دون الانتقال إلى نهج جديد يقوم على رفع معدل الاستثمار في القطاعين العام والخاص، والتركيز على تعدّدية اقتصادية أكثر فاعلية، ما يتطلب توسيع دور الدولة الاستثماري، وكان هذا محكوما في عدة عوامل، منها تراجع الإنتاجية والفساد والترهل الإداري الذي سبق إعلان الخطة الخمسية العاشرة، إضافة إلى اعتماد سورية على الاقتصادي الريعي من النفط والغاز، وتراجع حصّة الزراعة والصناعة في الناتج المحلي الإجمالي.
دفاعاً عن الدولة التنموية ضد تصفية القطاع العام
في منعطف حاسم من تاريخ سورية، وبعد سنوات من النزاع والانهيار المؤسسي والاجتماعي، تبرُز توجهات نحو الخصخصة ضمن ما يُقدَّم أنه "برنامج وطني لتحديث الاقتصاد". غير أن هذه الطروحات، عند تحليلها ضمن السياق الفعلي، تبدو أقرب إلى تفكيك تدريجي لوظائف الدولة التنموية، وإعادة تعريف القطاع العام عبئاً مالياً بدلاً من كونه أصلاً استراتيجياً ورافعة للعدالة الاجتماعية. فبدل أن تُطرح الخصخصة أداة إصلاحية ضمن رؤية شاملة لإعادة البناء، يجري ترويجها بديلاً عن دور الدولة في الاقتصاد، في وقتٍ لا تزال فيه الفجوات الاجتماعية تتسع، والمؤسّسات العامة تمثل خط الدفاع الأخير أمام الفقر والتهميش. لقد أثبتت التجربة السورية أن القطاع العام لم يكن عبئاً، بل أداة مركزية لتحقيق التوازن الاجتماعي والسيادة الاقتصادية، فمؤسّسات الدولة، رغم ما أصابها من ضعف، كانت ولا تزال الضامن الأساسي لتوفير الخدمات العامة، وتوزيع الدخل، وتوفير فرص العمل، خصوصاً في غياب عدالة السوق.
وهنا تُطرح أسئلة مركزية: هل يمكن لدولة خارجة من صراع كارثي أن تتخلى عن أدواتها التنموية؟ هل يُعقل أن تُعاد هيكلة الاقتصاد السوري على قاعدة السوق والربحية، بينما لا تزال الفجوات الاجتماعية تتسع؟ وماذا عن الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل باعتبارهما أداتين أساسيتين لإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن؟
كان القطاع العام السوري، عقوداً، الأداة الرئيسية التي استخدمتها الدولة لتحقيق التوازن الاجتماعي وتوفير الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية. فوفقاً لما كان يطرحه المفكر الاقتصادي عصام الزعيم، لم يكن القطاع العام مجرّد مؤسّسة إنتاجية، بل "أداة للدفاع عن السيادة الوطنية، ولتحقيق تكافؤ الفرص وإعادة توزيع الثروة في ظل سوق مختل التوازن". في مقال له ضمن كتاباته عن "اقتصاد ما بعد الصراع"، شدّد الزعيم على أن "الخصخصة في الاقتصاديات الهشّة ليست طريقاً إلى التنمية، بل جسراً لتعميق الريع والاحتكار، وتقليص قدرة الدولة على إدارة السياسات الاجتماعية". وبهذا المعنى، لم يكن القطاع العام مفصولاً عن الرؤية السياسية - الاجتماعية للدولة، بل جزءاً من معادلة الحماية الاجتماعية التي تضمن الوصول إلى الخدمات الأساسية، والحد من الفوارق الطبقية، وتوفير فرص العمل المستقر، خصوصاً في ظل اقتصادٍ يفتقر إلى عدالة السوق وآليات توزيع منصفة.
لا تبدأ الدول الخارجة من الأزمات بالنمو عبر "مناخ الاستثمار"، بل عبر بناء عقد اجتماعي جديد، جوهره العدالة والتكافؤ، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون آليات لإعادة توزيع الدخل. وتاريخياً، كانت أرباح مؤسّسات القطاع العام وأجورها المدعومة، ودورها في تمويل الدعم والخدمات العامة، القناة الأساسية التي استخدمتها الدولة السورية في عملية إعادة التوزيع. حتى المؤسّسات المالية الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد، بدأت في السنوات الأخيرة مراجعة موقفها التقليدي من الخصخصة، حيث ذهب جوزيف ستيغليتز (الحائز على نوبل في الاقتصاد) إلى أن "الخصخصة في غياب مؤسّسات رقابية ديمقراطية، تؤدّي إلى تكريس الأوليغارشية، لا إلى نمو الاقتصاد".
وبالتالي، الدفع باتجاه بيع الأصول العامة من دون خطة واضحة لإعادة التوزيع العادل للدخل، ولا منظومة حماية اجتماعية فعالة، يعني، ببساطة، دفع المجتمع نحو مزيد من الفقر، وزيادة في فجوة اللامساواة، وهي بيئة غير قابلة للاستقرار لا السياسي ولا الاقتصادي. ما تحتاجه سورية في هذه اللحظة ليس دولة تنسحب من الاقتصاد، بل دولة تستعيد أدواتها السيادية في الإنتاج والتوزيع والتخطيط، تماماً كما فعلت دول شرق آسيا بعد الحروب، وكما نادت به تجارب عديدة في الجنوب العالمي.
في الختام، ما يُطرح اليوم باسم "الإصلاح الاقتصادي" يجب أن يُخضع لنقاش عام مفتوح، شفاف، ومسؤول، فالقطاع العام ليس عبئاً، بل هو الضامن الاجتماعي الأخير، وموقع الصراع الحقيقي ليس حول "من يملك"، بل حول من يستفيد ومن يُقصى. وإذا كانت الحكومة جادّة في إعادة بناء سورية الجديدة عليها أن تعيد الاعتبار لدور الدولة في الحماية، والتنمية، وإعادة التوزيع، وإلا ستغدو الخصخصة شكلاً آخر من إعادة إنتاج اللاعدالة، كما قال الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي: "كل اقتصاد لا يُعاد فيه توزيع الثروة بشكل دوري سيتحوّل إلى نظام إقطاعي جديد".
فمن غير المبرّر، لا اقتصادياً ولا أخلاقياً، تلك الدعوات المتزايدة إلى الليبرالية المفرطة التي يروّجها بعض الاستشاريين والخبراء الاقتصاديين القادمين في معظمهم من القطاع الخاص، والذين يتعاملون مع الدولة لا بوصفها أداة لتحقيق العدالة والتنمية، بل عائقاً أمام حرّية السوق المطلقة. يفرّغ هذا المنظور الاقتصاد من بعده الإنساني، ويضعه في خدمة مصالح فئة ضيقة تملك رأس المال، وتتحكّم بمفاصل السوق، في تجاهل سافر للهشاشة البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد السوري، وضعف القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر والبطالة، وتراجع مؤشّرات التنمية البشرية.
تتجاوز هذه الدعوات المسألة الاقتصادية لتلامس إشكالية فلسفية تتعلق بمفهوم الدولة نفسها، هل الدولة كيان يرعى المصلحة العامة ويضبط تناقضات السوق؟ أم هي مجرّد حارس لحرية رأس المال؟ في واقع ما بعد الحرب، تصبح هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً، فالدولة التي تخرُج من الحرب مثقلة بالفجوات الاجتماعية والمؤسّساتية، لا يمكنها أن تسلم مفاتيح الاقتصاد لليبرالية المتوحشة، بل عليها أن تعيد بناء علاقتها بالمجتمع على أساس التوزيع العادل للثروة والموارد، وهو ما لا يتحقّق إلا في ظل نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي يجعل من الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل مكونين بنيويين، لا مجرّد إضافات تجميلية.
التحول نحو الليبرالية المتوحشة، من دون وجود مؤسّسات رقابية قوية أو منظومة حماية اجتماعية فعالة، يعني ببساطة تفكيك المصلحة العامة، وتكريس الأوليغارشية، كما حذّر الاقتصادي جوزيف ستيغليتز. وهذا ما يتعارض مع متطلبات إعادة بناء العقد الاجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تكون العدالة والتكافؤ حجر الأساس لأي استقرار سياسي واقتصادي. حتى المؤسّسات المالية الدولية بدأت بمراجعة مواقفها من الخصخصة، بعدما أظهرت التجارب أن البيع العشوائي للأصول العامة يؤدّي إلى تعميق الفقر، وتوسيع الفجوة الطبقية، وتراجع مؤشّرات التنمية البشرية. ما تحتاجه سورية اليوم ليس انسحاب الدولة من الاقتصاد، بل استعادة أدواتها السيادية في الإنتاج والتوزيع والتخطيط، كما فعلت دول شرق آسيا بعد الحروب. فالدولة يجب أن تكون راعية للمصلحة العامة، لا مجرّد حارس لحرية رأس المال. وبالتالي، يبقى اقتصاد السوق الاجتماعي النموذج الأكثر واقعية وعدالة، لأنه يدمج بين آليات السوق والحماية الاجتماعية، ويجعل من إعادة توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية مكونات بنيوية، لا إضافات تجميلية.
لم تمتلك سورية تاريخياً نموذجاً اقتصادياً – اجتماعياً معرفاً بوضوح، فالنظام لم يطبّق الاشتراكية المخطّطة كما ادّعى، ولم يتبنَ الرأسمالية الليبرالية بشكل كامل
منطق ثالث خارج ثنائية الاشتراكية والرأسمالية
نشأ هذا النموذج تاريخياً في أوروبا بعد أزمة الكساد الكبير، حيث كان الهدف حماية الطبقة العاملة ومنع التوترات الاجتماعية من خلال بناء عقد اجتماعي اقتصادي يوازن بين مصالح أرباب العمل والعمّال، مع تعزيز دور الدولة في الإشراف والتنظيم. وهو بذلك يمثل صيغة وسطية بين الرأسمالية الصرفة والاشتراكية، تضمن الاستفادة من مزايا السوق مع معالجة آثاره الاجتماعية السلبية.
تاريخياً، يمثل الجمع بين ثنائية السوق والمجتمع في نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي محاولة توفيقية صعبة تتحقق تاريخياً في ظروف استثنائية خاصة، فقد طُبق هذا النظام في دول الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا عقب أزمة الكساد الكبير، وانتشار البطالة، وانهيار الثقة بالنظام الرأسمالي، إلى جانب تصاعد النفوذ الفكري للشيوعية، وخطر استقطاب الطبقة العاملة من الأحزاب الشيوعية. وقد دفعت هذه العوامل الرأسمالية الغربية إلى تقديم تنازلات اجتماعية واقتصادية وسياسية هامة للطبقة العاملة.
يبرز نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي خياراً متوازناً يجمع بين آليات السوق الحرّة والتدخل الحكومي لضمان العدالة الاجتماعية. ولا يعني هذا النموذج بأي حال انسحاب الدولة من مسؤولياتها التنموية، فالدولة ضمن هذا النموذج تضمن الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية، مثل التعليم، الصحة، الكهرباء، المياه، والنقل، وتحرص على استمرار الدعم الاجتماعي، كما يظهر في عدم رفع الرسوم الطلابية والصحية، واستمرار دعم الكهرباء والنقل والمازوت. كما يعدّ القطاع العام رافعة أساسية للتنمية الاجتماعية، من خلال الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة، والحفاظ على العمّال وعدم بيع المؤسسات العامة. ولا يقتصر الأمر على الدولة وحدها، بل يمتد ليشمل النقابات ومؤسّسات المجتمع المدني، التي تلعب دوراً محورياً في مراقبة الأداء والمشاركة في رسم السياسات، بما يضمن توزيعاً عادلاً للثروة والفرص، فالنقابات، على وجه الخصوص، تساهم في تحديد توزيع القوى داخل المجتمع، والدفاع عن مصالح الفئات العاملة، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
أما القطاع الخاص، فله دور تكاملي لا بديل فيه عن القطاع العام، إذ يتطلب تحقيق نمو شامل ومستدام تكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين، وليس استبدال أحدهم بالآخر. ليست التنمية الاجتماعية نتيجة تلقائية للنمو الاقتصادي، بل هي ثمرة سياسات واعية، وتوزيع عادل للموارد، وتكامل بين الدولة والمجتمع المدني والنقابات، ضمن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي لا يزال صالحاً وضرورياً لتحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
لازمت صفةُ الاشتراكية الاقتصادَ السوري نظرياً، بعد استحواذ حزب البعث العربي الاشتراكي على الحكم؛ والذي وصف اقتصاد البلاد بالاشتراكي المخطّط في دستور 1970 والدساتير التي تلته. وبقي هذا التوصيف ملازماً له حتى أزال دستور 2012 وصف الاشتراكية بشكل نظري، مع استمرار النظام البائد في العمل ببعض السياسات الاقتصادية الاشتراكية انتقائياً. لم يُحدّد ذلك الدستور سِمَة الاقتصاد، بل عرّفه بأنه وطني يقوم على تنمية النشاط الاقتصادي العامّ والخاصّ، بهدف تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع والأفراد لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
لم تمتلك سورية تاريخياً نموذجاً اقتصادياً – اجتماعياً معرفاً بوضوح، فالنظام لم يطبّق الاشتراكية المخطّطة كما ادّعى، ولم يتبنَ الرأسمالية الليبرالية بشكل كامل، بل اعتمد تركيبة هجينة، تتغير حسب السياق السياسي والاحتياجات السلطوية. عملياً، لم تكن سياسات الأسد الأب البائد اشتراكية حادّة، ولم تقع بعهده أيّ إجراءات اشتراكية جذرية، بل حدثت جميعها؛ من تأميم وإصلاح زراعي وضمان اجتماعي ومجانية خدمات الصحة والتعليم وتوسيع القطاع العامّ الإنتاجي، في عهد الوحدة (1958 ـ 1961)، وعهد حزب البعث الأول (1963 ـ 1970). الأسد الأب اتّبع سياسات اشتراكية شكلية، مثل سياسة التوظيف لاستيعاب القُوَى البشرية والسيطرة عليها، مع تدرُّجه بسياسات قريبة من الليبرالية خاصة لصالح برجوازيات المدن الكبرى كدمشق، وتُوّجت سياساته بقانون الاستثمار رقم 10 لعام 1990، الذي ساهم في تراكُم الثروات لصالح شخصيات تابعة للنظام السوري ولم يحقق هذا القانون النهضة الاقتصادية والصناعية المطلوبة.