حديث السوريين... مدنٌ تتبادل الكلام من بين ثقوب الجدران
- رغم الجهود لتعزيز التفاهم، لا يزال المجتمع يعاني من الانقسامات الطائفية وجرائم القتل على الهوية، مما يثير التساؤلات حول تأثير اللقاءات على الواقع العام.
- تعكس مخيمات النازحين مثل أطمة المأساة العميقة، مما يبرز الحاجة إلى شراكة حقيقية بين السوريين لتجاوز الانقسامات وبناء مستقبل مشترك.
رواد منتديات، ومثقفون، وناشطون مدنيون، فتحوا حواراً وطنياً في الهواء الطلق، يتنقلون بالمئات من مدينة لمدينة، ليكسروا الجدران التي بنيت بينهم.
بعد سقوط النظام في 8/12/2024 شعر السوريون بأن الجدار الذي كان يسد الأفق أمامهم قد سقط دون تفكير بالقادم، وسعوا لاختراع طرقهم الخاصة نحو براري المستقبل. رغم أن محطاته قد حملت لهم دماء جديدة أريقت وخيبات كثيرة.
كان من السهل لأي متابع أن يلاحظ اندفاعاً تجاه الفاعليات والنشاطات، ويعود ذلك إلى الجوع الحقيقي للعمل المدني بعد ما شهدوه من تقليص لأي نشاط للحدود الدنيا خلال سنوات طويلة وتحديدا منذ ربيع دمشق، الذي كان صحوة قصيرة انتهت بطريقة سيئة، ورغم أن هذا الاندفاع قد تراجع في ما بعد إلى حد ما، لكن ما زالت المنتديات والجمعيات التي تشكلت تنشط وتمارس عملها.
يأتي حديث المدن كنشاط جامع للمنتديات التي تأسست في المدن السورية. على سبيل المثال "حديث الأربعاء" في حمص، و"حديث الاثنين" في حلب و"حديث إدلب" و"لقاء حماه" و"لقاء مصياف"... وغيرها
عاش السوريون معاً، لكن لسنوات طويلة كانت هناك جدران تنمو بينهم، واليوم أينما التقيت بأحدهم سيقول نحن لا نعرف بعضنا بعضاً، لقد بقي الجميع أسرى الصورة المسبقة والنمطية التي وصلت إليهم عن الآخر، والتي تعزّزت خلال الحرب الطويلة، بل وتعزّزت صورة عنيفة وملوثة بالدم، واليوم يعيشون حاجة حقيقية لكسر تلك الصورة لرأب الصدع الاجتماعي وترميم النسيج السوري الممزق. وبنظرة سريعة على ما يجري في الواقع، سنرى أنه بقى بعيداً عن الأمنيات، فالطريق طويل ويحتاج إلى محاولات مستمرة.
يأتي حديث المدن كنشاط جامع للمنتديات التي تأسست في المدن السورية. على سبيل المثال "حديث الأربعاء" في حمص، و"حديث الاثنين" في حلب و"حديث إدلب" و"لقاء حماه" و"لقاء مصياف" و"لقاء دمشق" و"حوار الثلاثاء" في السلمية و"حديث القلمون"، و"لقاء حوران" و"حديث البحر" في اللاذقية والساحل، ومن هذه الأحاديث يعقد لقاء شهريا بينها تحت ما يسمى حديث المدن.
يقول نادر صنوفي، مؤسس "حديث الأربعاء" في حمص: "يمكننا أن نقول هذا هو الحوار الوطني الحقيقي"، مضيفا: "كان اللقاء الثالث في مدينة حمص، وفي كل لقاء ترى مشاعر السوريين وهم يلتقون صورة حقيقية وصادقة عن الشعب السوري المتنوع والمؤمن بالعيش المشترك. مشاعر صادقة وعفوية، فنحن شعب انفعالي وعاطفي، ولهذا تبقى هناك هوة حقيقية بين هذه المشاعر وبين واقع ما زال يضغط باتجاه تفتيت المجتمع الأهلي وحرق سلامه".
فعلى بعد حي من تجمّع السوريين في مدينة حمص قتلت عائلة مؤلفة من أم وطفليها على خلفية انتماء طائفي، ثم قتلت عائلة أخرى في حي آخر، يعكس ذلك الصورة المتناقضة للمجتمع كاملاً والتمزق الحقيقي في نسيجه، فبينما يجتمع عدة سوريين يغنون ويلتقون بآمالهم ويعلو صوت الحلم بالقادم الذي يجمعهم على الطرف المقابل سترى صوت المؤثرين الإعلاميين الذين يحرضون على مكونات اجتماعية وطوائف معينة وينكرون وجودهم شركاء، بل يحرّضون لقتل أشخاص للشبهة وعلناً. وعلى امتداد الجغرافية السورية ما زالت ترتكب جرائم قتل على الهوية الطائفية، بينما تتأخر مراكب العدالة الانتقالية مسلمة هؤلاء الذريعة لتحقيق العدالة بطريقتهم ومن وجهة نظرهم.
وما زالت القضايا العالقة بين الإنكار والإثبات تشكل تحدياً مهماً للذات الإنسانية قبل كل شيء، كالموقف من خطف النساء أو غيرها، والتي لا يدرك من ينكرها الخطر الحقيقي على المجتمع كاملاً، إذ تهدم الضمير الإنساني وتمنح فرصاً إضافية للمستفيدين منها. وما يلحق بإنكارها تجارة وتبخيس المرأة ووجودها فقط لأنها من طائفة معينة.
يطرح هذا سؤالاً مهماً وبالخط العريض: إلى أي مدى تبدو هذه اللقاءات وهذا التعارف مجدياً أو مؤثراً على الواقع العام الشعبي أو الرسمي، خاصة في غياب الحياة السياسية حتى الآن؟ وهل تستطيع هذه الفعاليات أن تشكل رأياً عاماً ضاغطاً في قضية ما، أم أنها تكتفي بالتصفيق والمشاعر الانفعالية؟ وهل يستطيع المجتمع المدني أن يكون مؤثراً على أرض الواقع، كالتأثير في قضايا القتل الطائفي أو تأثير المحرضين ودعوات الانتقام التي تجعل البلاد تتخبط في مستنقع الدم من جديد، أو إيصال صوت العالقين في المخيمات إلى السلطات الرسمية لتؤمن عودتهم ليس فقط المكانية والجغرافية بل العودة للحياة الحقيقية؟
مشكلة المخيمات التي طرحت نفسها بقوة خلال الحديث الثاني والذي كان مكانه مدينة إدلب، فبعد الوصول إلى المدينة التي بقيت مجهولة لسنوات لكثير من السوريين، عبر طرق كانت مسرحاً للاشتباكات والمعارك المباشرة، ومروراً بمناطق وقرى كانت خطوط تماس، ما عرّض سكانها لمخاطر الموت والتدمير وأجبر الناجين منهم على ترك بيوتهم وأراضيهم والنزوح، بقيت الجدران في القرى المهدمة شاهداً على ما اقتطعته الحرب من حياتهم بانكسار يرتقه بين حين وآخر ظهور أشخاص عادوا من نزوحهم القسري، ليعيدوا ارتباطهم بالجذور.
يستحق السوريون أن يبدأوا شراكة حقيقية. ويحتاجون أن يستمعوا بعضهم لبعض، ويتشاركوا الحضور والآراء. وتوجيه الجهود لكسر الحواجز وتجاوز ما خلفته الـ14 عاماً من الانقسام
كان هذا كله مجرد تدريب صغير أمام المشهد الذي هز الأعماق بقوة في الطريق إلى مخيمات أطمة، وتلك الخيم. البيوت الواطئة والضيقة والممتدة كغطاء على السفوح والأماكن الوعرة لتشي بوعورة الحياة فيها وقسوة النفي والظلم الذي جعل الناس لسنوات في هذا الضيق والشدة، معبرة عن عمق المأساة وأي ثمن باهظ دفعه النازحون. واضعاً قضية عودتهم في مقدمة القضايا.
قادني اسم "حديث الأربعاء" الذي اختاروه اسماً للتجمّع في مدينتي، إلى تذكر "حديث الأربعاء" لطه حسين الذي داوم فيه على نقد الشعر والأدب العربي حتى جمع المقالات المنشورة كل أربعاء في كتاب حمل العنوان نفسه، فهل نتطلع أن يكون العمل المدني لهذه التجمعات ذا طابع رؤيوي نقدي، ليمارس دوره رقيباً وفاعلاً في رصد التحديات المجتمعية وعلى الواقع السياسي والحقوقي القانوني؟
المراهنة على النقد لأنه بمثابة إلقاء حجر في البرك الراكدة فكرياً والمنعزلة على أرض الاكتفاء بفرح النصر المسيطر عند كثيرين، وأن يكون الصوت لكل المكونات مع السعي إلى درجة من الاستقلالية والمسؤولية الحقيقية.
يستحق السوريون أن يبدأوا شراكة حقيقية. ويحتاجون أن يستمعوا بعضهم بعضاً، ويتشاركوا الحضور والآراء. وتوجيه الجهود لكسر الحواجز وتجاوز ما خلفته الـ14 عاماً من الانقسام والمعاناة والخسائر. وهذا يعني أولاً أن تتوقف الخسائر وألا تنشأ خسائر جديدة وانقسامات جديدة. فهل سيلتقي السوريون في صنوبر جبلة، أو القامشلي أو السويداء؟ ومتى؟ لتلتئم كل الجراح.