حرب عبر شاشة الموبايل... تهدد ما تبقى من السلم الأهلي

04 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:33 (توقيت القدس)
يصوّر محتفلين بذكرى تحرير مدينة أريحا بريف إدلب (28/5/2026 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- بعد التحرير، ظهرت تحديات جديدة مثل "الذباب الإلكتروني" الذي يستغل الأحداث لتأجيج الانقسامات وضرب السلم الأهلي، مما يشير إلى وجود جهات تديرها، رغم مشاركة بعض الأفراد بدافع الغضب أو الجهل.
- البيئة السورية المتأثرة بالحرب أصبحت أرضاً خصبة لهذه الظاهرة، حيث يعمق الذباب الإلكتروني الشروخ المجتمعية ويهدد الهوية الوطنية، مما يعوق جهود المصالحة والعدالة الانتقالية.
- لمواجهة الظاهرة، يجب تعزيز الجهود المجتمعية عبر حملات توعية وورشات تدريب، مع التزام الإعلام والشخصيات المؤثرة بالمهنية لتوجيه النقاشات نحو القواسم المشتركة.

ظنّ كثيرون أن مرحلة ما بعد التحرير ستكون فرصة لالتقاط الأنفاس، وترميم ما تهدّم، وفتح صفحة جديدة عنوانها المصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة والمجتمع. غير أن الواقع أظهر تحدّيات جديدة لا تقل خطورة عن تحديات الحرب العسكرية نفسها، وفي مقدمتها ظاهرة "الذباب الإلكتروني" التي برزت بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، مستغلةً الأحداث الأمنية والسياسية المتلاحقة، ومنها أحداث الساحل والسويداء، لتأجيج الانقسامات وضرب ما تبقى من السلم الأهلي بين السوريين.
مجموعة من الحسابات والصفحات والأفراد ينشطون بشكل منظم أو شبه منظم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف نشر الشائعات، وتضليل الرأي العام، والتحريض الطائفي أو العرقي أو السياسي، والتأثير في اتجاهات النقاش العام. وغالباً ما تعمل هذه الحسابات وفق أجندات محددة، مستخدمةً أساليب متشابهة في الخطاب والتوقيت والمحتوى، ما يوحي بوجود غرف إدارة أو جهات تقوم بتوجيهها وتزويدها بالرسائل والمضامين المطلوبة.
غير أن السؤال دائماً هو: هل كل الذباب الإلكتروني يعمل بتوجيه مباشر من جهات سياسية أو أمنية؟ الإجابة ليست بالضرورة نعم. فبينما توجد شبكات منظمة تتلقى التعليمات وتعمل وفق أهداف مرسومة، هناك أيضاً أفراد عاديون يشاركون في نشر خطاب الكراهية والتحريض بدافع الغضب أو التعصب أو الجهل بخطورة ما يفعلونه. ومع مرور الوقت يتحول هؤلاء إلى أدوات مجانية في خدمة المشاريع التي تسعى إلى تمزيق المجتمع، حتى وإن لم يكونوا جزءاً رسمياً منها.
لقد وجدت هذه الظاهرة في البيئة السورية أرضاً خصبة للنمو. فسنوات الحرب الطويلة خلفت جروحاً عميقة وذكريات مؤلمة لدى مختلف المكونات السورية. كما أن حالة الاستقطاب السياسي الحاد وانعدام الثقة بين شرائح واسعة من المجتمع جعلت كثيراً من السوريين أكثر قابلية لتصديق الأخبار المضللة والخطابات التحريضية. ومع كل حادثة أمنية أو اشتباك محلي أو توتر سياسي، تنشط حسابات الذباب الإلكتروني لنشر الروايات المتطرفة وإعادة إنتاج لغة التخوين والكراهية.
وقد ظهر ذلك بوضوح عقب الأحداث التي شهدها الساحل السوري، وكذلك خلال التوترات التي عرفتها محافظة السويداء. فبدلاً من الدعوة إلى التهدئة وترك المجال للتحقيقات والحقائق، امتلأت منصات التواصل بموجات من التحريض الجماعي، واتهامات تستهدف جماعات بأكملها على أساس طائفي أو مناطقي أو عرقي. وتحولت بعض الصفحات والحسابات إلى ساحات مفتوحة لإحياء ذاكرة الحرب وتبادل الاتهامات، الأمر الذي ساهم في تعميق الشروخ المجتمعية وإثارة المخاوف المتبادلة بين السوريين.
أخطر ما في الذباب الإلكتروني أنه لا يستهدف الأفراد فقط، بل يستهدف مفهوم المواطنة ذاته. فعندما يتم تصوير أي حادثة باعتبارها صراعاً بين طائفة وأخرى أو بين منطقة وأخرى، تتراجع الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهويات الفرعية الضيقة. وعندما يُدفع المواطن إلى النظر إلى جاره أو شريكه في الوطن باعتباره خصماً أو تهديداً محتملاً، فإن فرص بناء دولة مستقرة تتضاءل بشكل كبير.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة بسبب طبيعة المجتمع السوري المتنوع. وأي خطاب يستهدف هذا التنوع أو يحوله إلى مصدر صراع بدلاً من أن يكون مصدر غنى، يشكل تهديداً مباشراً لمستقبل البلاد. والذباب الإلكتروني لا يكتفي بإثارة الفتن، بل يعرقل أيضاً جهود العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى الاعتراف بالآلام المتبادلة، وإلى بناء جسور الثقة، وإلى ترسيخ ثقافة الحوار. أما خطاب الكراهية والتحريض فيدفع نحو الانتقام الجماعي ويجعل أي محاولة للتقارب أو التفاهم تبدو خيانة أو ضعفاً في نظر بعضهم.
لا يمكن أن تقتصر مواجهة هذه الظاهرة على الإجراءات القانونية أو التقنية، رغم أهميتها، بل تحتاج إلى عمل مجتمعي واسع تقوده المؤسسات المدنية والمبادرات الأهلية. فالمعركة الحقيقية هي معركة وعي قبل أن تكون معركة أمنية أو إعلامية.
ومن بين الخطوات الضرورية إطلاق حملات توعية تستهدف مختلف الفئات العمرية، وخصوصاً الشباب، لتعريفهم بخطورة الأخبار المضللة وخطاب الكراهية وآليات التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها. كما يمكن للمنظمات المدنية والهيئات الأكاديمية والإعلامية أن تنظم ورشات تدريب حول التربية الإعلامية والرقمية، بما يساعد المستخدمين على التمييز بين الخبر الحقيقي والمحتوى الموجّه.
كذلك يمكن إنشاء مبادرات أهلية لرصد المحتوى التحريضي والإبلاغ عنه، والعمل على إنتاج محتوى بديل يعزز قيم التعايش والتنوع والاحترام المتبادل. فمواجهة خطاب الكراهية لا تتم فقط بحذفه أو إدانته، وإنما أيضاً بإنتاج خطاب إيجابي قادر على الوصول إلى الناس وإقناعهم.
وتتحمل وسائل الإعلام مسؤولية كبيرة في هذا السياق، من خلال الالتزام بالمهنية وتجنب الإثارة ونقل الأخبار بدقة وتوازن، وعدم الانجرار وراء الروايات غير الموثقة التي تغذي الانقسامات. كما أن الشخصيات الاجتماعية والدينية والثقافية المؤثرة تستطيع لعب دور مهم في تهدئة النفوس وتوجيه النقاشات العامة نحو القواسم المشتركة بدلاً من نقاط الخلاف.
سورية التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب لا تحتمل اليوم حروباً جديدة تُخاض عبر الشاشات والهواتف الذكية. فالذباب الإلكتروني، مهما بدا افتراضياً، قادر على إحداث آثار واقعية ومدمرة على السلم الأهلي ووحدة المجتمع. ومن هنا فإن التصدي له ليس مسؤولية الحكومة أو المؤسسات وحدها، بل مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل سوري حريص على مستقبل بلاده. وتبقى المعركة الأهم حماية النسيج الوطني، وترسيخ ثقافة المواطنة، وتجفيف منابع الخطاب الذي يسعى إلى تمزيق السوريين بعد كل ما عانوه.